المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد مصطفى جامع Headshot

تنوير إثيوبي في الخرطوم

تم النشر: تم التحديث:

ليس من العادة أن تنتهج دولة إفريقية الشفافية في الحديث عن أوضاعها وسياساتها الداخلية، خصوصاً ما يتعلق منها بالشأن الأمني؛ لأن الدول الإفريقية بشكل عام تتميز بطبيعتها الديكتاتورية، عدا جمهورية جنوب إفريقيا، وبدرجة أقل بعض الدول التي تقع شمال إفريقيا.

لذلك كان من اللافت للانتباه أن سفير إثيوبيا لدى السودان، أبادي زمو، أقام تنويراً صحفياً في الخرطوم عن الأحداث الأخيرة التي شهدتها بلاده خلال أكتوبر/ تشرين الأول من العام الماضي.

السفير زمو، على الرغم من أنه عضو في اللجنة التنفيذية للحزب الحاكم بإثيوبيا، ومن كبار المسؤولين هناك، لم يلجأ إلى القول إن ما حدث في بلاده كان مؤامرة واستهدافاً خارجياً على الرغم من الشماتة التي أظهرتها بعض وسائل الإعلام في دول يعتقد أنها كانت تنتظر مزيداً من التصعيد الداخلي، لكن أبادي لم يستخدم الشماعة التي تلجأ إليها العديد من الدول الإفريقية "بما فيها السودان"، بل قال إن الحكومة الفيدرالية في أديس أبابا شكَّلت لجنة لتقصي الحقائق ومعرفة الأسباب التي أدّت لاندلاع تظاهرات وأحداث عنفٍ في إقليمي "أوروميا وأمهرا" كادت أن تعصف باستقرار الدولة المحورية في إفريقيا.


من ضمن ما ذكره سفير إثيوبيا أن الحكومة قامت بإجراء معالجات بصورة سريعة، من بينها الإعلان عن مجلس وزراء جديد راعى مختلف القوميات والأقاليم الإثيوبية، وأوضح أن لجنة التحقيق خلصت إلى أن المشكلة تكمُن في وجود خلل في إدارة الحزب لشؤون البلاد في الآونة الأخيرة، وأن الفساد انتشر في بعض المؤسسات. كذلك رأت اللجنة أن المسؤولين التنفيذيين لا يستمعون لشكاوى المواطنين وإذا سمعوها لا يستجيبون لها.

لجنة التحقيق الإثيوبية ـــ بحسب السفير ــــ أحالت أكثر من 24 ألف تنفيذي وكادر حزبي لمزيد من التحقيق بتهمة الفساد، مع تحويل 700 منهم إلى الجهات القانونية بعد ظهور بيّنات تكفي لإخضاعهم لمحاكمات.

بطبيعة الحال، تعبير (الفساد انتشر) الذي ذكره أبادي زمو، يختلف من دولة إلى أخرى حسب معايير الفساد لدى الدولة، ففي السودان الذي يعتبر ضمن أكثر دول العالم فساداً حسب مؤشر "منظمة الشفافية العالمية"، أعلن الرئيس عمر البشير في يونيو/حزيران 2012 عن تشكيل (آلية مكافحة الفساد) برئاسة وكيل وزارة المالية السابق الطيب أبو قناية، وفي 2015 بُعيد إعادة انتخابه رئيساً، أصدر البشير قراراً جديداً بإنشاء المفوضية القومية لمكافحة الفساد، لكنّ الآلية والمفوضية ذهبتا أدراج الرياح، ولم يرَ الشعب السوداني أي نتائج فعلية لهما على أرض الواقع، فلم تُقدم لا المفوضية ولا الآلية مسؤولاً واحداً إلى المحاكمة، ولم تلغِ أياً من الإجراءات أو الرسوم التي تتعارض مع الدستور والقانون رغم كثرتها.

بالعودة إلى حديث السفير زمو، نُلاحظ أن حزب الجبهة الديمقراطية الثورية الشعبية الإثيوبية "الحاكم" بحث في الأزمة ووصل إلى نتيجة سالبة ضد الآلاف من منسوبيه، لكن ذلك لم يمنعه من تشكيل مجالس تحقيق داخلية، وإخضاع 700 من الكوادر الوسيطة إلى المحاكمات.

