المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد شحاتة خطاب Headshot

ثورة "اللى باعونا".. لا تسقط السيسى !

تم النشر: تم التحديث:

"لا يعجبني الحال ولا أريده.. كم أكره النظر إليه كل يوم ولا أطيق ابتسامته الباردة لا يعجبني أدبه، ولا ثقافته الضئيلة إنه لا يعجبني ولا أريده، أقواله لم تفعل لنا شيئًا، رجل لا يحتذى به، حتى كلماته فشلت في التأثير في، إنه ببساطة لا يؤثر في"، تلك بعض كلمات من الأغنية الدعائية لحملة الأحزاب المعارضة التي أسقطت حكم الديكتاتور العسكري "أوغستو بيونشيه" في شيلي عام 1988.
فتلك الدقائق المعددوة التي سمحت بها المحكمة العليا بتشيلي لتقديم المعارضة حملتها عبر شاشات التلفزيون وقتها، "قشة" قصمت ظهر "بيونشيه".
فلقد أتت الرياح بما لا يشتهي "بيونشيه"، فجاءت نتيجة الاستفتاء على استمرار حكمه بتصويت أكثر من 55% بـ"لا"، لتتم الإطاحة بجنرال اغتصب السلطة على ظهر الدبابات لمدة 15 عاماً.


(1)

فمن قلب معاناة المعارضة التي واجهت السحق، إما بالقتل أو الاعتقال في ظل حكم "بيونشيه"، وجدت في توحيد قواها سبيلا لكسر شوكة ذلك الجنرال العسكري.
ففي مايو 1983 بدأت المعارضة التشيلية والحركات العمالية بتنظيم الإضرابات والعصيانات المدنية، وأبقت على توحدها لإنهاك قوى نظام بيونشيه العسكري الذي فرقها بالقمع.
فلم تفكر المعارضة التشيلية في ذلك الوقت باستخدام وسائل إعلامية أو نشرات حزبية في تخوين بعضهم البعض، كما تفعل المعارضة الثورية المصرية من زرع لغة التخوين في كل خطاب يصدر من أي طرف.
فقد اعتادت كل حركة وحزب وتنظيم ثوري داخل مصر أن تستجلب الماضي وتقلب فى أوراق الآخرين، فيستدعون عبارات: "باعونا.. وسبتونا.. وإيه وادها هناك" .
وكأنك تشاهد مشهداً عبثياً بين مجموعة صبية يتنازعون فيما بينهم على مغازلة فتاة مقيدة بالأغلال، وكل طرف فيهم يستحضر للآخر ماضيه الأسود من أجل التفرد بغايته منها، ولم يفكروا أولا كيف يكسرون قيودها.

(2)

