المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد مصطفى جامع Headshot

سيناريو محاصرة إثيوبيا

تم النشر: تم التحديث:

عندما تفجّرت الاضطرابات التي شهدتها مناطق إقليمَي "أوروميا" و"أمهرا" في إثيويبا خلال أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي، سارعت حكومة هايلي مريام ديسالين إلى اتهام مصر وإريتريا بالوقوف وراء الأحداث التي كادت تعصف بالدولة الأكبر مساحة في إفريقيا جنوب الصحراء.

الاتهامات التي وجهتها أديس أبابا إلى كلٍ من مصر وإريتريا لم تأتِ من فراغ؛ فالأولى تخوض معها حرباً باردة على خلفية سد النهضة، الذي يتواصل العمل فيه بوتيرة عالية وقد اقترب من النهاية، حيث من المفترض أن يتم تدشينه قبل نهاية العام الجاري رغم الاعتراضات المصرية. أما إريتريا، فالخلاف الإثيوبي معها قديم؛ إذ خاضت الدولتان -إثيوبيا وإريتريا- حرباً دامية استمرت 3 سنوات، إثر نزاع على الحدود صعّدته الحكومة الإريترية؛ بحجة أن استقلالها عن إثيوبيا انتزع منها أراضي وطنية.

لكن حكومة أديس أبابا واجهت اضطرابات "أوروميا" و"أمهرا" بشجاعة تُحسد عليها؛ إذ اعترفت أولاً بوجود مشكلة حقيقية، لم تستخفَّ بها كما فعلت وتفعل بعض الدول الإفريقية. الخطوة الثانية تمثلت في إعلان حالة الطوارئ بالبلاد لمدة 6 أشهر، بعد ذلك شكّل رئيس الوزراء، هايلي مريام ديسالين، حكومة جديدة من "التكنوقراط"، راعى فيها التمثيل المتوازن لمختلف المكونات القبلية، خصوصاً التي كانت تعتبر نفسها مهمشة من قِبل حزب الجبهة الديمقراطية الثورية للشعوب الإثيوبية "الحاكم".

أتى تشكيل الحكومة الجديدة في إثيوبيا مفاجئاً لكثيرين، فرغم الانتقادات التي تُوجه لنظام الحكم هناك، خاصة على صعيد حقوق الإنسان والممارسة السياسية، فإن التنازلات التي قدّمها الحزب الحاكم في التشكيل الوزاري الجديد، لم يتوقعها المراقبون؛ ربما لأن "الجبهة الديمقراطية" تسيطر على مقاليد الأمور في إثيوبيا لما يزيد على ربع قرن، ومن الصعوبة بمكان لحزب حاكم أن يتنازل عن السلطة بسهولة دون أن يتعرض لضغوط شديدة، خصوصاً في إفريقيا!

المهم، أن الإجراءات التي اتخذتها حكومة ديسالين كانت كفيلة بتهدئة الأوضاع وتهيئة المناخ لقيام مصالحة وطنية يجري العمل عليها منذ فترة، الأمر الذي تسبب في خيبة أمل للذين كانوا يروجون إلى أن الاضطرابات التي شهدها إقليما "أوروميا" و"أمهرا" ستوقف العمل في بناء سد النهضة.

هذه الأيام تتجه الأنظار إلى مصر -المتضرر الأول من قيام سد النهضة، حسب الرؤية المصرية- حيث استقبلت القاهرة في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، الرئيس الإريتري آسياس أفورقي. ولفت مراقبون إثيوبيون إلى أن زيارة أفورقي تأتي ضمن تحالفٍ مصرى-إريترى ضد بلادهم. يعضدون تلك الرؤية بأن مصر دفعت ببعض جنودها منذ 2011م إلى إريتريا لتكون قريبة من الحدود الإثيوبية ونظرتها إلى أن ذلك هو السبيل الوحيد لمواجهة إثيوبيا وإثنائها عن إكمال بناء سد النهضة الألفية.

وترمى زيارة أفورقي إلى الحصول على الدعم العسكري المصري، حسب وسائل إعلامية إريترية معارضة، إلى جانب رغبته في بناء موقع قيادة متقدم في "تسرونا"؛ وهي منطقة مواجهة حدودية بين إثيوبيا وإريتريا، وتبعد 75 كيلومتراً فقط جنوب العاصمة أسمرا، ما قد يشكل تهديداً خطيراً لبقاء النظام الإريترى نفسه. أيضاً، بجانب ما سبق، هناك حديث عن تعاون بين البلدين -مصر وإريتريا- في دعم المعارضة المسلحة الإثيوبية، خاصة إثنيتى "أورومو" و"أمهرا".

الشيء المحير، هو العداء الشديد الذي يكنّه نظام آسياس أفورقي لإثيوبيا، رغم كون رئيس الوزراء الإثيوبي الراحل ملس زيناوي لعب دوراً في استقلال إريتريا عن بلاده، مع العلم أنهما -زيناوي وأفورقي- ينحدران من قومية واحدة مشتركة بين الدولتين، هي قومية "التيغراي". حتى بعد رحيل زيناوي، أبدى خلفه ديسالين استعداداً لزيارة أسمرا وتطبيع العلاقات بين الدولتين؛ حفاظاً على العلاقات التاريخية والتداخل القبلي، لكن المشكلة تكمن في آسياس أفورقي، الذي يرفض التقارب مع أديس أبابا بشكل قاطع.

ما يعزز نظرية "سيناريو محاصرة إثيوبيا" أيضاً، الزيارة التي قام بها رئيس جمهورية جنوب السودان، سيلفاكير ميارديت، إلى مصر الأسبوع الماضي. ولا يمكن النظر إلى زيارة سلفاكير بمعزل عن الجولة التي قام بها السيسى إلى كل من الغابون وأوغندا خلال الأشهر الماضية؛ لبحث تعزيز التعاون المصري-الإفريقى، حسب وسائل الإعلام المصرية. وربما تأتي التحركات المصرية رداً على التقارب بين إثيوبيا ودول الخليج والذي تحدثنا عنه في تدوينة سابقة تحت عنوان "التقارب الخليجي-الإثيوبي والانزعاج المصري".

مخاوف إثيوبيا من التعاون المصري-الأوغندي مع جنوب السودان، تبدو واضحة، خصوصاً أن الحدود الإثيوبية، "منطقة جامبيلا"، متاخِمة وقريبة جداً من جنوب السودان، الدولة المضطربة والهشّة منذ انفصالها عن السودان الأُم. يمكن استغلال هذه الثغرات وعبور القوات إذا تطورت الأمور إلى مواجهة عسكرية مع مصر، رغم استبعادها حالياً. وفي الوقت نفسه، تراقب إثيوبيا بحذر شديد، الحدود السودانية التي لا تبعد عن منطقة سد النهضة سوى كيلومترات قليلة (نحو 20 كيلومتراً)؛ وذلك لوجود قوات تابعة للحركة الشعبية المعارضة في المنطقة، وهو ما يعني -من ثم- سهولة التسلل من تلك المنطقة إلى منطقة السد.

غير أن التعويل المصري على الأنظمة الإفريقية، مثل إريتريا وأوغندا وجنوب السودان؛ لأجل محاصرة إثيوبيا دبلوماسياً وعسكرياً أو إثارة مشاكل قبلية- يبدو غير مجدٍ. ببساطة؛ لأن هذه الدول الثلاث لا تتميز بمواقف ثابتة يمكن الاعتماد عليها. إريتريا على سبيل المثال، أسهم السودان في تنصيب رئيسها الذي يحكم منذ الاستقلال عن إثيوبيا "آسياس أفورقي"، غير أنه تنكّر للسودان بسهولة عندما آوى المعارضة المسلحة التي كانت تعرف بـ"التجمع الوطني الديمقراطي"، ما حدا بالخرطوم إلى قطع علاقاتها معه فترة من الزمن حتى أفلحت وساطة قادها أمير قطر، حمد بن خليفة "آنذاك"، الذي جمع الزعيمين عمر البشير وآسياس أفورقي في لقاء تصالحي عام 1999م؛ لتعود العلاقات بين الدولتين منذ ذلك العام.. الأمر كذلك ينطبق على رئيس أوغندا يوري موسفيني، ورئيس جنوب السودان سيلفاكير ميارديت، الاثنان لديهما مواقف متذبذبة وغير ثابتة مع الجارة الشمالية "السودان"، خصوصاً دولة الجنوب الهشّة التي لا تزال تعاني الصراعات وعدم الاستقرار.

موقف السودان الرسمي حالياً أقرب إلى دعم إثيوبيا في مشروع سد النهضة لاعتبارات عدة؛ يتعلق بعضها بالضغط على مصر في ملف قضية "مثلث حلايب" الذي تسيطر عليه مصر منذ عام 1995 وترفض دعوات الخرطوم للتحاور حوله، فضلاً عن امتعاض النظام السوداني من دعم القاهرة للمعارضة السودانية، إضافة إلى رؤية حكومة السودان التي تؤكد أن سد النهضة لا يشكل أي خطورة على دولتي المصب "السودان ومصر"؛ بل إن هناك إيجابيات متوقعة من قيام السد، مثل حصول الخرطوم على طاقة كهربائية رخيصة، وفق اتفاق مع أديس أبابا. هذا، بجانب أن السد من شأنه أن يزيل خطر الفيضانات التي تجتاح الأراضي السودانية خلال فترة الصيف وتتسبب في أضرارٍ كبيرة كل عام.

بالعودة إلى موضوعنا الأساسي، المخابرات الإثيوبية اشتُهرت بنظرتها الأمنية الحذرة والعميقة، حيث إن الزائر للعاصمة أديس أبابا يلاحظ الإجراءات المشددة والتدقيق؛ بدءاً من إجراءات المطار، مروراً بالتفتيش الأمني الصارم في كل مكان.. الأسواق والمولات، دور العبادة، شركات الاتصالات، الفنادق وأماكن الجذب السياحي. لذلك، ستراقب حكومة إثيوبيا التحركات المصرية-الإريترية وسعيهما لعقد تحالفات مع جنوب السودان وأوغندا؛ بل لا تستبعد أديس أبابا أسوأ الفروض، وهو شن هجوم عسكري على السد، فقد نشرت إثيوبيا منظومة دفاعات جوية مضادة للطيران؛ لحماية السد من أي مخاطر محتملة. ولم تكتفِ السلطات الإثيوبية بهذا؛ بل فرضت حظراً جوياً غير معلَن فوق منطقة سد النهضة يمتد إلى عمق الحدود السودانية، إضافة إلى عمق مماثل لأجواء إثيوبيا حتى حدود دولة جنوب السودان؛ تحوّطاً وحذراً من أي محاولة لاختراق الطوق الاحترازي المضروب حول السد لتأمينه، ويشمل الحظر أيضاً الطيران المدني إلا بإذن من السلطات، بحسب الصحفي الإثيوبي أيوب قدي.

أديس أبابا تعدّ سد النهضة بوابة عبور للمستقبل، وتنظر إلى أنه ضروري لتغطية احتياجاتها من الكهرباء، حيث يتوقع أن ينتج نحو 6000 ميغاواط من الكهرباء؛ أي 3 أضعاف إنتاج سد "هوفر" العملاق في الولايات المتحدة، بينما تعتقد القاهرة أن السد يمثّل تهديداً عالياً للأمن القومي المصري يصل إلى درجة التهديد الوجودي.

واقع الحال يؤكد أن الحوار والتفاوض هما الحل الأمثل لتجاوز الخلافات؛ إذ إن الأحداث التي تعصف بالمنطقة والعالم تشير إلى أن الحلول العسكرية والمكايدات لا تجدي نفعاً غير تأزيم الأوضاع وتفجُّرها إلى أسوأ مما كانت عليه.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.