المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد مصطفى  Headshot

خان.. و"الحريف" كابتن البسطاء!

تم النشر: تم التحديث:

"اكتشف بعد فوات الأوان أن الكورة مثل الحياة.. أجوان".

هذه العبارة الساحرة تصدرت أفيش فيلم "الحريف" للمخرج الراحل الكبير محمد خان، إحدى روائع عادل إمام، التي لا يذكرها الأخير بخير، ربما لأنها تُنسب لعبقرية مخرج، أكثر منها لنجومية زعيم!

"في ناس بتلعب كورة في الشارع".. من اللقطة الأولى في الفيلم، يجري البطل في الشارع تحت الكوبري.. يرتدي ترينج شعبياً فقيراً.. يلهث.. يتنفس بصعوبة.. يسحب آهات مرة.. ويدفع زفرات حارقة.. هكذا يقدم "فارس" نفسه، والعصر الذي يعيش فيه.

مواطن يعيش "مرحلة المطبات الصعبة"، أوائل ثمانينات القرن الماضي، في أعقاب سياسة الانفتاح الاقتصادي، اكتشف "بعد فوات الأوان" أن "السداح مداح"، يرفع أقواماً، ويخسف بآخرين، المهم أن يتعلم من كرة القدم "درس المرحلة" أن الحياة "أجوان".. حتى لو كان هذا الهدف غير شرعي، أو حتى يتناقض مع قواعد الـFair play!

الحريف في ذلك الزمن هو من ينتهز الفرص، ويحترف "التفويت"، و"يتسلل" خلف القانون، مثل صديقه شعبان (فاروق يوسف) الذي اعتزل لعب الكرة، وحقق ثروة من العمل في التهريب، وبيع "بيت العيلة".. فلا شرفاً أبقى ولا ذكريات!

مشكلة فارس أنه "شايف نفسه"، يؤمن أن بداخله مهارات هائلة، لكنه يفتقد لإيمان الآخرين بقدراته، يدرك أنه يستحق واقعاً أفضل مما هو عليه، لكنه لا يعرف كيف يصل إليه، يسير عكس الاتجاه، محبطاً، مقهوراً، عاجزاً، لكنه في نفس الوقت لا يريد أن يعترف بالفشل، الإحباطات تحيط به من كل جانب، زوجته دلال (فردوس عبدالحميد) انفصلت عنه، وتهدده بالزواج بآخر، ابنه يفتقد التواصل معه، أمه ماتت دون أن يعرف بذلك أبوه المتزوج من أخرى، عمله في ورشة أحذية لا يرضى طموحه، فيُطرد منها غير آسف ولا مأسوف عليه!

وحدها كرة القدم التي يحقق فارس من خلالها ذاته، ويستخرج من المجتمع شهادة الاعتراف بمهاراته، عندما يسمع هتاف الجماهير باسمه.

لكن فارس لا ينفصل عن مجتمع البسطاء الذي ينتمي إليه، فهو ليس لاعباً شهيراً، لكنك ستجده أسفل الكباري، وفي الشوارع، يداعب الكرة الشراب، ويلعب "على فلوس" من خلال الوسيط منظم المباريات، الأعرج - كمنطق عصره رزق (عبدالله فرغلي)، والأخير يكمل الضغط على البطل، فيستغل مهاراته، ويقاسمه في عائد مباريات المراهنات، شريطة أن يكون رابحاً!

يعاين فارس بنفسه آثار الانفتاح في "مباراة بورسعيد" التي قرر فيها أن يتلاعب بنتيجة مباراة، فيتلقى جزاء "اللعب مع الكبار".. علقة ساخنة!
يعيش فارس على سطح إحدى العمارات بميدان التحرير، يمر على "الأغنياء الجدد" في رحلة صعوده بالأسانسير، حتى يفيق على واقعه في حجرته الضيقة، والحمام المشترك!

يحكم العصر قبضته على رقبة البطل، حينما يتعرض للذل على يد ضابط المباحث -داخلية كل عصر- (صبري عبدالمنعم)، الذي اشتبه في تورط فارس في جريمة قتل إحدى سيدات العمارة الثريات من أجل المال، قبل أن تثبت التهمة على جاره وصديقه (نجاح الموجي) الذي يؤدي مشهداً -ولا أوجع- عندما يستبد به اليأس مهدداً بذبح زوجته وأولاده عند القبض عليه، ويتدخل فارس لإنقاذ الزوجة المسكينة والصغار من سكين الأب (الجاني - الضحية) بعدها ينتحر صديقه بإلقاء نفسه من فوق السطوح!

عند هذه اللحظة الفارقة يسكت (شريط الصوت)، في أحد أجمل مشاهد عادل إمام على شاشة السينما، ليعلن مواطن الثمانينات كلمته المخنوقة: ملعون أبو الفقر! لك أن تربط بين هذا المشهد في فيلم إنتاج عام 1983، لتدرك عبقرية محمد خان، الذي قرأ "كف الوطن"، واستشرف مصير ضحايا البورصة والخصخصة وتقلبات السوق ممن قتلوا أبناءهم -أو شرعوا- خوفاً عليهم من ذل الحاجة!

تتوالى "ضربات الجزاء" في حياته، حتى يكتشف أن الكرة مستديرة، كما أن الدنيا دوارة، يقرأ العلامات، انتحار جاره الفقير، بزوغ موهبة جديدة قادرة على سحب البساط منه، حلول بلدياته الشاب الفقير محسن (حمدي الوزير) مكانه في ورشة الأحذية، بل وفي مرافقة زميلته العاملة اللعوب عزيزة (زيزي مصطفى).

هنا يختار فارس أن يتعايش مع الحياة بدلاً من أن يرفضها، قبل أن يسرقه "الوقت الضائع"، واتخذ القرار الصعب باعتزال الكرة، وبدء حياة مستقرة مع زوجته وابنه، ويوافق على العمل مع صديقه المهرب، ويأخذ حقه مقدماً سيارة جديدة!

في أعلى ذروة درامية في الفيلم، يقرر نجم مباريات الشوارع أن يخوض مباراة اعتزال يلعب فيها ضد الجميع، رزق الاستغلالي الأعرج، وتابعه الشاب المغرور، والعصر الذي سرق أحلامه.

بأنفاس متقطعة.. يلهث فارس، كما في البداية، يتخطى خسارته الكروية وهزائمه الحياتية، بعدما يتكاتف حوله أحباؤه، ابنه وزوجته وجمهوره والكابتن العجوز مورو (عدوى غيث)، ينادونه: " يلّا يا فارس.. ناقص جون.." يراوغ فارس الجميع قبل أن يحرز هدف الفوز.. على الدنيا.. والأيام السوداء! انتصر "فارس".. المجد للبسطاء.. المجد لكل الانتصارات الصغيرة!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.