المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد ماهر Headshot

الإعلام المصري.. مصنعُ الكذب والتلاعب بالعقول!

تم النشر: تم التحديث:

عندما ترى هذا العنوان تسأل نفسك مندهشاً: هل هناك مصنع للكذب؟! هل يتم إنتاج الكذب في مصنع وتعبئته، أم أن الكذب لا يحتاج إلى مصنع ويُستحدَث من العدم؟!

بعيداً عن العناوين البراقة، نعم.. يتم صنع الكذب وتعبئته ودخوله إلى كل منزل دون إذن أو تاريخ صلاحية، ولكي يُصدّق بسهولة يجب أن يكون مغلَّفاً ببعض من الحقائق.

منذ أن قدمت إلى هذا العالم بعد ولادتي، لم يكن في بيتنا آلة الكذب التي من خلالها يستطيع الكذب أن يدخل كل بيت؛ حيث إن والديَّ لم يرغبا في أن تكون هذه الآلة بمنزلنا، ولم أكن أعلم السبب الحقيقي وراء هذا الرفض! وبعد أن كبرت قليلاً، علمت وجهة نظرهم وهي أن هذه الآلة تبثّ السموم، وتنشر الأكاذيب، وتدمّر الأطفال والشباب، وتهدر الوقت، وتلهى عن ذكر الله وعن الصلاة، ولم يكن هذا الرفض في منزلنا وحده، ولكنه كان في أغلب منازل العائلة.

وأعترف بأني حينها كانت وجهة نظري أنها آلة للتسلية، وكثيراً ما كنت أنجذب إليها وأضيّع الوقت؛ حيث إني كنت أذهب خلسةً إلى منزل جدتي والتمتع بمشاهدة تلك الآلة دون معرفة والديّ. ومن الطريف، أن أبي عندما يبحث عني في المنزل ولا يجدني، كان يذهب تلقائياً إلى منزل جدتي فأجده أمامي كالمخبر، يمسكني من الكتف وملابسي مصطحباً بكفٍّ ثلاثي الأبعاد، فتصرخ جدتي وتقول له: "لا.. متضربهوش يا ماهر! خلييه يتفرج». في هذه اللحظة، كنت أظن أن والدي قاسٍ، وأن وجهة نظره خاطئة. لكني ما لبثت أن كبرت وأصبحت شاباً، وشاءت الأقدار أن أكون طرفاً في هذه الصناعة فأدركت وقتها أن وجهة نظر والدي كانت صحيحة.

هذه الآلة دورها الرئيسي توصيل الكذب إلى العقول وتلويث القلوب أحياناً. سيندهش البعض من هذه الكلمات، ولكني سأشرحها بالأمثلة.

هذه الآلة التي تصنع الكذب موجودة في كل دول العالم، ولكن لا تجد هذه الصناعة بهذه الآلة إلا في الدول الديكتاتورية المليئة بالظلم والفساد والقتل والسرقة والنهب، وأتكلم هنا عن بلدي مصر.

كم كنت أتمنى ألا أكتب مثل هذا العنوان في هذا المقال وأكتب بدلاً منه صناعة الصدق. لكن للأسف، هذا هو الواقع الأليم. أصبحت هذه الآلة لا تعمل بضمائر العاملين فيها؛ بل أصبحت عن طريق مكالمة هاتفية من موظف في جهاز الشؤون المعنوية بالقوات المسلحة المصرية، يأخذ تعليماته من مدير مكتب وزير الدفاع سابقاً (مدير مكتب رئيس الجمهورية حالياً)، وأغلبكم سمع عن كيفية توزيع الأدوار، وكيف يتم تصنيع الكذب باستخدام هذه الآلة الشهيرة بكلمة (أحماااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااد).

سيتهمني البعض بأني إخواني، وأني ضد وطني مصر، وأني أردد ما يقوله إعلام الشرعية. ولكن، من يعرفني جيداً لن يصدق هذا الاتهام؛ لأني لست إخوانياً، ولا سلفياً، ولا ليبرالياً، ولا علمانياً، ولا اشتراكياً! بل أنا مصري أحب وطني، وأحلم بمثالية الوطن، لهذا أقول الحقيقة بعيداً عن أي توجه سياسي أو عرقي أو طائفي.

عملت في أول قناة فضائية أنشئت بمصر (قناة المحور) مذيعاً أقوم بتقديم البرامج. علمت أموراً وحقائق صُدمت حين عرفتها، وكل المادة التي تُبث في هذه الآلة من كل المجالات بمصر يتم وضع السموم بداخلها إلا من رحم ربي.

فإعلام رجال الأعمال وإعلام رجال السياسة له مصلحة في أن يتحكم في عقلك عن طريق صناعة الكذب بأخبار غير صحيحة لكي يلعب بالعقول، شاهدتُ بعينيَّ بعض المذيعين المعروفين يتلقّون الأوامر باختيار موضوعات معينة والحديث فيها بصورة معينة تواكب سياسة الدولة وتنشر الأكاذيب وتخفي الحقيقة وتغيّب الوعي. وبفضل الله، لأني تربيت على قول كلمة الحق وإظهار الحقيقة مهما كان الثمن وأن هذا المبدأ تربيت عليه في بيت علمني أن الساكت عن الحق شيطان أخرس، استخدمت برنامجي في توعية الشباب ولم أسلك مسلك الآخرين.

وعندما أتكلم عن صناعة الكذب في هذه الآلة، سأكتب منذ أن بدأت ثورة الخامس والعشرين من يناير إلى الآن، وسأروي لكم في المقالات القادمة أغلب ما تم صنعه من أكاذيب وأوهام منذ بداية الثورة حتى وقتنا هذا.

هذا الوطن يحتاج إلى مخلِّص وليس إلى مخ لصٍّ!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.