المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

Mohammed Suliman Headshot

إسرائيل تحصد زرعها في فلسطين

تم النشر: تم التحديث:

مرة أخرى، اندلعت اشتباكات مميتة في الأراضي الفلسطينية. بدأ الأمر من شرق القدس، ليمتد بعد فترة وجيزة إلى مدن الضفة الغربية، وقطاع غزة المحاصر. لقي 32 فلسطينيًا حتفهم حتى الآن على يد الجيش الإسرائيلي وقوات الشرطة. 10 منهم بادروا بالهجوم، لكن أغلبهم لم يحمل سوى الحجارة، وتم إطلاق النيران عليهم خلال التظاهرات. وقُتل سبعة إسرائيليين في هجمات فلسطينية تنوعت بين الطعن، إطلاق النار والدهس.

على الرغم من عودة إسرائيل وفلسطين إلى صدارة الأخبار العالمية، فإن الوضع الحالي مختلف تمامًا عما شهدناه في الأعوام القليلة الماضية. لم يعد الأمر متعلّقًا بتصفية الحسابات بين إسرائيل و "الإرهابيين" في غزة. هذه ليست جولة أخرى من الصراع بين إسرائيل وحماس. لكن في الصدامات الحالية نجد أن إسرائيل لا تواجه جماعة أو قيادة فلسطينية محددة، وإنما الجيل الفلسطيني الصاعد في الضفة الغربية، داخل إسرائيل وفي قطاع غزة.

الهجمات الحالية لا تقودها حماس أو فتح، إنها هجمات عفوية عشوائية بالكامل، ينفذها آلاف الشباب العاديين غير المنتمين للجماعات: تظاهرات رمي بالحجارة و مهاجمات فردية من قبل الشباب الساخط الذي لا يجد من يسمعه. لقد سئموا جميعًا الوضع الحالي، وخاب أملهم في القيادة الجبانة غير المؤهّلة.

ليست مفاجأة أن الإنتفاضة الحالية حظت بالكثير من التحليل والتغطية. وما يحفّز ذلك أن الخطر لم يعد مهددًا لحياة الفلسطينيين فقط، وإنما حياة اليهود الإسرائيليين أصبحت في خطر هي الأخرى. كلّما صعّد الفلسطينيون من هجماتهم العشوائية ضد الإسرائيليين، فإن ذلك يعطي مبررًا كافيًا لأن يتصدّر ذلك نشرة الأخبار. حتى رغم كون العنف الفلسطيني لا يُقارن بأي حال بعنف الدولة الإسرائيلية - دولة بحوزتها السلاح النووي، وأقوى جيش في الشرق الأوسط، فإن حركة الفلسطينيين ما زالت قادرة على اجتذاب الأضواء والإهتمام العالمي.

عبارات مثل "موجة جديدة من العنف" أو "تصاعد موجة العنف" تشير بشكل أساسي إلى العنف الفلسطيني. فالإحتلال العسكري لا يمكن ترسيخه إلا بالممارسة اليومية المنهجية للعنف واستخدام القوة المفرطة، لذا لم يتوقف عنف الإسرائيليين ضد الفلسطينيين، أو تخفت حدّته. هذه العبارات إذن لا معنى لها إلا عندما ننظر إليها من وجهة النظر الإسرائيلية.

أنا مثلًا لا أشجّع الهجمات على المدنيين. لكن الأمر لا يتطلب الكثير من الشجاعة لإدانة العنف من الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني. لكننا نرتكب خطأً جسيمًا عندما ندين العنف بلا بذل مجهود لفهمه وبحث دوافعه. كما أنه من عدم الأمانة والكسل الفكري أن نزعم أن كل العنف (السياسي) واحد - وبالتالي فهو أمر لا يمكن تبريره أو فهمه تحت أية ظروف.

