المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد صلاح Headshot

مُسْلِمَاتٌ حَليقَاتُ الرُؤوس..

تم النشر: تم التحديث:

"تكرر مشهد العنصرية في حافلات لندن، والضحية هذه المرة شابة "محجبة" عمرها عشرون عاماً، كانت تركب حافلة في منطقة إزلنغتون غرب العاصمة البريطانية.. وتعرضت للإهانة الشديدة في الحافلة بسبب إقدام بريطاني دون سابق إنذار على البصق في وجهها واتهامها بالإرهاب، بينما اكتفى ركاب الحافلة بالابتسام أو تجاهل الأمر، وتحدثت الشابة المسلمة عن مخاوفها أثناء الواقعة قائلة: "اعتقدتُ أني لن أغادر الباص حيَّةً.. بصق رجل أبيض عليَّ في باص مليء بالركاب، واستمر في مطالبتي بمغادرة الباص بسبب حجابي، بينما كان الآخرون يبتسمون ويضحكون".. وفوجئت الشابة "عرفة محمد" هذا اسمها، من ردة فعل الركاب على الرغم من تكرار المواطن البريطاني إهانته لها أكثر من مرة!

وفي لندن أيضاً وداخل أحد الباصات.. كانت سيدتان "محجبتان" تتكلمان بلغتهما الأم، فما كان من سيدة تحمل ولدها بين يديها إلا أن وقفت وبدأت تصرخ بهما: أنتما دواعش، تخفيان القنابل تحت ملابسكما!

وفي داخل محطة مترو أنفاق بيكاديلي سيركس، في لندن أيضاً، دفع رجل "ياباني هذه المرة" سيدة "محجبة" أمام سكة القطار، لحظة مروره بهدف قتلها. لكن السيدة نجت في اللحظة الأخيرة..
وكانت المأساة قد وصلت إلى ذروتها ببلوغها حد القتل فى أميركا، عندما قتل رجل أميركي في فبراير/ شباط الماضي كلاً من الشاب السوري "ضيا شادي بركات" 23 عاماً، وزوجته الفلسطينية "يسر محمد أبو صالحة"21 عاماً، وأختها "رزان محمد أبو صالحة" 19 عاماً، في منزلهم في "شابيل هيل" في شمال كارولاينا الأميركية، بأن أطلق عليهم النار بكل بساطة فقط لأنهم مسلمون، بحكم غطاء الرأس الذي تعتمره السيدتان!

كانت هذه مجرد "عينة" من حوادث عنف عنصرية أوردتها "العربي الجديد" في عددها الصادر فى 26- 12- 2015 بعد أن أضحت مثل هذه الحوادث "مانشيتات" يومية سوداء تصفع أعين الإنسانية كل صباح، وتُسقط منها أية مصداقية لدعوات الحرية والليبرالية التى يمضغها الغرب صباح مساء.. لكن الصدمة من تلك الفاشية التي تجتاح الغرب تجاه الإسلام -حتى لو تمثل فى غطاء على رأس فتاة أو سيدة- تأخذ فى التراجع عندما تصفعنا "مانشيتات" كهذه من مصر مثلاً: "شواطئ ومطاعم ونوادٍ مصرية ترفض استقبال المحجبات".. بحسب موقع العربية على الإنترنت! علما بأن معظم من يرتدن الشواطئ والمسابح والنوادي والمطاعم الفاخرة، ممن يوصفن بالمحجبات، ربما تَلقين تعليماً أجنبياً ويعشن على النمط الغربي وإن غطين رؤوسهن!

لن أخوض بُحورَ الجَدلِ حول المُصطلح "الحِجاب" وكونه يعني مُجرد "غِطاء للرأس" أو ما هو أكثر من ذلك وأوسع وأشمل، ولن أتوقف أمام الفارق بينهما، ولن أدور حول البعد الديني أو التأصيل الشرعي للمسألة، فقد وصلنا الآن إلى شاطئ المنع والإقصاء والحظر لأي مظهر يدل على هوية المسلم! ولكن لندخل فى المسألة "الإشكالية".. ندخل وعلامات الاستفهام تغمرنا من مفرق الرأس حتى إخمص القدم، ندخل من باب الدهشة، لنتساءل: تُرى ما هي العُقدة التى يُسببها غطاء رأس المرأة -المُسلمة بالتحديد- للعالم أجمع؟ أهي عُقدة دينية تُذكرهم بدين يُهدد استبدادهم، أم هي عُقدة تاريخية تُذكرهم بالجدات اللائي ساهمن في هزيمتهم وفتح ممالكهم وإسقاط إمبراطورياتهم بما ربين من فرسان فاتحين في مرحلة تاريخية ما، أم هي عُقدة ثقافية تشوش على نمط ثقافي استعماري استعمالي قائم على امتهان المرأة واستغلالها يتبنونه ويفرضونه على البشرية منذ ما يزيد على قرن من الزمان، أم هي عُقدة نفسية جراء شعور بالنقص يَغشى المُتعري تِجاه المُستتر، أم هي عُقدة ذوقية لمخالفة "الحجاب أو غطاء الرأس" قواعد أناقة ابتدعوها واحتكروها واستبعدوا ما سواها من أنماط وأذواق، بالرغم من أن شريحة كبيرة من المحجبات على مستوى العالم أصبحن يشكلن اتجاهاً عالمياً منافساً ذا بصمة خاصة ومختلفة فى مجال الموضة والأزياء والأناقة، أم هي عُقدة أخلاقية باعتبار أن الامتناع عن مجاراة عولمة النمط الغربي فى تَعرِّيهِ وتَحرره هو سلوك متمرد شاذ وغير أخلاقي، أم هي عُقدة اجتماعية تنم عن تحسس تجاه كثافة ظهور هذا النمط وانتشاره وما يسببه ذلك من فضح انحسار وهشاشة الأنماط المهيمنة المُستبدة ذات الصوت العالي، أم هي عُقدة أمنية ترى فى غطاء الرأس غطاء للإرهاب، أم هي عُقدة بيئية تُفسد الهواء وتلوث الأجواء، أم هي عُقدة صحية تنشر العدوى.. أم ماذا يا تُرى؟

