المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد مصطفى جامع Headshot

قراءة في الموقف الإفريقي من الأزمة الخليجية

تم النشر: تم التحديث:

إلى وقت قريب كان العالم ينظر إلى إفريقيا على أنها قارة موبوءة بالصراعات والحروب والأمراض الفتاكة، وبالفعل عانت القارة السمراء الحروب الأهلية والمجاعة فتراتٍ سابقة، لكن الأعوام الأخيرة شهدت إفريقيا اهتماماً متعاظماً من دول العالم الكبرى، فأخذت دولٌ مثل الصين واليابان وروسيا تتنافس على الاستثمار في القارة الصاعدة التي تمتلك موارد طبيعية ضخمة لا تزال غير مستغلة بالطريقة المثلى حتى الآن.

كغيرها من دول العالم، التفتت دول الخليج العربي غرباً باتجاه إفريقيا، لا سيما بعد الأزمة المالية وانخفاض سعر البترول؛ سعياً منها لخلق نفوذ وحضور في القارة التي تتنافس عليها قوىً أخرى مثل إسرائيل وإيران، زيادة على اتجاه الدول الخليجية إلى تنويع مواردها الاقتصادية والاستثمار في الطاقة المتجددة بدلاً عن الطاقة التقليدية التي قلّ الاهتمام بها عالمياً.

عندما تفجرت الأزمة الخليجية الحالية في الخامس من يونيو/حزيران الجاري، سارع رئيس الاتحاد الإفريقي، ألفا كوندي، إلى إصدار بيانٍ عرض فيه القيام بوساطة لوضع حل سريع للأزمة التي وصفها بـ"المؤسفة" بين الأشقاء.. موقف رئيس المنظمة الإفريقية نال التقدير والإعجاب لدى كثيرين تساءلوا حينها عن غياب مجلس التعاون الخليجي والجامعة العربية اللذين يفترض أنهما الأقرب لملف الأزمة من إفريقيا.

سعى محور السعودية، الإمارات، البحرين، مصر إلى استقطاب وحشد الدول الإفريقية لصالح قرار قطع العلاقات مع دولة قطر، وبالفعل نجح التحالف الرباعي في استقطاب دولٍ مثل موريتانيا وجزر القمر، فيما خفّضت السنغال وجيبوتي تمثيلهما الدبلوماسي مع الدوحة.

غير أن الدول الكبرى والمؤثرة في القارة، مثل إثيوبيا وجنوب إفريقيا ونيجيريا وكينيا، اتخذت موقفاً محايداً من الأزمة، إلى جانب الدول الإفريقية العربية كالسودان ودول المغرب العربي، رغم ما ذكرته مصادر دبلوماسية عن محاولات حثيثة -قادتها السعودية- بهدف التأثير على قرار جمهوريات القارة السمراء، مستخدمة أساليب متنوعة.

إلى جانب تلك التحركات، لم تقف دولة قطر مكتوفة الأيدي، خصوصاً أن أميرها، الشيخ تميم بن حمد، قام بجولة إفريقية قبل نحو شهرين من اندلاع الأزمة؛ لذا واكبت دولة قطر الأزمة بإرسال وزير الدولة للشؤون الخارجية، سلطان المريخي، في زياراتٍ شملت كلاً من إثيوبيا والسودان والصومال وكينيا وأوغندا، استهدفت تلك الجولة شرح وجهة النظر القطرية من الأزمة، كما بحثت الزيارات علاقات دولة قطر مع دول القرن الإفريقي وسبل تطويرها.

القرار الإفريقي الموحد، الذي جدده الإثنين 3 يوليو/تموز 2017، رئيس جمهورية غينيا، الرئيس الحالي للاتحاد الإفريقي، ألفا كوندي، يقوم على عدم الانحياز إلى صالح طرف محدد في الأزمة الحالية وفي أي أزمة أخرى؛ إذ إن الدول الإفريقية بدت أكثر حكمةً واتزاناً بالمقارنة مع مؤسسات إقليمية أخرى كالجامعة العربية، التي لم يعد لها أي حضور أو تأثير عند النظر إلى الكيان الإفريقي، الذي نشط في حلحلة قضايا القارة كأزمة السودان مع المعارضة المسلحة، والقضية الليبية، فضلاً عن الصراعات المسلحة بجنوب السودان وفي وسط وغرب إفريقيا.

