المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد عادل طه Headshot

جريمة التعاطف مع فرنسا

تم النشر: تم التحديث:

في عقل البعض، إذا ما رآك تأكل الدجاج فهذا يعني أنك لا تحب الأسماك، وأنك متحيز للدجاج لأنك تراه فصيلة أرقى من الأسماك، أنت تحب الدجاج لأن المجتمع يحب الدجاج، أما الأسماك المسكينة فأنت تتجاهلها.

في الواقع ربما تكون محباً للأسماك أكثر، لكنك فقط قررت أن تأكل الدجاج اليوم لأنك اشتهيته أو رأيت ضرورة ما لتناوله، لكن عقول البعض ضيقة لدرجة تخييرك ما بين حب الدجاج أو حب الأسماك.

عقب هجمات باريس الإرهابية الدامية، تضامنت عشرات الملايين حول العالم مع بشر كتب عليهم القدر أن يولدوا في فرنسا قبل أن يتضامنوا مع فرنسا كدولة، لكن فوضى المواقف والمنشورات والتعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي أظهرت الكثير من العنصرية.

كثيرون هم في عالمنا العربي وخاصة مصر من يطالبون بالديمقراطية والحرية وينتقدون الدكتاتورية والقتل والقمع، لكن فيما يبدو يطالبون بالحرية لأنفسهم، وينتقدون تطرف الدكتاتورية العسكرية التي تقتلهم وفقط، وبالنسبة لهم فالنقد كله للتطرف الذي يقتلهم، لكن لا مانع من التطرف الذي يقتل هؤلاء البشر الكفرة الذين يقطنون بلاد الفرنجة.

دعونا من هذا الفَرِحْ بقتل الأبرياء في باريس فهو بالأساس وبلا شك متطرف لا إنساني يؤيد الجماعات الإرهابية مثل داعش وإخوانهم، وعلى الأغلب فهو أساساً لا يقرأ مثل مقالي هذا لإنشغاله بمطالعة مواقع جهادية أو بمشاهدة إصدارات داعشية يقطع فيها بعض الصبية رقاب مسلمين مثلهم، ما أريد الحديث عنه بالأساس هو ذلك الرافض لما حدث، لكنه يُزايد على المتضامنين مع فرنسا.

تضامن الكثيرون مع فرنسا بإضافة علم فرنسا إلى صورهم الشخصية على فيسبوك، لكن لم تخل واحدة من تلك الصور من تعليقٍ مُنْتَقِدٍ مُتَسائل عن سبب التعاطف مع فرنسا، وعدم التعاطف مع سوريا وفلسطين، نجح جمهور ذلك الرأي في تحويل التعاطف مع فرنسا من فعل متحضر يقع في قمة الرتب الإنسانية في رأيي إلي جريمة يُتَّهَم صاحبُها بغض بصرهِ عن جرائم السفاح السوري ضد إخواننا السوريين، وجرائم الصهاينة ضد إخواننا الفلسطينيين، والبعض حتى اتهمنا بالصهينة على موت مسلمي بورما، من الجيد أن الأمر لم يصل إلى إتهام المتضامنين بمعاونة المشركين والتواطؤ في غزوة الأحزاب.

باختصار، الإنسانية لا تفرق بين عرق أو دين، ونتعاطف مع إخواننا الفلسطينيين وإخواننا السوريين ضحايا الاحتلال وضحايا المختل الذي يسكن دمشق كما نتعاطف مع ضحايا باريس، وكل الحكاية تتلخص في أن مسألة إضافة صورة تضامنية إلى الصورة الشخصية بدأت بالأمس القريب، وكانت بدايتها بإضافة فيسبوك لصورة تضامنية مع حقوق المثليين، ومن ثم صور للتضامن مع الكلاسيكو الأسباني وصورة تضامنية مع أحداث فرنسا، ولو كان مشروع الصورة التضامنية قد خرج للنور منذ سنوات لرأينا الملايين حول العالم يتضامنون مع ضحايا فلسطين مروراً بمجازر حماة ودوما ورابعة وصولاً إلى التضامن مع باريس.

هل صُنِّفَ التضامن مع مجزرة رابعة مثلاً موافقةً على مجازر سوريا وفلسطين؟ ، فلماذا صُنِّفَ التضامن مع مجزرة باريس موافقةً على مجازر سوريا وفلسطين؟، الإنسانية صدرها رحب يتسع للتضامن مع كل الأبرياء ومع كل الضحايا، فلماذا يُصِر الكثيرون على الخروج من سعة الإنسانية إلى ضيق التصنيفات، ولماذا يُصِر البعض على المزايدة على أصحاب المبادئ والقيم؟، من حقك أن تكون عنصرياً وتتضامن مع أبناء دينك أو أخوة عروبتك في سوريا وفلسطين وفقط، لكن ليس من حقك المزايدة على المتضامنين مع فرنسا.

في رأيي ما يستحق النقد فعلاً هو مجتمع دولي مختل القيم والمعايير، يتضامن مع ضحايا باريس، ويغض بصره عن ضحايا آخرين ويقف متفرجاً على بشار يقصف شعبه بالكيماوي، فيما يستقبل قادة دول عظمى دكتاتوراً مصرياً يقمع شعبه، متناسين أن دكتاتوريته وقمعه مع غيره من دكتاتوريي الشرق الأوسط عوامل رئيسية تفتح الأبواب أمام الكثيرين للانضمام إلى ركب التطرف والإرهاب.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.