المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد منتصر Headshot

دعاة آخر زمن

تم النشر: تم التحديث:

وحينما نتكلم عن الدعاة، علينا تقسيمهم لدعاة جدد عصرانيين، أي يؤمنون بكل ما هو عصري ويسلكون نهجه، يرون الإسلام مجرد خمسة أركان وفقط، ومعاملات كثيرة، يطرحون الحجاب جانباً، تأتي برامجهم بخلفيات موسيقية نكاية في أولئك المتزمتين كما يرونهم.

لا يقف الأمر عند هذا الحد، بل بدأ بعضهم ينتج الأفلام في السينما بالتعاون مع ممثلين آخرين، وهم بذلك يضعون أرضية مشتركة ويمدون اليد لمن يستعصي عليهم تطبيق ما جاء الإسلام به كاملاً وتوارثه الناس حتى يومنا هذا، فوجدنا لهؤلاء مريديهم، ووجدنا بغرابة هؤلاء الدعاة يطلبون توفيق "الله" لهم في أفلامهم هذه.

قد لا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يتداخل بغرابة ما هو فلسفي بما هو ديني بما هو فني بالطبع، رغم أن علاقة الدين بالفلسفة ليست بهذا الود، والفلاسفة المسلمون تم إجهاض مشروعاتهم على مر التاريخ، على رأسهم ابن رشد وابن خلدون الذي تحدث عن شكل الحكم وكيف يكون، وعن عمر الدولة.

ولم يجد أحد من بعدهما فرصة واضحة يستطيع بها السير على منهاجهم الفلسفي القويم، الذي لم يضادَّ الدين في شيء قط، لكن لأن الفلسفة توارثها الناس عن عصور وثنية، فهي شيء منبوذ عند سدنة الأديان كافة. رغم أن الفلسفة في أبسط معانيها السعي للوصول للحقيقة أياً تكن هذه الحقيقة!

ما الذي يجعل شخصاً لم تكن له علاقة سابقة بالفلسفة، لا دراسة ولا غيرها، ما الذي يجعله يقحم نفسه في أتون مزيج ديني فلسفي مرهق، قد يصل به إلى غير الوجهة التي أرادها، نظراً لأنه سيكون هناك دوماً خلطٌ ما في المفاهيم والمحتوى المقدم، لأن هذا المحتوى لن يكون معزولاً عن الواقع المحيط والمُعاش من حولنا، هذا الواقع المليء بالقتل والدم والمليء بالتصرفات الغريبة التي لا تمت للإسلام بأي صلة، حتى بات أي فعل قتل في أي مكان مربوطاً بالمسلمين، حتى ولو ثبت أن القاتل محض شخص مريض نفسي. كيف إذاً سيعزل الداعية طرحه عن واقعنا المؤلم والمؤقت بالطبع!

ما يجعل هؤلاء الدعاة أقرب للناس من غيرهم، أن طرحهم وشخصياتهم مختلفة عما اعتادوه. فهم حليقوا اللحى، يرتدون الكاجوال لا الجلباب، يذهبون إلى كافة البرامج مهما يكن شكل وتاريخ المذيع أو المذيعة، وقد يكون هذا الداعية مجرد مدرب تنمية بشرية، ويستضاف في برنامج يقدم وصفات لطهو الطعام!

القرآن الكريم مزج بين آيات الثواب والعقاب، ولم يخفها، ما يفعله هؤلاء الدعاة هو النقيض التام لهذا المبدأ، مبدأ أن هناك جنة وهناك نار، وبالتالي فهم يقومون بتفكيك آيات الثواب والعقاب، وعزل تلك التي تتوعد من يشرك بالله، وإعطاء للناس دفقات من الأمل أن أفعل ماشئت، فغياب الحديث عن العقاب يجعل الإنسان يأمن عدم وجوده، بعدم تكراره له.

ولعل أكثر مريدي هؤلاء الدعاة، هم من فئة الشباب، الذين يُحشَرون بين دنيا العولمة وبين حاجاتهم الروحية، ولأنهم لم يروا الآن ثواباً أو عقاباً أو جنة أو ناراً، فقد انخرطوا في دنياهم هذه، وأعجبتهم فكرة الاجتزاء القائلة بأن الدين المعاملة، وعليه يمكنك معاملة الناس بالحسنى، وفعل أي شيء بينك وبين نفسك، لهذا يجد الشباب خصوصاً رابطة بينهم وبين هذا النوع من الدعاة. الذين يحدثون نوعاً ما تصالحاً بين فكرة العصرانية والواقع!

خدع هؤلاء الشباب بتلقي تعاليم الزهد ورواية سيرة النبي المملوءة زهداً وطاعة على يد من يتقاضون رواتب بالملايين، وهي إشكالية أساسية لديهم، لأنها ثنائية ضدية واضحة تلبس ثوب الزهد والثراء الفاحش في نفس الآن، هذه الإشكالية وغيرها صنّفت لنا نوعين من الدعاة، أحدهما نتلقى عنه معاملاتنا فقط، يلهث وهو يحاول تلميع صورة الإسلام في ظل فوضى الفتاوى الحالية، وآخر سنتكلم عنه لاحقاً، نتلقى عنه عباداتنا فقط، يعيش في فقاعة بعيداً عن المجتمع والحاصل فيه ولا شيء بينهما.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.