المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد صلاح Headshot

الحُلْمُ الكَنَدِيُّ

تم النشر: تم التحديث:

أتوقع أن أول ما سيقفز إلى ذِهنك فور مُطالعتك لهذا العنوان هو: "الحُلْمُ العَربِيَّ".. هذا الأوبريت الغنائي الذى شارك فيه اثنان وعشرون مطرباً ومطربة من أربع عشرة دولة عربية واشتهر في سبتمبر/أيلول سنة 2000 عقب انتفاضة الأقصى الثانية، تلك الانتفاضة التى فَجَّرها اقتحام أرييل شارون رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق لِساحة المسجد الأقصى، والتى شهدت حادثة اغتيال الطفل الفلسطيني محمد الدُرَّة في حُضن أبيه وأمام أعين العالم.. هذا الأوبريت الذى جاء لِيُدَغْدِغَ مَشاعر العرب من المُحيط إلى الخليج ويُداعب أحلامهم فى حُضْنٍ يَضُمهم:
دا حلمنا.. طول عمرنا.. حضن يضمنا.. كلنا كلنا..

ليأتي الربيع ويَفيق الحَالمُون العرب على أحد أحضان ثلاثة تَضُمهم بِعُنف حتى تُحطِمَ أضلاعهم: حُضْنُ السجن أو حُضْنُ القبر أو حُضْنُ البحر! إلا أن الله الذى لا ينسى أحداً، يُوشك أن يُسعف العرب الأيتام على موائد حكامهم اللِّئام، بِحُضنٍ رَابعٍ فى شَمالِ غَربِ الأرض ربما يكون أحنَّ وأرحب، حيث تلك البلاد البعيدة التى تسمى كندا.. نعم كندا.. ولم لا؟!

فكندا هو البلد الثاني عالمياً من حيث المساحة، ما يُتيحُ للعرب الفارين إليها أن يرتعوا في بَراحِهَا بعد أن ضاقت عليهم أوطانهم بما رَحُبت.. كما تُعد كندا من أقل دول العالم من حيث الكثافة السكانية (3.3 نسمة لكل كيلومتر مربع) وهي فرصة ذهبية للعرب ليمارسوا فيها هوايتهم المُفضلة في التناسل والتكاثر على راحتهم.. أيضا تحتوي كندا على أعلى نسبة من المياه العذبة في العالم، لعل الله يتوب فيها على العرب من قسوة الصحاري القاحلة وشُحِّها، ويُنعِمُ عليهم بالارتواء بعد طول ظمأ.. فضلا عن أن كندا دولة مُتقدمة ذَات درجة عالية من التطور العلمي والتكنولوجي، وقد شبع العرب من التخلف والجهل والخيبة والفشل حتى الثمالة، وآن لهم أن يتقدموا ويتطوروا على يديها.. كما تُعَدُ كندا من أغنى دول العالم، وقد عض الفقر العرب حتى طحنهم، ومن حقهم أن يذوقوا طعم الغنى قبل فنائهم.. وكندا أيضا دولة ديمقراطية تؤمن بالتعددية بحق، فقد بُنِيَت بجهود أناس جاءوا من مختلف أنحاء العالم، وينتمون إلى كل الأديان والثقافات، ويتحدثون كل اللغات، فليس فيها سادة ولا عبيد، ولا أمراء ولا دهماء، ولا متجنسون ولا بدون، ولا عسكر ولا مدنيون، كندا دولة يحكمها رئيس وزراء ليبرال هو "جاستن ترودو" (43 عاما) وهو مهندس شاب وسيم مُفعم بالحيوية يهوى التمثيل والملاكمة، وليس شَبَحاً مُتهالكاً مَصبُوغ الشعر والوجه يجلس على كرسي متحرك، أو شيخا خَرِفاً بَلغَ من العُمر أرذله يَتعثر إذا مشى ويتلعثم إذا تكلم أو قرأ، أو عسكري فاسد جهول يبطش ويسجن ويقتل كما يتنفس..

