المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد مصطفى جامع Headshot

تيدروس أدهانوم.. إنجاز جديد للدبلوماسية الإثيوبية

تم النشر: تم التحديث:

عزّزت إثيوبيا من حضورها الدبلوماسي عالمياً بعد انتخاب وزير خارجيتها السابق تيدروس أدهانوم مديراً عاماً لمنظمة الصحة العالمية؛ ليكون أول إفريقي يشغل المنصب بعد حصوله على غالبية أصوات الدول الأعضاء البالغ عددها 186 دولة، وقبل ذلك بدأت إثيوبيا ولايتها عضواً غير دائم في مجلس الأمن الدولي منذ مطلع يناير/كانون الثاني من العام الجاري.

تقول السيرة الذاتية لتيدروس أدهانوم إنه حاصل على درجة الدكتوراه في صحة المجتمع من جامعة نوتنغهام، وماجستير في علم مناعة الأمراض المُعدية من جامعة لندن (المملكة المتحدة)، وقد شغل الرجل مناصب متعددة في بلاده، تتعلق بمجال الصحة والوقاية الطبية، من بينها رئاسته الصندوق العالمي لمكافحة الإيدز، ثم مجلس مكافحة السل والملاريا، بعدها تولى حقيبة وزير الصحة وشهدت فترة مسؤولياته إنجازات عديدة، أهمها خفض معدلات وفيات الأطفال إلى نحو الثلثين، وانخفاض الإصابة بمرض نقص المناعة المكتسب "الإيدز" بنسبة 90%.

لكنّ شخصية الإثيوبي أدهانوم لم يتعرف الناس عليها عالمياً إلا بعد أن عُيّن في منصب وزير الخارجية (2012 - 2016)؛ حيث شهد عهده نشاطاً واسعاً للدبلوماسية الإثيوبية، مكّنها من تحقيق اختراقات واسعة على صعيد العلاقات مع دول الخليج؛ إذ أعاد علاقات أديس أبابا مع الدوحة التي كانت قد انقطعت نحو أربع سنوات إثر خلافات ثنائية، وفي الوقت نفسه عمل أدهانوم على الانفتاح أكثر تجاه السعودية والإمارات وسلطنة عمان، ما جعل الأخيرة تتخذ قراراً بفتح سفارةٍ لها في أديس أبابا، بجانب ذلك نجح وزير الخارجية الإثيوبي السابق في تعزيز العلاقات لتتجه نحو التكامل مع الجارة الشرقية لبلاده "السودان"، وقادت الدبلوماسية الإثيوبية في فترته تلك مفاوضات حثيثة بين حكومة الخرطوم والحركة الشعبية المعارِضة.. أسفر ذلك عن تبادل الأسرى بين الجانبين، كما حاولت أديس أبابا أكثر من مرة إيجاد حل لأزمة الفرقاء في جمهورية جنوب السودان.

ليس هذا فحسب، هناك مراقبون يرون أن القبول الواسع الذي تجده شخصية تيدروس أدهانوم وسط جموع الشعب الإثيوبي حتى الذين لديهم مواقف سالبة من الحكومة الفيدرالية، يرجع إلى اهتمامه بقضايا المغتربين والمهاجرين؛ حيث كان يصر على حل المشكلات التي تواجه العمالة الإثيوبية في دول الخليج وأوروبا، ولذلك يعتقد كثيرون أن نجاح حملات تمويل جزء كبير من ميزانية سد النهضة بواسطة المواطنين الإثيوبيين يعود إلى اقتناعهم بخطاب الرجل وتصريحاته التي نشرت بعضها صحيفة العربي الجديد بتاريخ 5 أبريل/نيسان 2014؛ حيث إن مصر نجحت في وقت سابق في إيقاف التمويل الدولي للسد باعتبار قيامه يؤثر على مصالحها وأمنها المائي.

لتلك الأسباب، انزعج البعض وتحسّر على الدبلوماسية الإثيوبية عندما شكّل رئيس الوزراء هايلي مريام ديسالين حكومة جديدة، العام الماضي، غادر فيها تيدروس أدهانوم مقعد وزارة الخارجية، غير أن خليفته "ورقنة جيبيو" استمر على نهج سلفه في الانفتاح نحو العالم وتعزيز العلاقات مع دول الخليج؛ إذ أثمرت اتصالاته عن زيارة أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أديس أبابا ضمن جولة إفريقية هدفت إلى مد جسور الصلة مع القارة السمراء، وتنويع الاقتصاد والاستثمارات ضمن رؤية 2030.

