المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد مصطفى جامع Headshot

قطر وإثيوبيا ونظرية المؤامرة!

تم النشر: تم التحديث:

باتت إفريقيا أخيراً موضع اهتمام عالمي، فقد قام الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما بجولةٍ في القارة السمراء قبل نحو عامين استهلها من مسقط رأس والده في كينيا، قضى فيها عدة أيام قبل أن يتجه إلى إثيوبيا.

كذلك شهدت إفريقيا والعاصمة الإثيوبية أديس أبابا على وجه الخصوص، زيارات متلاحقة من بينها جولة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، منتصف العام الماضي، ثم زيارات مماثلة للعاهل المغربي محمد السادس أثمرت عودة بلاده إلى الاتحاد الإفريقي، بعد غياب استمر لثلاثة عقود.

تنبع أهمية إفريقيا من أنها تعتبر همزة الوصل بين قارات العالم المختلفة، خصوصاً الجزء الشمالي والشمالي الشرقي للقارة، فهي تسيطر على حركة المواصلات العالمية بين قارات آسيا وأوروبا وإفريقيا، بالإضافة إلى احتوائها على موارد زراعية متنوعة ومساحات شاسعة من الأراضي الصالحة للزراعة.

من هنا جاءت جولة أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني الأخيرة، التي شملت دولاً إفريقية هي إثيوبيا وكينيا وجنوب إفريقيا، إلا أن محطته الأولى أديس أبابا استأثرت باهتمام الإعلام العربي والإقليمي؛ لما تمثله إثيوبيا من أهمية جيوسياسية، فهي الدولة الثانية إفريقياً من حيث عدد السكان بعد نيجيريا، والعاشرة من حيث المساحة، فضلاً عن احتضانها مقرَّي رئاسة الاتحاد الإفريقي والإيقاد (منظمة تجمَع دول شرق إفريقيا)، إلى جانب عدد من المنظمات الإقليمية الأخرى.

لفتت إثيوبيا أنظار العالم إليها بعد نجاحها في تحقيق معدلات نمو عالية في فترة وجيزة، بعد أن كانت مُصنفة ضمن أكثر دول العالم فقراً بسبب الحروب المستمرة التي عانت منها لعقودٍ طيلة، ما أثر بشدة على بنيتها التحتية، إلا أن وصول رئيس الوزراء السابق ميليس زيناوي إلى الحكم في إثيوبيا عام 1995 شكَّل علامة فارقة في تاريخ البلد؛ إذ يعتبره كثير من الإثيوبيين مُنقذ الشعب من حكم "الديكتاتور" هايلي مريام، ومفجّر ثورة التغيير والتطور رغم معاناتهم من سياساته المتعلقة بحقوق الإنسان وحرية التعبير.

زيارة الأمير القطري إلى الهضبة الإثيوبية تابعتها القاهرة بقلقٍ وهجومٍ إعلامي مكثف؛ نظراً لأن مصر تتخوف من تأثير سد النهضة على حصتها المائية، ويعتقد مقربون من النظام المصري أن زيارة الشيخ تميم بن حمد لأديس أبابا جاءت في إطار "التآمر" على بلادهم، خصوصاً بعد إعلان إثيوبيا إنجاز 57% من منشآت السد والبداية في تخزين المياه.

تخطئ مصر حينما تختزل إثيوبيا الدولة الصاعدة بقوة في قضية سد النهضة فقط، فإثيوبيا الحالية هي أرض الحبشة التي هاجر إليها صحابة الرسول الكريم -صلى الله عليه سلم- وقد وصف النبي محمد ملكها بأنه "لا يُظلم عنده أحد"، قبل ذلك، هي موطن مملكة أكسوم القديمة، وفي إثيوبيا وُجد أقدم هيكل بشري عمره 4,4 مليون سنة، ولها أطول سجل تاريخي للاستقلال في إفريقيا؛ إذ لم تخضع للاستعمار إلا لفترة بسيطة من 1936 وحتى 1941 عندما اجتاحتها القوات الإيطالية في حملتها على شرق إفريقيا، وإضافة إلى ذلك تتميز إثيوبيا أو الحبشة ببنية تحتية قوية في مجال السياحة والاستثمار، بجانب تمتعها بطقس خلاَّب طول العام، كما أن عدد سكانها الذي يفوق 100 مليون نسمة يعطيها قوة إضافية وسوقاً جيدة للمستثمرين.

نقطة ثانية هي أن إعلام القاهرة ربط بين زيارة أمير قطر إثيوبيا وبين زيارة الرئيس السوداني للدولة نفسها؛ حيث لم يكن الفارق الزمني بين الزيارتين سوى أيام قليلة، مصدر القلق المصري هو تمتع السودان بعلاقات قوية مع جارته إثيوبيا وكذا مع دولة قطر، مع ملاحظة دعم الرئيس السوداني البشير لموقف حكومة أديس أبابا في سد النهضة.