فبينما المعارضة التشيلية تثور حينها لمحاربة نظام الجنرال القمعي، وإقناع الشعب أن الحرية أسمى من "لقمة العيش"، كانت وقتها الآلة الإعلامية لـ"بونشيه" تعمل ليلًا ونهارًا على هتك آذان الشعب بترانيم الفخر بالسياسة الاقتصادية داخل الدولة .
ولم تختلف الآلة الإعلامية لبونشيه عن "صبيان عباس كامل"، الذين ينتشرون فى الكثير من القنوات والمواقع الصحفية المصرية لإخماد ثورة المواطن "المطحون"،ووضعه فى حالة من "البيات الشتوي".
فيعزفون للمواطن المصري مضامين إعلامية كتبت على نوتة موسيقى عسكرية، يغنيها من يعشقون التطبيل والتمجيد والمسبحين بحمد "السيسي".
ويحيطونه ببرامج المسابقات، والبرامج الساخرة التى فى ظاهرها "معارضة وهمية"، وفي باطنها "إلهاء" عن فشل الجنرال فى إدارة الدولة .
وفى ظل حفلات العزف المزيفة لأسماع المواطنين، تجد المعارضة الثورية في مصر وخاصة التيار الإسلامي فاشلة فى تقديم نماذج قنوات إعلامية مهنية تقود الوعي من أجل الثورة .
كما تجد افتقارا لدى الكثير من القوى الثورية لحاسة الإدراك بأن الاعلام أقوى الأسلحة لمواجهة فوهات بندقية الأنظمة العسكرية.
ولم تكتف المعارضة الثورية بالفشل الإعلامي، بل تجد قنوات الإعلام الثورية "القليلة"، مسرحا هزليا لبعض القيادات الثورية يقدمون للجمهور عليها عروض "مخدرات فكرية" تارة، وجمود أفكار لا ترتقي لتقود وعيا حقيقيا تارة أخرى .
كما تحولت قنوات الإعلام الثوري ساحات صراعات لا ساحة صناعة قيادة موحدة ضد "نظام السيسي"، فكل يتمسك برأيه المقدس الذي يخشى أن يخالفه، ومنهم من يخشى الحديث بلهجة ثورية صريحة ضد السيسي ويكتفي بدعوات شكلية على مواقع التواصل الاجتماعي دون ترجمتها على أرض الميدان.
(3)
من ينظر إلى سياسية "بونشيه" في ذلك الوقت يجدها، وقد قسمت الشعب التشيلي إلى "سادة رأسماليين"، و"عبيد" من الطبقة الفقيرة، والأخيرة عانت في تلك الفترة من سياسة الجنرال العسكري، فاصطفوا "طوابير" من أجل الحصول على رغيف الخبز .>
ففي أقل من سنة ارتفع سعر الخبز في شيلي ستة وثلاثين مرة، كما أصبح 85% من الشيليين يعيشون تحت خط الفقر، بينما الآلة الإعلامية، تعود ألستنهم على ترديد هتافات "يحيا بيونشيه".
فعلى أنغام "يحيا بيونشيه" التي كان يعزفها المواطن التشيلي الفقير-الذى أختار الخوف من ضياع غذائه وطعامه المرهون بفوهة السلاح من أن يثور- استمد الجنرال العسكري قوته طوال تلك الأعوام.
ولكن قوة المعارضة لم تضعف فى وجود تلك الفئات من الشعب، بل واصلت صراعها مع الجنرال وحكومته بسلاح الوعي، وذلك بتوزيع النشرات الإعلامية التى تكشف فساد بيونشيه، وأطلقت أفكارا بسيطة عبر تلك النشرات، ترجمت فى ظل ذلك الوقت بمسيرات أبواق السيارات والتظاهر بالطرق على قدور الطبخ والقلي عبر نوافذ شققهم فى شوارع مدينة "سانتياجو".
كما نظمت المعارضة داخل أروقة الكنيسة ورش تدريبية بداخلها لتحويل الخوف من قمع بيونشيه إلى توحيد الناس من خلال تدريبهم على أساليب المقاومة اللاعنفية، ومساعدتهم على التفكير الاستراتيجي الصحيح، وإعطائهم أفكارا وآليات من تجارب حملات لاعنفية ناجحة سابقة.
بينما ترى الكثير من القيادات الثورية فى مصر، تواصل الصراع مع أنفسها لا مع نظام "السيسي"، متجاهلين فئات من الشعب تردد "تحيا مصر"، فئات أرعبها صوت السلاح الموجه لمن يرفض نظام السيسي، فآثرت السكوت عن الثورة، كما لم يصلها حقيقة فشل النظام بشكل صحيح من المعارضة الثورية.
فتجد خطابات الكثير من قيادات المعارضة الثورية المصرية "موجهة"، وإقصائية تسير فى خطى من لم يتبعني فهو كافر أو خائن،وأن الحديث بلغة المواطن كلمات مُحرمة في قاموس المعارضة .
ولكن لم تعد تلك الخطابات والبيانات السياسية، تسد رمق المواطن المحاصر بخطابات قمعية وشاشات إعلامية مزيفة من نظام اعتاد الكذب عليه حتى صدقه .

* أخيرا، قد يكون اللجوء إلى توحيد المعارضة الثورية للخروج من الأزمة فى مصر حلاً، مرهونا بإرادة الشعب لا بإرادة قوى سياسية بعينها .
فالشعب المصري الذى ثار فى 25 يناير 2011 من أجل العيش والحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، لن يقنعه خطاب لا يعبر عنه وعن أحلامه، من معارضة متشرذمة تفشل فى استغلال غضبه من النظام، فتجعله يسلك طريق صمت فى قلب فوهة سلاح نظام يقاضي حريته بفتات خبز .

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.