المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

د. محمد مصطفى محمد سيف Headshot

مآلات الربيع العربي

تم النشر: تم التحديث:

ما كان لثورات الربيع العربي أن تقوم لولا تفشي حالات الاستبداد السلطوي للنظم الحاكمة من قمع للحريات, وغياب للعدالة الاجتماعية, واستشراء للفساد وانتشار للفقر والمرض, وانهيار للحالة المعيشية للمواطن, واستئثار فئة قليلة من المجتمع بمقدارات السلطة والسطوة والثروة فيه, في ظل قيادات عسكرية عتيقة جاثمة على صدور شعوبها, تسعى لتوريث السلطة لأبنائها فيما عرف "بالجمهوريات الملكية", ومن ثم قامت الثورات معتمدة على ثلاثية معزوفتها الثورية "عيش, حرية, عدالة اجتماعية" .

وبعد مرور أربعة أعوام على ثورات الربيع العربي, واستمرار حالة الصراع بينها وبين الثورة المضادة الممثلة لمنظومة الدولة العميقة ببلدانها, فإن مآلات ثلاثة تنتظر ثورات الربيع العربي, إما أن تحقق الثورة أهدافها كاملة أو بشكل جزئي أو تفشل الثورة في تحقيق أي من أهدافها, ولكل واحد من تلك المآلات شواهد تدلل عليه أو مظاهر تنبئ عنه.

لقد أرادت ثورات الربيع العربي التعايش مع أنظمة الدولة العميقة, مع محاسبة وإقصاء رؤوس الفساد فيها فقط, إلا أن مؤسسات الدولة العميقة أبت إلا أن يصير الصراع صفرياً, وذلك خوفاً من محاسبة مستقبلية قد تلحق بحقهم, أو أن مكاسب قد تضيع من بين أيديهم لم يكونوا ليحصلوها إلا في ظل مناخ الاستبداد أو الفساد, بالإضافة إلى تخوف دول إقليمية أو دولية من تهديد مصالحهم في ظل ثورات أعظم، ما يشغل أصحابها هي مصلحة شعوبها قبل أي مصلحة أخرى, ويبدو واضحاً في ظل صفرية الصراع أنه ليس أمام الثورة إلا النجاح الكامل أو الفشل الكامل, ولكن يبقي التساؤل هل هناك احتمال لتحقيق نجاح جزئي, في حالة تراجع الأطراف المتصارعة عن صفرية الصراع؟.

إن المراقب للمشهد الثوري يدرك صعوبة تحقق معادلة صفرية الصراع, ففي النموذج المصري رغم امتلاك العسكر المنقلبين على الثورة لأدوات القوة والدعم الخارجي غير المسبوق, إلا أنهم لم يستطيعوا إلحاق الهزيمة الكاملة بالثورة رغم سلميتها, نظراً لاستمرار الحراك الثوري لمدة عامين بعد الانقلاب وإن كان يبدو أقل زخماً في الشارع في الآونة الأخيرة, إلا أنه موجود رغم حالة القمع العنيفة والشديدة بحق الثورة والثوار, مما يرسل رسالة أن أمد الصراع سيظل مستمراً لأبعد مدى يمكن أن يتخيله القائمون على الثورة المضادة, وأن حالة عدم الاستقرار التي عليها الحال سيكون لها آثارها الكارثية على الجميع, وأنه ليس أمامهم إلا إيجاد صيغ مختلفة للتعاطي مع المشهد الثوري, فهل ستكون بتغيير الوجوه للثورة المضادة وتحقيق بعض مكتسبات الثورة؟ أم ستصر الثورة المضادة على صفرية الصراع؟ أم ستنجح الثورة في فرض إرادتها في أن يصبح المجتمع هو المتحكم بكل مفردات القرار والمحاسبة في الدولة المصرية؟.

أما بالنسبة للنموذج السوري, فعلى الرغم من نجاح نظام الأسد في جر الثورة إلى العسكرة بعد القمع غير المسبوق بحق الثوار من القتل والسجن والاعتقال, إلا أنه لم يستطع حسم الصراع عسكرياً مع كل ما يملكه من إمكانات عسكرية هائلة إضافة إلى الدعم الدولي والإقليمي الذي يتلقاه, إلا أنه في الآونة الأخيرة, تحقيقاً لمصالح خاصة متعلقة بالدول الكبرى, وتحت دعوى مقاومة تنظيم الدولة الإسلامية "داعش", أصبح الأمر معقداً للغاية, فتمت تغذية الصراع بين قوى المعارضة المسلحة بعضها البعض من جهة, وبينها وبين نظام الأسد من جهة أخرى, مع عدم إمكانية الوصول إلى نقطة الحسم المسلح لأي من الأطراف المتصارعة, الأمر الذي ليس له حل إلا الجلوس إلى مائدة المفاوضات, بما يفرض نظام الأسد كجزء من معادلة الحل للصراع المسلح الدائر هناك, بحثاً عن صيغ للتعايش, يفرضها واقع الصراع على الأرض, وتدخلات الدول الكبرى الساعية لتحقيق مصالحها.

وبالنظر إلى النموذجين اليمني والليبي فهناك أوجه شبه تجمع بينهما, فقد انضمت قوى الثورة المضادة إلى حركات مسلحة مدعومة من قبل بعض الدول في المحيط الإقليمي, وهو صراع يسيطر عليه الطابع القبلي أو الايديولوجي, فحفتر في ليبيا ومعه بعض القبائل مدعوماً من الإمارات ومصر, وجماعة الحوثي الشيعية في اليمن مدعومة من قبل إيران, إلا أنه فيما يبدو أن ثمة مساحة متروكة للاعبين الإقليمين لحسم الصراع, فعاصفة الحزم التي تقوم بها دول الخليج قد تصب في مصلحة الثورة باليمن في مقابل الدعم الإيراني لجماعة الحوثي المناوئة للثورة, أما بالنسبة للوضع في ليبيا فدول الإقليم كمصر والإمارات تدفع باتجاه عكس الثورة, إلا أن الجزائر وتونس تعارضان التدخل المباشر لهذه الدول في المشهد الليبي, في حين أن النظام الدولي له تدخله المباشر لاستمرار الصراع دون حسم لصالح أحد الأطراف, حتى يصل الأمر في نهايته إلى مائدة المفاوضات.

لقد نأت الثورة التونسية بنفسها عن الصدام المبكر مع الثورة المضادة وارتضت أن تقبع في موقع المعارضة حتى تعطي الفرصة للتجربة الديمقراطية الوليدة أن تؤتي ثمارها من خلال التداول السلمي للسلطة عبر صناديق الاقتراع, الأمر الذي يبدو حتى اللحظة محققاً لأهدافه, إلا أن الأيام القادمة ستظهر صدق هذا الاتجاه من عدمه, وهل ستنقلب الثورة المضادة وهي في الحكم على أهداف الثورة ثم على المسار الديمقراطي إذا ما جيء بالثوار إلى سدة الحكم أم لا؟.