المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد شحاتة خطاب Headshot

رحلة شباب يناير من المخلوع إلى "ثورة الممزقين"

تم النشر: تم التحديث:

لم يكن مشهد دخول ميدان التحرير في الخامس والعشرين من يناير 2011 مرسوماً بهتافات الرحيل لمبارك ورجاله إلا ضرباً من الخيال فى أذهان الكثيرين من شباب الثورة .

وما أن تحولت تلك الأحلام إلى حقيقة تجسدت في كيانات ثورية مختلفة الرؤي السياسية داخل "جمهورية التحرير" متراصة بالميدان يشكلون جدار واحد أسقط نظام المخلوع مبارك.

لم يكن يعلم شباب يناير أن التخلص من نظام "الحزب الوطنى المخلوع" ماهو إلا هدم جدار صغير ورائه جدار عسكرى أكبر، فاصطدموا بجنود "طنطاوي" .

فمرت الإيام والعسكر في مصر يكشف عن وجهه الأخر فأغرق الوطن بالدماء وسحل كرامة المصريين في شوارع القاهرة .

ولكن صمود "شباب يناير" لم يتوقف حتى عبروا محنة "عسكر طنطاوي" إلى أول انتخابات رئاسية ديمقراطية تعيشها مصر، ولكن سرعان ما عادت الدولة العميقة لتفرض سطوتها على الواقع السياسي في ظل نظام واجهها بـ"حسن النية" بمفرده .

فتسارعت وتير الغضب لتأتى الموجة الثورية -التى كانت تحرك جزء كبير منها دولة العسكر ومبارك- فى يونيو 2013 ، ليعود العسكر من جديد إلى السطح ويصعد على أكتاف ودماء الثوار بالدبابة، ليصطدم "شباب يناير" من جديد بجدار العسكر .

ولكن جدار "عسكر السيسي" كان أكثر دموية، فصار يعلق أشلاء معارضيه وكل من يرفضون هيمنته وسلطانه على أحجاره الصلدة التى لا تعرف الرحمة.

فبعد كل ذلك لم يكن أمام شاب خرج فى ثورة يناير بديلاً إلا الانتفاض ضد نظام يقتل حريته كل يوم كما فعل مبارك ولكنه بطريقة أكثر وحشيةٍ .

فلقد وجد الشاب نفسه يروى نهاراً قصص أصحابه الذين اغتالتهم رصاص النظام فى المظاهرات، وتحيطه ليلاً آنات أهالى أصدقائه المعتقلين ظلما بين قضبان رسمت بأحكام جائرة .

فلم يخطر ببال الشاب يوما أن أحلامه الدراسية صارت هباءاً منثوراً ، فاليوم صدر قرار بفصله لأنه "كثير التظاهر".

ومن عيون "الأمنجية" التى تترقبه، لم يكن للشاب إلا مفر الهروب من منزله حتى لا تعتقله يد رجال الأمن الوطني (أمن الدولة سابقًا)، فيبيت أيامه عند صديقه .

فبين خوفٍ يتملكه من الاعتقال ونفساٍ مؤجج بالثورة والعودة للميدان لكسر سلسلة حياة "المطارد"، أحاطته قيود "أحاديث ثورية ممزقة" كانت أقوى من نفسه الثورية وخوفه .

فيقف الشاب الثائر الذى تحيط به كلمات القيادات الرافضة لنظام السيسي، وعلامات الدهشة واليأس ترسم ملامح وجهه أمام شاشة التلفزيون محدثاً نفسه بسؤال: "كيف تطلبوا منى أن أثور وأنتم هكذا ؟!" .

فلم يري الشاب إلا أحاديث ممزقة يومياً عبر تلك الشاشات الرافضة لنظام السيسي تأتى فى سيل من حوارات وتصريحات وبيانات من القيادات والحركات السياسية الثورية .

فيجد الشاب نفسه أمام سياسيون يتصارعون فيما بينهم، بينما يناشدوه كل يوم بأن يوقظ فى نفسه أحلام الثورة .

فتارة يستقيظ على مقطوعة موسيقية مشوشة تتكلم عن كيفية الاصطفاف، تعزف كل يوم على أذنه، فيصطدم حينما يسمعها بوضوح ويجدها مجرد صراعات وليس حورات للاصطفاف بنيت على التخوين من تيارات ثورية تريد حسم المعركة لصالحها وليس حسب ما يريده الشعب .

وتعبر الأيام ليزداد الطين بِلةً فيرى تيار ثورى حدثه ليل نهار إبان عهد "مرسى" بأن الشارع هو الحل ، ولكن حلوله فى عصر "الجنرال" صارت دعوات احتجاج وهمية على مواقع التواصل الاجتماعى فقط، والحجة كانت الخوف من الاعتقال ! .

لم تكن صدمات الشاب فى شركاء ميدان التحرير فقط، بل كانت صدمته أكبر فيمن يقودون التظاهرات فى الشوارع، فيصير ليله بحرا من بياناتِ أطراف مختلفة داخل جماعة الإخوان، كلا منهم يزاحم الأخر على حمل راية التنظيم .

وبين عراك الإخوة ودعوات احتجاج وهمية لم يرى الشاب إلا راية ممزقة ومهتزة ، لا يتسابق التيارات الثورية على تثبيتها فى أرض الميدان، بل يتسابقون على إظهار الفرقة والخلافات ولغة التخوين بينهم .

فى ظل كل هذا التناحر كيف لشاب حلم بأن يحيا حراً أن يثور؟ كيف له أن ينتفض ضد من أضاعوا مستقبله وقتلوا أصحابه، وشركاء الميدان مازالوا يتصارعون فيما بينهم ، كيف تطلبون منه أن يحمل الراية ليكوناً قائدأ ومن يدفعونه للقيادة .. يهدمون أنفسهم بأيديهم ؟!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.