المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد كامل أبوفول Headshot

شماتة بشماتة، والبادئ أظلم .!

تم النشر: تم التحديث:

في صباح ممطر، حيث الشتاء على أبواب بلادنا العربية، وفي مدينة أنهكها التعب، وقف إلى نافذة منزله، يحتسي فنجان قهوته، ويستمتع بموسيقاه المفضلة، فتح حسابه على مواقع التواصل الاجتماعي، وبدأ بقراءة الأخبار، يقلبها هنا وهناك، فقرأ خبرا عن إغراق السلطات المصرية للأنفاق مع قطاع غزة، فاستشاط غضبا "وهو محق في ذلك" خصوصا بعدما قرأ تعليقات بعض المواطنين المصريين على ذلك بالتأييد، استكمل قراءته للأخبار الصباحية، والمطر أمامه يهطل بغزارة، وهو مستمتع في هذا المنظر، فإذا فجأة يقرأ أخبارا عن غرق بعض الشوارع في مصر نتيجة الأمطار، ويشاهد صور معاناة المواطنين هناك في تدبير أمور حياتهم، فانقلب سريعا غضبه على إغراق الأنفاق، إلى سعادة أن الشوارع عندهم أيضا قد غرقت، جهز كلماته وحروفه، وكتب منشوره الفيسبوكي، وتغريدته على تويتر، وكان فيها "بيستاهلوا إلي بيحصللهم !!!" تماما كما قرأها منهم، فانهالت التعليقات على هذا المنشور بين مؤيد ومعارض.
سيناريو الشماتة اليومي في بلادنا العربية بين دولة وأخرى، بين صديق وصديقه، بين جار وجاره، بين طفل وآخر، بين زوجة وأخرى، سيناريو يتكرر كل يوم وبمواقف مختلفة، سيناريو يبدؤه حاقد وجاحد، ويتلقفه المواطن البسيط بتكراره أو نشره، فتغدو المصيبة هنا أكبر، والفاجعة مؤلمة بفقدان إنسانية المواطن العربي يوما بعد يوم، والخاسر الوحيد سواء لانسانيته، أو لأخلاقه، أو لأحبابه هو المواطن البسيط نفسه. إن سيناريو الشماتة هذا، يبدأ بواحدة ولا ينتهي، هو يغذي روح الكره والحقد من حيث لا ندري، هو يغذي في كل مواطن سواء شارك في سيناريو الشماتة في الآخرين أو لم يشارك شعور اللامبالاة بأي حدث مأساوي يحدث في بقعة جغرافية معينة على هذا الكوكب، فمن شمت بمن يشاركه اللغة على الأقل، لن يهتم كثيرا لو حدث مكروه أو فاجعة في بلاد "الواق واق"، لأن الذي يحكم الإنسان الشامت الآن هو صفاته التي غذاها الكره والحقد، وليست إنسانيته التي جعلها الله فيه.
صحيح أن حجم الألم والعتاب كبير بين مواطني الوطن العربي، وخصوصا من مسهم الضر من بعضهم البعض، ولكن هذا الألم يبدأ كبيرا، وينتهي صغيرا (كما كل ألم يشعر به الإنسان) إذا وجدت الإرادة الحقيقية بين أبناء الدين الواحد، والعرق الواحد، واللغة الواحدة لتجاوزه، أو على الأقل اذا وجدت إرادة التفكير السليم في إنسانية هذا المواطن، والإيمان بأن الشماتة في المصيبة لا يتألم منها إلا المواطن البسيط الغلبان في حياته الذي اجتمعت عليه مصيبته وشماتة الآخرين به. إن البعض لا يريد لهذه الروح الإيجابية بين الاخوة أن تكون، هذا البعض إما مستنفع من بقاء هذه الروح السلبية في المواطن العربي البسيط، فينشغل بها عن همومه، ويفرغ طاقته السلبية هذه في غيره، فينتشر هذا الوباء في النفوس، أو جاهل لا يعي أن لكلمات الشماتة التي تخرج من فمه أثرها المدمر في نفوس من يسمعها ومن يشمت بهم، ظانا (هذا الجاهل لأثر كلماته) أن تفريغ شحناته السلبية على الآخرين سيريحه، وهو لا يعرف بأن هذا التفريغ الذي يدعيه ما هو إلا شرارة اللاعودة عن سيناريوهات الشماتة في الآخرين، وإيذان ببداية دائرة الشماتة بالشماتة، والبادئ أظلم!.
إنه من المؤسف أن نرى يوميا على مواقع التواصل الاجتماعي صور الشماتة المختلفة بين أبناء المنطقة الواحدة، وأبناء الدول المختلفة، ومن المؤسف أكثر أن نرى من يتداولون هذه المنشورات المؤسفة هم من الناس الذي يعانون في حياتهم، ويذوقون التعب والقهر في توفير حاجيات يومهم، فيجتمع عليهم صعوبة حياتهم، ومشاعرهم السلبية، وكلمات الآخرين الشامتة بهم، ويا لها من أضلاع مثلث مهلك لكل شيء في هذه الحياة!!.
ثم لماذا هذا كله؟ لماذا تناقل كل هذا الكره؟ ولماذا السماح لدائرة الشماتة البغيضة أن تسير في النفوس؟ فإذا كان موسى عليه السلام قد استعاذ الله من شماتة الأعداء به فقال "فلا تشمت بي الأعداء" فكيف بنا ونحن نشمت بمن هم ليسوا بأعداء؟ لقد تجاوزنا دعاء موسى لربه بأننا أصبحنا نخلق الأعداء بأنفسنا بسوء كلماتنا وعباراتنا مع بعضنا البعض، وسوء تقديرنا لخطورة كل هذا.
لقد قال الله تعالى "ادفع باللتي هي أحسن، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم"، فأين من يتفوهون بعبارات الشماتة في الآخرين من هذا التوجيه الربّاني، ولسان حالهم يقول "هم من بدؤوا!!". أي منطق هذا الذي يحكم عباراتنا بأسلوب "والبادئ أظلم"، "وكما فعل بي وقال عني سأفعل به". أي منطق أوصل البعض الى أن يسمع ويرى كل هذه المصائب في البلاد العربية ولا يكف أذاه بكلماته عنهم، فلا هو ساعدهم، ولا هو التزم الصمت على الأقل تطبيقا "فليقل خيرا أو ليصمت".
إن الحياة لا تخلو من أولئك الذي لا يرضون أن يحدث هذا كله، من أولئك الذين لا يرضون أن يغذوا روح السلبية في النفوس، بل إن هناك الكثير من الأصوات التي لا ترضى بهذا الأسلوب من الشماتة بالآخرين عند المصائب، خصوصا الشماتة من الذين لا حول لهم ولا قوة، من الذين هم معذبون في الأرض في تحصيل قوت يومهم والسعي لحاجياتهم، وهي الأصوات التي يجب أن تزيد وتتعزز.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.