المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد عادل طه Headshot

برلمان أم روضة أطفال؟!

تم النشر: تم التحديث:

يُرْجَى من السادة النواب إغلاق هواتفهم.
يُرْجَى من السادة النواب الابتعاد عن وسط القاعة لتسهيل عملية انتخاب رئيس ووكلاء المجلس.
يُرْجَى من السادة النواب الابتعاد عن مكان لجنة الفرز حتي لا يُعاق عملها.
...تعددت الرجاءات للسادة النوب، لكن لم يستجب أحد في أي مرة.
طابور مدرسة بلا مدير ينظمه، أو سيرك أُطْلِقَ فيه المُهَرِّجُون بدون قواعد تُنَظم مواعيد فقراتهم، فقدموها جميعا في وقتٍ واحد، تداخلت فقراتهم وأفسد كلٌ منهم لُعبَةَ الأخر، والشيء الوحيد الذي تبقي من رائحة السيرك الأصلي هو أنه ما زال قادرا علي إضحاك الجمهور.

يضحك الجمهور هذه المرة، ليس لبراعة المهرجين، وإنما من فرط سوء أدائهم، نواب يتحدثون في هواتفهم ويشيرون لكاميرات التلفاز، على الأرجح لذويهم الذين يحدثونهم في هواتفهم بينما يشاهدونهم من خلف الشاشات.. نائب يسأل زميله عن "الكراميلة"!
فَكَّرْتُ لوهلة أن سيادة النائب قد أحضر أحد أطفاله إلى قاعة المجلس ويبحث عنها لأجله، بَذَلْتُ جُهْداً لفترة في البحث عن طفله في المساحة التي تنقلها عدسات الكاميرات من المجلس، ومن ثَمَّ انصرفت خائباً بعدما تيقنت أنه من الصعوبة بمكان إيجاد طفل سيادة النائب وسط كل هذا الكم من الأطفال الذين احتلوا مقاعد مجلس عريق جَلَسَ عليها يوماً أمثال سعد زغلول وفؤاد سراج الدين.

انْصَرَفْتُ بعدها عن متابعة ما يجري في المجلس إلى تصفح إحدى الجرائد الورقية في يدي بينما تركت التلفاز يعمل، وأثناء تعمقي في قراءة أحد الأخبار طرق سمعي حديثاً عن "الغداء"، وعن "نشفان العملية"، و"وجبات البوفيه"، تساءلت عن كيفية وصول حلقة رامز جلال السخيفة مع "أحمد التباع" إلى قناة صوت الشعب المعنية بنقل جلسات مجلس النواب، للحظة مَرَّ في ذهني أن أحدا ما قد غير القناة، قبل أن أشيح الجريدة التي في يدي وأكتشفُ أن ما سمعته قد جاء فعلاً من المجلس وأن عقلية أحمد التباع هي من وصلت إلى المجلس، وليست القناة هي التي قد تم تغييرها.

قلت لنفسي: دعينا من كل هذا، لربما ذلك كله محض هُراء سيقتصر على الجلسةِ الأولى، فبمجرد أن يتم انتخاب رئيس المجلس ووكيليه سيسود النظام تلك القاعة، وستبدأ المعارك، معارك حقيقية من أجل ذلك الشعب الذي لم يجد من يحنو عليه.
لربما ابتعث الله لنا هذا العدد الكبير من النائبات في هذا المجلس للعب دورٍ مختلف، رُبَّما لكي يُغْدِقن علينا من ذلك الحنان الذي طالما سمع عنه المصريون من مسئوليهم، لكن أبداً لم يروه بأعينهم ولا حتى أحسوا به في جيوبهم.

لم يَمْضِ الكثير من الوقت قبل أن يخوض التكتل النسائي البرلماني أول معركة داخل المجلس، تحدثت الأخبار عن 89 نائبة يتقدمن بشكوى لرئيس البرلمان ضد نائب زميل بعدما طالب النائبات بالاحتشام داخل المجلس، ونِعْمَ المعارك.

النائب الذي يطالب بالاحتشام ومنع"البوس" داخل المجلس، يضع في أولوياته مراقبة ملابس زميلاته النائبات لا قرارات الحكومة، وسَنّْ قواعد تمنع تبادل القبلات لا الفساد.
كل ذي عقل سيفهم أن سيادة النائب وصل إلى درجة من الفراغ تدفعه إلى الخلوة بنفسه ليلاً لساعات يفكر في أطرف ما يمكن طرحه في الصباح داخل المجلس كي تفتح له برامج التوك شو شاشاتها وتتناقل المواقع الإلكترونية اسمه، ونِعْمَ النواب.

تَبَارَي النواب في إبراز أسوأ صورة يمكن أن يصنعها برلمان، يوسف معاطي نفسه وهو يكتب فيلمه الشهير "مرجان أحمد مرجان" لم يكن يتخيل أن الكوميديا الخيالية التي ينسجها بقلمه سيراها يوماً على القنوات الإخبارية بدلاً من "موجة كوميدي" وأخواتها.

عزيزي القارئ، هذا المجلس نموذج حي يعطيك فكرة عن سبب محاربة النظام الحاكم للمُفَكرين والأكاديميين والمثقفين المعنيين بالشأن العام، الساسة الذين يريدونهم هم ذلك النوع الذي يُصَفِّق تلقائيًّا بمجرد ذكر الرئيس في البرلمان بدلاً من طلب مساءلته واستجوابه.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.