المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد منتصر Headshot

يومياتُ صحفي تائه.. همومُ الضّمير

تم النشر: تم التحديث:

مَن أنا؟ أنا صحفي صغير، حي الضمير، خبراته قليلة، همومه كبيرة كثيرة، آماله تُلهيه، والواقع يُؤذيه، تائه في دوامة رغم أنه الدليل؛ لذا يحاول أن يعرف منشأ الدوامة ومستقبل التيه، وإلى أين يؤدي المسار المُلتف الذي وَقَعَ فيه بإرادته ولم يوقع فيه على تسليم عقله أو ضميره لأحد؟!

كانت أمنيتي الأولى في الحياة أن أكون كاتباً، لكني لم أُرد أبداً أن أكتب للمال؛ لأن المال هو المسعى الذي يطوفُ الإنسانُ الأرضَ على قدميهِ بَحثاً عنه، ويَجثو على رُكبَتَيه انصياعاً له، ويفعلُ في سبيله ما لن يفعلَ في سبيلِ سواه، أريدُ أن أكتبَ لتتغير حياةُ الناس، ولأن الكتابة ممارسة أخرى للحرية في اختيار الكلمات ورَصِّ الجُمَل، ثُمّ آمنتُ أن الكتابةَ لا تشفي أو تداوي، لكنها قد تُميتُ من حيثُ أرادت الشّفاء، وتُقَسِّمُ مِن حيثُ أرادت الأُلفة. الكتابةُ فِعلُ تَصريف، فِعلُ عقلنة، وفِعلُ تَوجيه، وليست ولن تكون الدواء لأي من مشكلات مجتمعاتنا المقهورة.

كنتُ وما زلتُ أرى بساطةَ الحياةِ وسعادتها في القواعدِ النّابِتَةِ في نفسي وعلى رأسها الصّدق، بدايةُ الشُغلِ في الصحافة هَزتْ هذا المبدأ وصدمهُ واقعٌ قَذِر، فالكذبُ والتضليلُ من طقوس الكتابة اليومية في الصحافة المصرية والعربية، فأين انسكب ضمير هؤلاء جميعاً، فصارت أنفسهم خاوية من نزعات إنسانية ومجتمعية حتمية لا تقبل مفاوضة أو جدلاً؟

وقد صادفت كتابة هذه التدوينة ندوةً حضرتُها عن أخلاقيات الإعلام، تحدث فيها المحاضر عن الضمير الصحفي، لا عن يقظته ولا عن أزمته، بل تحدث المتحدث عن توجع الضمير عند النوم لا عن توجعه في لحظة ارتكاب جريمة التضليل، فأثار الرجل هموم ضميري، الذي يرفض حتى الآن أن يتأقلم في صفحات الجرائد الصفراء، عديمة القيمة، سيئة السمعة، واسعة الكذب.

التأقلم جريمة لكنه يصبح جريمة مضاعفة حينما ينتج عنه موت وعي المجتمع وضميره.

إن تعريف البؤس في نظري هو أن تكون صحفياً شاباً في مصر، عليك أن تبدأ الكذب حتى يسير "بأستيكة" على كل قطعة صدق تنزوي في ضميرك، وإلا "روّح لأمك"، عليك أن توافق على ما يتم تعديله في الخبر ليؤدي معنى يوافق سياسة البلد، ويقطع في لحوم الآخرين "أهل الشر"، وتلك مهمة سهلة على من سلك طريقاً اسمه "أبيع يا باشا" وذا طريق سهل مزدحم بالسائرين فيه، صعبٌ في مغبته ونتائجه التي تُوحِلُ صاحبه، وإن توهم براحة صدره، فهو ما إلا حمار يحمل أفكاراً "مُعلبة"، ولا يستطيع التفكير خارج صندوق الأفكار الذي صُب في عقله صَبَّاً.

يا حسرةً على شباب الصحفيين، حينما أنظرُ إليهم ولا أراهم وقوداً للتغيير، بل أعواداً للتطبيل، ذيولاً في ظهور الوصوليين، بدلاً من أن يكونوا في مقدمة الصف، قاطعين الطريق على أولئك الوصوليين، ومما يتقيأ له ضميري أن أرى زملائي يسابقون الريح في التنافس مع بعضهم على الكذب، وبيع الضمير، والوِشاية، في خبث ليس بجديدٍ على الصحافة، أنشأه الأستاذ محمد حسنين هيكل حينما كانت له يد في الوقيعة بين الرئيس الراحل جمال عبد الناصر ورؤساء الصحف في عهده، وحينما كان له لسان دائر يُحسنُ سَكْبَ الوِشايات في أُذنِ ديكتاتور، والأمثلة في كتاب (الصحافة والثورة) كثيرة.

إن ضميري المهموم في صمتٍ ينقبض كل يوم ألفَ مرة، ونفسي تضيقُ حُزناً وأَلَماً مما قد أدفعَه ثمناً للحصول على فُرصةٍ للكتابةِ في صحافة مصر، تالله لا تساوي أعلى هذه الفرص أقل خسارة في أخلاق المرء، وفي سبيل ماذا يخسر؟ في سبيل قضايا ما هو بصاحبها ولا هو في موقف يخوله للدفاع عنها! فَلنا العبرةُ فيما مضى بعيداً من صحافة النكسة، وما مضى قريباً، من انقلابِ لغةِ الصحافةِ بعدَ ثورةِ يناير/كانون الثاني عن لغتها قبلها، ولنا الهموم المتسربةُ إلى ضمائرِ الطّامحين، والرّافضين بَأن يَبيعوا.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.