غير أن المراقب المُنصف لأحداث المنطقة يمكنه ملاحظة اتجاه دولة قطر في الآونة الأخيرة إلى تنويع مصادر دخلها واستثماراتها الأجنبية، في أنحاءٍ مختلفة من العالم، وذلك بهدف تقليل الاعتماد على النفط والغاز في ظل انخفاض أسعارها، فبعد الصفقات الأخيرة في بريطانيا وقبلها روسيا، تنوي قطر تعزيز الشراكة الاقتصادية مع دول إفريقيا التي تتمتع بموارد ضخمة -إثيوبيا- على وجه الخصوص.

جولة الأمير لا يمكن النظر إليها بعيداً عن تحركات قطر الأخيرة، التي بدأت بزيارة وزير خارجيتها محمد بن عبد الرحمن إلى إثيوبيا نفسها؛ لذلك فإن الموضوع يتكامل مع سعي قطر إلى توسيع قاعدة استثماراتها الأجنبية حول العالم لتقليل الاعتماد على النفط والغاز، وتحقيق رؤيتها في عام 2030؛ حيث توجهت الدوحة من قبل نحو بريطانيا وروسيا والسودان وتونس.

استمرَّت إثيوبيا في عهد رئيس الوزراء الحالي هايلي مريام ديسالين، في الانفتاح نحو العالم العربي، ساعدها في ذلك الإرث التاريخي الإسلامي الذي تتميز به؛ إذ قامت بصيانة آثار الصحابة الذين هاجروا إلى الحبشة "إثيوبيا وإريتريا والسودان سابقاً"؛ حيث آواهم ملكها العادل أصحمة بن صخر "النجاشي"، كما اهتمت حكومة ديسالين أيضاً بتوفير بنية تحتية جيدة للسياحة اشتملت على مئات الفنادق الفاخرة والمنتجعات السياحية، فضلاً عن أن المناخ الاستثماري الذي تتميز به الهضبة الإثيوبية، مثَّل فرصة لا تعوض للدول التي تبحث عن الاستثمار، مثل قطر؛ حيث صُنفت إثيوبيا من أكثر البلدان نمواً في العالم؛ إذ يتجاوز معدل النمو فيها 10% ويناهز عدد سكانها نحو 100 مليون نسمة.

ما لا شك فيه أن زيارة الأمير تتجاوز السيناريوهات الساذجة التي رسمتها وسائل الإعلام المصرية والتي تُفرِط في الأخذ بنظرية المؤامرة، فمن الواضح أن قطر تنافس غيرها من الدول لأجل زيادة استثماراتها في إثيوبيا؛ حيث بلغت الاستثمارات السعودية هناك -على سبيل المثال- نحو 13 مليار دولار، كما أن ملف سد النهضة لم يكن موجوداً بالأساس على طاولة مناقشات الأمير القطري وهايلي ديسالين؛ إذ تم التوقيع على اتفاقيةٍ لتبادل الإعفاء من تأشيرات الدخول لدبلوماسيي البلدين، بالإضافة إلى 11 اتفاقية تعاون في عدد من المجالات الاقتصادية والاستثمار، بجانب تعهد قطر بتقديم مساعدات إنسانية إلى ضحايا الجفاف في مختلف أنحاء جمهورية إثيوبيا، ودعم جهود أديس أبابا الرامية إلى تطوير التعليم والصحة والبنية التحتية والطاقة.

زيادة على ذلك فإن الاستثمارات القطرية والخليجية بصورة عامة تجعل أديس أبابا قريبة من المحيط العربي والإسلامي الذي تربطها به علاقات تاريخية قوية، مع عدم إغفال المطامع الإسرائيلية في إفريقيا، وسعي تل أبيب إلى تعزيز استثماراتها في إثيوبيا؛ إذ تستثمر إسرائيل هناك مبالغ هائلة في تكنولوجيا المياه وزراعة الزهور.

فالوجود الخليجي العربي في إثيوبيا بكل أنواعه (سياحة، استثمار، تجارة) يمكن أن يؤدي دوراً في كبح جماح إسرائيل ومحاولاتها التمدد في شرق إفريقيا، إضافة إلى ما ورد بالأعلى، فإن لإثيوبيا أهمية سياسية كبرى في محيطها الإفريقي؛ حيث تُشكل دبلوماسيتها النشطة حضوراً دائماً في أزمات المنطقة مثل المشكلة الصومالية وأزمة جنوب السودان، فضلاً عن رعاية أديس أبابا لجولات التفاوض السودانية بين الحكومة والمعارضة، وفوق هذا وذاك تقترب إثيوبيا من تبوُّئها مقعد عضو غير دائم في مجلس الأمن الدولي يستمر لعامين.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.