وزار وزير الخارجية الإثيوبي الحالي ورقنة جيبيو الخرطوم مراتٍ عديدة من أجل توقيع الشراكة والتكامل مع السودان، ولم ينسَ كذلك أن يشد الرحال إلى القاهرة من أجل بث روح الطمأنينة وتهدئة المخاوف المصرية من قيام سد النهضة.

مقارنة مع دول الجوار، تبدو الدبلوماسية الإثيوبية أقوى حضوراً وأكثر تناغماً وتأثيراً، فدولة إريتريا المجاورة على سبيل المثال، تكاد تكون منغلقة على نفسها فلا تتحرك دبلوماسياً إلا في حدود ضيقةٍ بسبب سياسات نظام الجبهة الشعبية "الحاكم"؛ إذ لا يتحرك وزير الخارجية عثمان صالح في زيارات خارجية إلا نادراً.

أما السودان الذي كان يتمتع بإرثٍ دبلوماسي كبير، لكنه، تبدد بعد تدخلات الحزب الحاكم ورئاسة الجمهورية في صميم عمل وزارة الخارجية، تلك التدخلات أثّرت سلباً على أداء الدبلوماسية السودانية، رغم الاختراقات الأخيرة في مجال العلاقات مع دول الخليج وبوادر رفع العقوبات الأميركية، فمن الملاحظ أن الرئيس عمر البشير كثيراً ما يُكلف مدير مكتبه طه عثمان بمهامّ خارجية، كما حدث أخيراً في القمة الإسلامية - الأميركية، الأمر الذي لا يحدث في دول العالم المحترمة، ولا يمكن أن يحدث في الجارة إثيوبيا؛ إذ يُمثّل تلك الدول في المحافل الدولية والفعاليات، وزير خارجيتها أو أحد المسؤولين بالوزارة على الأقل، وليس مديري المكاتب والسكرتارية.

دليل آخر على نجاحات الدبلوماسية الإثيوبية، هو حسن إدارتها لملف سد النهضة، فضلاً عن تغلُّب أديس أبابا على وقف التمويل الدولي للسد بطرح سندات وصناديق داخلية، وعندما خرج الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في جولاتٍ شملت دول حوض النيل لحشد الدعم من أجل محاصرة إثيوبيا وإعادة فتح اتفاقية عنتيبي التي لم توقع عليها مصر سابقاً، نجحت الدبلوماسية الإثيوبية بسهولة، في إبطال الاجتماع الذي كان مقرراً له الخامس والعشرين من مايو/أيار، إلى أجل غير مسمى ومن دون أسباب واضحة، الأمر الذي أرجعه الخبير المصري في مجال السدود والمياه أحمد الشناوي إلى وجود فريق إثيوبي كامل وظيفته متابعة تحركات الجانب المصري والعمل دائماً على صد تلك التحركات، متوقعاً أن تكون حكومة أديس أبابا مارست ضغوطاً عالية على دول حوض النيل، خصوصاً تلك التي ترتبط معها بمصالح تجارية.

إن حصول إثيوبيا، ممثلة في شخص تيدروس أدهانوم، على مقعد المدير العام لمنظمة الصحة العالمية بفارق هائل عن منافسيه، دليل على أن القوة الناعمة لهذا البلد الإفريقي تتعزز وتنمو بسرعة، فضلاً عن أن الحدث انتصار كبير ليس للدبلوماسية الإثيوبية وحدها، بل للقارة الإفريقية بأسرها، كما قال سفير أديس أبابا في جنيف، نجاشي بورتورا، فهي المرة الأولى التي يفوز فيها مرشح من القارة السمراء بالمنصب الرفيع، وعليه ينتظر العالم والإفريقيون من أدهانوم أن يعمل ما في وسعه من أجل الوفاء بوعده الذي قطعه على نفسه، وهو أن يجعل الرعاية الصحية من بين أهم الأولويات في العالم، بجانب العمل على تعزيز وقاية المجتمع ومحاربة الأمراض والوبائيات في إفريقيا القارة التي تبنّت ترشيحه، وشاركت في حملة دعمه بوفدٍ رفيع كان من بينه مصطفى عثمان إسماعيل وزير الخارجية السوداني الأسبق.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.