ثم ما هو التناقض بين "الرُقيَّ" و"الحجاب" لتنزعه في مصر سنة 1923 رئيسة جمعية "الرُقيّ" الأدبي للسيدات وإحدى قائدات ثورة 1919 هدى شعراوي؟ وما هو التهديد الذي يمثله "غِطاء الرأس" للاتحاد والترقي ليحرَّمه ويجرمه "الاتحاد والترقي" في تركيا سنة 1924؟ وما هو التعطيل الذي يسببه "غِطاء الرأس" للنضال والتقدم لينزعه المناضل التقدمي الرئيس بورقيبة في تونس ويُصدر قانوناً بحظره سنة 1981؟ وما هو الخطر الذى يشكله "غِطاء الرأس" على فرنسا لتمنع ارتداءه بصرامة على أية هيئة أو شكل فى الأماكن الحكومية والمدارس والجامعات منذ عام 2004؟

ما هو القاسم المشترك الذي يغيظ الجندي الإسرائيلي في أروقة القدس، وحليقي الرؤوس فى هامبورج، وركاب المترو فى نيويورك، ومشاة الشوارع فى باريس، ورواد المطاعم والحافلات فى لندن، وصولا إلى قطارات سيدني، والساسة ورجال الأمن ومدراء المدارس والجامعات وشركات الطيران وأهل الفن والإعلام.. من مُجرد "غِطاء" على رأس امرأة دون سواها؟

كل سكان الأرض منذ العصور الوسطى، وربما منذ بدء الخليقة، لهم مطلق الحرية فى أن يلبسوا أو يخلعوا ما يشاؤون.. فالمرأة اليهودية تغطي رأسها إذا تزوجت، وما زال الحاخامات يشجعونها على تغطية رأسها في المعابد، ومثلهم يشجع القساوسة المرأة المسيحية على تغطية رأسها فى الكنائس، وكذلك تفعل الراهبات فى الأديرة، والنساء فى طائفة الآيميش الأميركية، وملايين النسوة من أعراق وطوائف وقبائل شتى فى مشارق الأرض ومغاربها، بصرف النظر عن الدوافع والخلفيات العرقية أو القبلية لهيئتهم، إلا المسلمات والمسلمين فإنهم المشبوهون المرفوضون، الموضوعون قهراً تحت مقصلة العنصريين الغربيين المتعصبين المتأنقين، ونخبهم من عسكر وسياسيين ومثقفين في بلدان ودول يُفترض أنها ذات أغلبية مسلمة!

أي نوع من الغباء الفجِّ يمارسه الغرب والدائرون فى فلكه ويصرون عليه ويتوارثونه على مدى عقود بل قرون، وهم يخوضون حرباً ضروساً على غطاء رأس؟ أما آن لهم أن يفيقوا من سكرة تعصبهم وغرورهم ليدركوا أن هذا لم ولن يفيد؟ بدليل أن كل ما بذلوه من جهود ناعمة كانت أم خشنة طوال تلك الحقب وصلت إلى حد سن القوانين المانعة للحجاب، لم يسفر سوى عن تنامي ظاهرة غطاء الرأس والتشبث بها وربما الغلو فيها! ثم إذا كان غطاء رأس المسلمة يعد فى نظر الغرب وسدنته رمزا لرفض ثقافة الغرب، ويُخفي تحته نية لمقاومة الغرب وأفكاراً متطرفة لرفض تعصبه وظلمه وهيمنته، فكيف قادت جميلة بوحريد المرأة الجزائرية للتصدي للاجتياح الغربي المتمثل فى الاستعمار الفرنسي الدموي لوطنها ولم تكن من ذوات غطاء الرأس؟ ومثلها فعلت ليلى خالد ودلال المغربي بتصديهما للاحتلال الإسرائيلي لوطنهما.. وغيرهن كثيرات ممن أظهرن رفضاً ومقاومة عنيفة أحياناً للهيمنة والاحتلال والظلم، والغرب في القلب منه..

أما آن لهؤلاء القابعين في غرف عمليات إدارة الحرب العالمية على غطاء رأس المسلمات أن يتواضعوا ويفهموا أن المشكلة في محتوى الرأس الرافض للهيمنة والمُصر على أن يكون متميزاً ومختلفاً ومنسجماً مع قناعاته الأخلاقية أو الدينية.. وليس فى غطاء الرأس ذاته، وأن المشكلة في تمادي الغرب فى الاستسلام لتعصبه الديني على حساب مبادئه المعلنة عن القبول بالتعددية واحترام الحريات، بدلاً من أن نصحو يوماً على نبأ عاجل عن عملية تفجيرية كبرى فى قلب القدس، نفذتها فتاة حاسرة الرأس فرعاء ذات شعر طويل منسدل.. يعقبها حملة عالمية متشنجة للمطالبة بأن تكون المسلمات حليقات الرؤوس.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع