المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد جمال Headshot

غرباء

تم النشر: تم التحديث:

• عندما تدخل بيتك وتغلق الباب، عندما تنام على سريرك، فالأمر مختلف عن مبيتك في فندق، مختلف تماماً عن بقائك، وإن طال، في أي مكان أنت فيه غير مستقر، أو في أي بلد أنت فيه غريب.

• في غربتك، ستأتيك أصوات الأحباب عبر الهاتف، لا لكي تطفئ أشواقك ولكن لتؤكد لك كل مرة كم هم بعيدون عنك! وعندما تتقلب في سريرك وحيداً، في أسوأ لحظات الصمت، ستفكر في كل الأشياء المزعجة، وستأتيك أسئلة كثيرة لن تستطيع تجاهلها، ولن تستطيع الإجابة عنها.

• ستشعر بأن سنوات كثيرة قد مرت، وأنك ما زلت متورطاً في رحلة غامضة لا تدري لها نهاية، وأن سفرك الذي بدأ كجملة اعتراضية بين قوسين قد طال، ويوشك أن يستهلك حياتك كلها، ستحنُّ إلى وطنك وتشتاق إلى أحبابك، وفي يوم العيد ستبكي كالأطفال.

• بعيداً عن بلدك، لن تشعر بالأمان كما لو كان عليك البقاء سابحاً باستمرار في مياهٍ عمقها أطول منك. هل تعرف بما ستشعر إن أدركك التعب ثم مددت قدميك ولا تجد تحتك أرضاً ولا تجد فوقك أي غصن تتعلق به؟ استرخاؤك خطر؛ لأنك يجب أن تطفو بأي شكل، يجب أن تبقى حذراً دائماً للأمواج والدوامات، وسيلازمك التوتر؛ لأنك لا تأمَن المد والجزر، لن تستغرق كثيراً لتعلم أنك لا تنتمي إلى الماء؛ بل إلى الأرض الصُّلبة التي جئت منها ذات يوم.

• معلَّقةٌ آمالك بالعودة ذات يوم، ستغدو حياتك كلها انتظاراً لغد لا يجيء، حنينك الدائم هو لوطنك، حيث كان لكل شيء طعم مختلف، حيث كان الدفء، وحيث ضحكت من قلبك دون تكلُّف ذات يوم، ستظل تبحث عن أخبار الوطن وتتألم لحاله، ستغضب لأنك ترى أن كل شيء أصبح أسوأ مما كان حين غادرت، ستتألم أيضاً لأنهم ينكرون عليك غضبك؛ لأنك لست هناك.

• حتى في بلدك، حيث تعوّد الجميع غيابك، وحيث خرجت من حسابات الجميع، أنت غير موجود، مجرد اسم يحمل ذكرى، وعندما تعود فأنت زائر، وما أعجب أن تعود لتجد أن كل شيء لم يعد كما كان! تهدمت بيوت، ضاقت الشوارع، تغيرت الوجوه، وحرارة الأشواق مع الوقت قد خمدت، تخطى الجميع اللحظة التي ما زلت أنت تحوم حولها، ستشعر بأن الحنين قد قادك من غربة إلى غربة.

• وأنت بين أحبابك المقربين ستتعذب، سيحترق قلبك؛ لأنك تعلم أنه سيمر الوقت ثم يكون الفراق من جديد.

• الذين استحوذوا على كل شيء، السوس الذي ينخر في عظام الوطن، الذين لم يَكْفِهم أنهم كانوا وراء كل فراق، رفعوا رايات الباطل، أشاعوا الظلام والجهل، وبثُّوا بذور الخلاف، أطالوا المسافات بيننا وزادونا غربة، غربة فوق غربة.

• قد يعترينا اليأس عندما يحيط بنا الظلم والعبث والفوضى، وقد تصدمنا الأفكار المشوهة لأنماط التفكير الفاسدة، وعندما نفيق ونشعر بأننا حقاً غرباء ربما نتعلم أنه لا سبيل لنا إلا الله نلتمس عنده الخلاص من اليأس والقلق.

• في زمن الغربة المستعصي على الفهم، قد تأتيك الحكمة على أجنحة الرحمة، وربما أدركت أن قوتك في غربتك وفي استغنائك وفي تطلُّعك إلى ما هو أبعد. أنت من الفائزين إن أصبح وطنك هو الحق الذي تؤمن به، ولا نجاة لك إلا إذا قبضت بيديك على الجمر.

• عندما يرتقي بك الوعي سترتفع فوق كل ما يحدث، وتتجاوز كل الناس، سيصبح حنينك هو للسلام والأمن، لحياة جديدة، سيصبح شوقك لأحباء لم ترهم ولم يروك، للأنقياء الأوفياء والأتقياء، وحين لا ترى الناس، ستحلّق في مناطق ودروب مختلفة، ستدرك أنك لا تنتمي إلى هذا العالم، وأن مكانك هناك، خارج العالم المحدود، حيث الأنس كله في معية الله، حينها فقط ستجد السلام، وسيهمس صوت في قلبك: أنك لن تكون غريباً بعد الآن.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.