الخبرات الإنسانية شديدة التنوع، وبالمثل فإن دوافع اللجوء إلى العنف متنوعة بذات القدر. العنف لا ينشأ من الفراغ، وأي محاولة لمناقشته يجب أن تبدأ بمخاطبة السياق والأسباب التي دفعت إليه. في السياق الإسرائيلي الفلسطيني، وبدون الإضطرار إلى تأييد العنف، أيًا كان شكله، فإنه يجب علينا على الأقل أن نتراجع قليلًا، وننظر إلى السياق العام للمواجهات الحالية، قبل أن نتسرع في إصدار أحكامنا على العنف الفلسطيني بطريقة ربّما تتخّذ شكلًا عادلًا ومساويًا بين الطرفين، لكنها طريقة تعوق فهم الصراع المستمر منذ سنين طويلة.
في صحوة المواجهات الحالية، تنصبّ النقاشات على الأسباب الفورية، المزعومة التي أدت إلى زيادة معدلات العنف. فشل حكومة نتنياهو في السيطرة على الوضع في الحرم القدسي الشريف، أو ما يسميه الإسرائيليون بجبل الهيكل - هو السبب الأبرز كما استشهد البعض. لكن المؤيدين لإسرائيل ينفون ذلك مستشهدين بما كرره نتنياهو أكثر من مرة عن عدم وجود نية لتغيير أي شيء في الحرم القدسي، واصفًا ما تردد عن ذلك بأنه شائعات و "تحريض متهوّر".

أيًا كان الأمر، فإن النقاش الحالي لا يوفّر تفسيرًا مرضيًا لإندلاع الاشتباكات في هذا الوقت بالذات. لماذا الآن وأعمال التنقيب تحت الحرم القدسي الشريف استمرت وتصاعدت طوال الأعوام القليلة الماضية؟ إن حكومة نتنياهو اليمينية لم تتورع عن إعلان القدس عاصمة إسرائيل الوحيدة، المتحّدة. ربما تكون هذه هي الشرارة التي أطلقت كبت أعوام من الظلم المتجذّر، والقمع المستمر.

بالنسبة للفلسطينيين، فإن موجة العنف الحالية ليست وضعًا إستثنائيًا؛ فالعنف هو الوضع السائد: احتلال عسري صريح في الضفة الغربية، أعوام من الحصار الخانق وعمليات القصف على قطاع غزة، التمييز الممنج، التهجير القسري وهدم المنازل في شرق القدس. إن العنف الإسرائيلي تجرب يومية مفروضة على الفلسطينيين، مرتبطة بحياتهم منذ الطفولة. يتعرّض الفلسطينيون بانتظام للقتل، الإعتداء بالضرب، التشويه والإعتقالات العشوائية من قبل الجنود الإسرائيليين، وقوات الأمن. لا يموت الفلسطينيين جراء الهجمات العسكرية الإسرائيلية المباشرة وفقط، وإنما عن طريق أشكال العنف الممنهجة في الخفاء، مثل الحصار الخانق لحياة فلسطينيي غزة.

لهذا يؤكد الفلسطينيون أن شيئًا لم يتغير بالنسبة لهم. ليس عندهم من شيء ليخسروه، فكم تساوي الحياة حين يُحرم الإنسان من كل ما يعطيها معنًى؟ لذا تخلّى الفلسطينيون عن آخر ما تبقى من مظاهر الحياة العادية، وقرروا مهاجمة الدولة والمجتمع الذي يرون فيه كل ما حُرموا منه.

يبقى القول بأنه هناك خطأ جسيم في الطريقة التي تُستحضر بها "الإنسانية في كل مرة يمارس الفلسطينيون العنف تجاه الإسرائيليين. يقولون: "لا يجب أن يقتل الفلسطينيون أو الإسرائيليون بعضهم البعض. بطريقة ما يصبح الأمر فجأة أخلاقيًا بحتًا، لا سياسيًا. مما يقود البعض للإعتقاد أن الفلسطينيين يطعنون الإسرائيليين لمجرد أنّ الأمر كان بدافع من الكراهية. لكن الفلسطينيون ليسوا قومًا من المجانين. نحن ننسى السياق السياسي للعنف الذي تم التحذير منه كثيرًا، والذي يجعل العنف أمرًا محتّمًا لا مفر منه. نحن ندين أعمال العنف الفردية كما لو أنها نشأت من سماءٍ صافية. نحن نتوقع من الفلسطينيون بمنتهى الجدية ألا يفعلوا شيئًا في مواجهة العنف الممنهج من قبل حكومة الكيان الإسرائيلي، والظلم الذي توقعه عليهم.

إنها "الإنسانية" تحديدًا هي التي تدفع الفلسطينيين إلى العنف. ليس من المتوقع أن تتقبل مجموعة من البشر كل هذه الأعوام من الإحتلال العسكري الغاشم، وسرقة الأراضي، وهدم المنازل، والمجازر المتكررة، والحصار وكل أنواع التمييز الممنهج الذي يحكم كل تفصيلة من حياتهم. الإنسانية تقتضي أن تواجه كل هذه الجرائم بالعنف.

المصدر:

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.