رئيس وزراء كندا يمشي بين الناس وليس فوق رقابهم، يشارك مُسلمي بلاده طعامهم في مساجدهم، ولا يداهمها ليعتقلهم أو يحرقها ويحرقهم ويهدمها على رؤوسهم كما يفعل بشار والعسكر والمالكي وأمثالهم من فسدة العرب، ويستلهم مُسلمة محجبة لقيادة البلاد، فيقول في مؤتمر صحفي: قابلت أُمًّا مسلمة ومُحجبة، تخطت الحشود وسلمتني ابنتها الصغيرة، وقالت لي: سأصوت لكم لأكون مطمئنة على حياة ابنتي الصغيرة وحريتها في تقرير مصيرها بنفسها، وحماية الحكومة لحقوقها الطبيعية، وسأقول لهذه السيدة: لقد اخترتِ مع بقية المواطنين حكومة جديدة تؤمن بشدة بالتعددية في بلادنا.. كما وجه "ترودو" رسالة للمشاركين بمؤتمر "إحياء الروح الإسلامية" وهو أكبر تجمع لعلماء المسلمين في أميركا وكندا والعالم، فبدأ كلمته بـ"السلام عليكم" باللغة العربية، ثم تكلم باللغتين الرسميتين لكندا، الإنجليزية والفرنسية، قائلاً: من دواعي سروري أن هذا المؤتمر يمثل الهُوية الإسلامية لمسلمي كندا، هذا البلد القائم على التنوع الذي يُعَدُّ مَيزة من أجل بناء بلد قوي، بحسب الغارديان البريطانية.. أما عند العسكر ومن على شاكلتهم من المستبدين العرب فلا حُرمة ولا كرامة لمُحَجبة أو غير مُحَجبة، فما بالكم بالاستلهام منها، ولا مكان لتجمع أو مؤتمر إسلامي أو هوية إسلامية، فما بالكم بتوجيه كلمة له.. كذلك لا ننسى أن كندا رفضت المشاركة في حرب العراق وسحبت قواتها من أفغانستان، ولم تحارب العرب ولا المسلمين يوما ولا احتلت لهم أرضا، وإن لم يخل موقفها تجاه المقاومة الفلسطينية من بعض التباس وارتباك فى بعض المراحل والأحداث، كبقية دول الغرب، لكنها تظل أفضل من غيرها كثيرا فى هذا الملف.

وأخيرا وفي الوقت الذي أكدت فيه منظمة العفو الدولية (أمنستي) أن مصر فشلت فشلًا ذريعًا في احترام واجباتها الدولية فى حماية اللاجئين السوريين المعدمين، وبدلًا من أن تقدم لهم دعمًا حيويًّا أوقفتهم وأبعدتهم، ما يشكل انتهاكًا لحقوق الإنسان.. كما أعلنت المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة في كانون الأول/ديسمبر 2015 أن اثني عشر ألف سوري عالقون على الحدود مع الأردن، وأن أوضاعهم الإنسانية تزداد سوءًا، مُطَالبة عَمَّان بالسماح لهم بدخول المملكة، حيث إن بينهم كبارًا في السن ونساء وأطفال، إضافة إلى جرحى ومرضى يتجمعون عند ساتر ترابي قرب الحدود، بحسب قناة الحرة.. وقبلها عَلِقَ مثلهم كبار في السن ونساء وأطفال على الحدود المغربية الجزائرية، غير من يعانون البرد والجوع إلى حد الموت على الحدود اللبنانية والعراقية، وكذلك المحرومون من أن تطأ أقدامهم الممالك الخليجية.. في الوقت نفسه الذي خذل فيه العرب إخوانهم ورموا ما تبقى من لحومهم في العراء، كانت كندا هو البلد الغربي المسيحي الوحيد في العالم الذي تعهدت حكومته باستقبال 25 ألفا من اللاجئين السوريين وإعادة توطينهم وتوفير حياة كريمة لهم، وبالفعل بدأ ذلك في فجر الخميس 11 ديسمبر/كانون الأول 2015 بأن استقبل رئيس الوزراء الكندي "ترودو" في مطار تورونتو، أول مجموعة من اللاجئين، وقال ترودو: "إن كندا تعتبر استقبال هؤلاء اللاجئين برحابة صدر ومنحهم مستقبلا أفضل لهم ولأبنائهم يُشَكِلُ مصدر قوة للبلاد"، مضيفا: هذه ليلة رائعة يتعين علينا أن نظهر للعالم كيف نفتح قلوبنا ونرحب بأناس يَفِرونَ من الأوضاع الصعبة على نحو استثنائي، ولهذا فقد رحّبت كندا باستقبال اللاجئين السوريين واعتبرتهم مواطنين من لحظة وصولهم إلى أرض المطار. بحسب هيئة الإذاعة الكندية.. كما أن حفاوة الحكومة الكندية باللاجئين السوريين لم تقف عند استقبال رئيس الوزراء الكندي شخصيًّا لهم، بل قدّمت لهم إحدى فرق كورال الأطفال الموسيقية أغنية "طلع البدر علينا" باللغة العربية، للتعبير عن ترحيبهم بنظرائهم السوريين الفارين من الصراع في بلدهم، حسب الإندبندنت البريطانية.

والآن لم لا يزحف أحرار العرب عن بكرة أبيهم في هجرة جماعية نحو "نجاشي العصر" رئيس الوزراء الكندي "جاستن ترودو" عَلَّهُ يُوفر لهم مَوطأ قدم في "الحبشة الجديدة" كندا، ليحققوا "الحُلْم الكَنَدِيَّ" ويدشنوا "الإصدار الغربي" من الإنسان العربي الذى ينعم بالحرية والعدل والكرامة والتقدم والرخاء.. أعتقد أن هذا الشاب الوسيم "ترودو" لن يبخل عليهم بمليون كيلومتر مربع من أرض بلاده المترامية الأطراف ليحققوا فيها "الحُلْم العَربِيَّ" الجديد.. مرددين: دا حلمنا.. طول عمرنا.. حضن يضمنا.. كلنا كلنا.. في كندا.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.