نتساءل هنا: بعد كم من الزمن يمكن أن تحدث عندنا في السودان مثل هذه الشفافية؟ وأن تقوم دبلوماسيتنا بتنوير دول الجوار عن الأوضاع الداخلية، وكيف أن عشرات الآلاف من كوادر الحزب الحاكم يجرى التحقيق معهم في تُهم فساد واستغلال النفوذ؟

مقارنة أخرى بين السودان وإثيوبيا في مواجهة الأزمات، عندما دعا عدد من نشطاء التواصل الاجتماعي في الخرطوم إلى عصيان مدني احتجاجاً على رفع الدعم، تعامل الرئيس عمر البشير وحزبه الحاكم بانفعالٍ شديد مع الشباب المحتج وتوعدهم بالويل والثبور، ووصل الأمر إلى اعتبارهم "عملاء يتقاضون الدولارات من إسرائيل! كما ذكر نائب الرئيس حسبو محمد عبد الرحمن في تصريحات يوم 19 ديسمبر/ كانون الأول 2016، على الجانب الآخر، عندما تفجرت الاحتجاجات في إثيوبيا تعاملت معها حكومة أديس أبابا بضبط النفس والحكمة؛ إذ أعلن رئيس الوزراء هايلي مريام ديسالين حالة الطوارئ، واكتفى بتوجيه أصابع الاتهام لـ"مجموعات مناوئة للسلام" لم يسمّها (وكالة الأناضول 12 يناير/كانون الثاني 2017)، وفي الوقت نفسه أبدى تفهمه لمشاكل الشباب وتطلعاتهم المشروعة، بيد أن الخرطوم تتفوق على أديس أبابا في الجوانب المتعلقة بحرية التعبير والممارسة السياسية، فهناك اتهامات لإثيوبيا بالقمع ووضع قيود مشددة على العمل الصحفي والإعلامي.

في السودان الوضع أفضل نسبياً حيث يوجد هامش من الحريات الصحفية رغم المصادرة والمضايقات التي تتعرض إليها وسائل الإعلام هناك.

عوَّدت حكومة إثيوبيا مواطنيها على الالتزام بالنظام والقانون وعدم الإخلال به، لا يوجد مجال لاستثناء أي أحد مهما كانت وظيفته أو مكانته الاجتماعية، حتى إنّ الزائر يلاحظ احترام السكان للقواعد، ربما تتخيل نفسك في دولة أوروبية، صفوف في مكان.. عند ركوب المواصلات العامة، في البنوك والصرافات، وعند إجراء المعاملات الحكومية.

الأهم من ذلك، في إثيوبيا لا يُمنح ضابط الشرطة أو الجيش سيارة خصوصية إلا بعد أن يصل إلى رتبة اللواء، بخصوص بقية الضباط والعسكريين دون رتبة اللواء فإنهم يستقلون الترحيل الجماعي بطيب خاطر ودون تذمّر، أما في السودان فلن يقبل ضابط صغير برتبة "ملازم" أن يستقل النقل الجماعي مع زملائه ناهيك عن من هم في رُتب متقدمة مثل العقيد والعميد.

لكأنّ لسان حال السفير أبادي زمو يقول: إن الحكومة الإثيوبية استفادت واتّعظت مما جرى في السودان، مثل أزمة جنوب السودان التي انتهت إلى انفصاله إلى دولة مستقلة فاشلة بكل المقاييس، فضلاً عن قضية دارفور التي لا تزال قائمة بدرجةٍ ما رغم التطورات الأخيرة واتفاقيات السلام التي وقعتها حكومة الخرطوم مع عدد من الحركات المتمردة.

قدَّمت أديس أبابا نموذجاً فريداً في التعامل مع أزمة داخلية حدثت في بلد يُصنف اقتصاده ضمن أسرع الاقتصادات نمواً في العالم؛ حيث كانت ردة الفعل الحكومية على قدر المسؤولية، لم تنكر وجود أزمة حقيقية بادئ الأمر، ولم تعتمد على نظرية المؤامرة والاستهداف ثانيةً، ثم شرعت في التقصي عن الحقائق ومعرفة الأسباب، مع وضع الحلول اللازمة، والأجمل من ذلك انتهاجها للشفافية وإطلاع الرأي العام الداخلي والخارجي على التطورات والمعالجات التي اتخذتها.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.