اللافت أن وزير الخارجية المصري، سامح شكري، حاول استمالة القادة الأفارقة في قمتهم التاسعة والعشرين، التي انطلقت في أديس أبابا الإثنين 3 يوليو/ تمّوز الجاري؛ لحملهم على اتخاذ موقف موحد ضد قطر، لكن محاولاته اصطدمت بمقاومة عنيفة قادها رئيس الاتحاد ألفا كوندي، ووزير خارجية الجزائر عبد القادر مساهل؛ ما دفع شكري إلى مغادرة القمة مغاضباً.

بالتوازي مع محاولات سامح شكري، بذل طه عثمان، السكرتير السابق للرئيس السوداني، جهوداً حثيثة للغرض ذاته، مستخدماً صفته الجديدة "مستشار بوزارة الخارجية السعودية"، وتلك قصة أخرى مثيرة تحتاج إلى مقالٍ آخر.

المهم أن طه عثمان حاول استمالة القادة الأفارقة والتمهيد لزيارة غير معلنة قام بها وزير الخارجية السعودي، عادل الجبير، إلى أديس أبابا بعد ظهر الثلاثاء 4 يوليو/تموز، عقب اختتام القمة الإفريقية، التي لم تتطرق إلى الأزمة الخليجية خلاف الموقف المحايد الذي أبداه رئيس الاتحاد، ألفا كوندي.

وأشارت مصادر إعلامية من هناك، إلى أن لقاءات الجبير اقتصرت على عدد محدود من القادة، من بينهم هايلي مريام ديسالين رئيس الوزراء الإثيوبي، وحسبو محمد عبد الرحمن نائب رئيس السودان، وآداما بارو رئيس جمهورية غامبيا، وكانت النتيجة المؤكدة، بحسب الصحفي محمد طه توكل، أن الجبير سمع ردّاً موحداً من القادة الأفارقة، مفاده أنهم يدعمون المبادرة الكويتية ويرون ضرورة إنهاء الأزمة مع دولة قطر سلمياً.

بطبيعة الحال، يمكن بسهولة تخمين أن لقاءات الوزير السعودي كانت تهدف إلى المزيد من الحشد والتأييد لموقف الدول الأربع ضد قطر، فمن الطبيعي لأي طرف في صراعٍ ما أن يعمل على شرح موقفه والتسويق له، إلا أن القارة الإفريقية لم تعد سهلة الاختراق، وباتت قرارات قادتها مقيدة بالحكمة والهدوء، خصوصاً بعد أن انعكست الأزمة الخليجية بشكل سلبي على الاتحاد الإفريقي، فقد سحبت دولة قطر قواتها التي كانت متمركزة في الحدود بين إريتريا وجيبوتي، في رد فعلٍ على ما يبدو لقرار الأخيرة تخفيض علاقاتها الدبلوماسية مع الدوحة.

أدى سحب القوات القطرية (12 يونيو/حزيران الماضي) إلى تفجر النزاع من جديد بين جيبوتي وأسمرة بعد توقف دام 9 سنوات؛ ما دعا سفير إريتريا لدى الاتحاد الإفريقي، أريا ديستا، إلى مناشدة قطر التوسط مرة ثانية مع جارتها جيبوتي بشأن الخلاف الحدودي بين البلدين، معتبراً أن دولة قطر هي المفاوض الأصيل لاتفاقية السلام، وأن الأمر يعود لها في تسوية الخلاف الأخير.

تطور آخر، هو دعوة العاهل السعودي، الملك سلمان بن عبد العزيز، إلى استضافة قمة سعودية-إفريقية نهاية العام الحالي أو بداية العام المقبل، قد يتبادر إلى الذهن أن الغرض من الدعوة حشد الدول الإفريقية تحت المظلة السعودية لقطع الطريق أمام محور قطري-تركي بدأ يتشكل خلال الأزمة الأخيرة في حال استمرارها.

حتى اللحظة لم يصدر رد فعل من الجانب الإفريقي على دعوة العاهل السعودي، التي تأتي في سياق تحركات محمومة، وقد يكون الطرف الإفريقي تساءل عن مغزى وأهداف الدعوة التي جاءت بصورة مفاجِئة وبلا تفاصيل عقب انتهاء قمة أديس أبابا ومغادرة القادة إلى أوطانهم.

أخيراً، يتضح لنا أن القادة الأفارقة حافظوا على موقفهم الداعم للمبادرة الكويتية، وحل الأزمة عن طريق الحوار والتفاوض، كما تؤكد التسريبات الواردة من أديس أبابا أن الدول الإفريقية القليلة التي كانت اتخذت قرارات منفردة بالانحياز إلى معسكر الحصار قد وجدت حظاً من اللوم والتقريع جراء موقفها المتعجل والمخالف للإجماع الإفريقي.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.