المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد حسين الرخمي Headshot

عقدة الفضائي بين زيلانديا وبرنامج ترابست!

تم النشر: تم التحديث:

قبل أيام دعت هاف بوست عربي قُراءها إلى الترحيب بـ"زيلانديا" القارة الجديدة التي دخلت أجواء المنافسة على هذا الكوكب؛ لتصبح الثامنة بعد سنوات طوال من هيمنة سبع قارات عجاف على جغرافية الأرضية واحتكار خرائطها ومناهجها دون منازع.

ورغم ضخامة قارتنا الجديدة حوالي 5 ملايين كيلومتر مربع وقربها من قارة أستراليا، فإن أمرها لم يحسم نهائياً إلا منتصف فبراير/شباط الماضي بعد أن ظهرت للعلماء ككتلة أرضية ضخمة مغمورة في جنوب غرب المحيط الهادئ، لا يظهر منها فوق السطح سوى نقطتين فقط، هما نيوزيلندا وكاليدونيا الجديدة.

وإلى هنا والأمر عادي جداً، فهذا الكوكب الذي نعيش فيه من الضخامة بمكان تجعل من سبر جميع أغواره ومعرفة مختلف مناطقه أمراً في غاية الصعوبة والتعقيد، حتى مع كل الإمكانيات والتقنيات التي أصبحنا نملكها اليوم!

لكن ما يحز في النفس صراحة، تلك النظرة الدونية التي نوجهها لبعضنا نحن البشر معاشر الأرضيين، فهذا الخبر على أهميته -يشبه انتظار طفلك الأول بعد أن غادرت عقد الخمسينات بنجاح- إلا أنه لم يحظَ بالاستقبال اللائق ولم ينَل حجمه من الاهتمام، ولو معشار ما أعطي لخبر مماثل، يخص إخواننا الفضائيين، كإعلان وكالة ناسا الأخير عن اكتشافها لسبعة كواكب جديدة شبيهة بكوكب الأرض، يرجح أن تكون بعضها قابلة للحياة!

وطبعاً مجموعة الكواكب الجديدة هذه والتي أطلق عليها اسم "ترابست" تقع خارج نظامنا الشمسي وتبعد عنا بحوالي 39 سنة ضوئية، يعني حوالي (368960607795000 كيلومتر) - ما علينا - المهم، أن التغطية الصحفية والإعلامية لهذا الخبر فاقت خبر اكتشاف القارة الثامنة بمراحل، وتصدر مختلف وسائل الإعلام المرئية والمكتوبة والمسموعة، وبجميع اللغات، وأصبحت ترابست حديث المجالس وفاكهة المنتديات!

وحتى في اختيار العلماء للأسماء لم يخلُ الأمر من تحيز واضح للفضائيين، فاسم مثل زيلانديا ينفع اسم مرض معدٍ أو بالكثير يطلق على قطيع من القرود، بينما "ترابست" اسم جميل وشاعري، يشعرك بأن حامله إن لم يكن غنياً جداً وابن ناس، فعلى الأقل زوجته من أسرة ثرية ومرفهة جداً.

ولكم أن تتخيلوا أشقاءنا في القارة الجديدة كم سيحتاجون لتهجئة اسم قارتهم الوليدة وكيف سيقنعون أبناءهم أن الاسم خطام لا أكثر، كما يقال في الأمثال.

نسيت أن أقول لكم إن عمنا ترابست يحمل أيضاً الرقم 1، يعني أكيد فإن علماءنا الأجلاء في ناسا مش ناويين يتركوه وحيد، وخلال فترة وجيزة سيكتشفون له أشقاء جدد لمؤانسته، وسنسمع قريباً عن ترابست 2 وترابست 4، وحتى ترابست أطفال إن لزم الأمر!

وكل هذا طبعاً من أجل خاطر إخواننا الفضائيين وعيونهم البشعة، التي بذلنا لأجلها المليارات والدولارات، بحثاً عنها وعن أصحابها لعشرات السنين دون فائدة!

وعلى ذكر الكائنات الفضائية والفضائيين الذي أهلكنا أنفسنا بحثاً عنهم في أرجاء هذا الكون الشاسع وثقوبه السوداء، وهم ولا حتى سائلين فينا، أريد أن أنبه إلى أنهم ليسوا مسالمين وودودين مثلنا نحن البشر، بل على العكس، فالفضائيون أشرار جداً وخطرون، وبالإمكان أن يهددوا وجودنا رغم كل ما نبذله ونقدمه لأجلهم، وقد فطن الباحثان كيبينغ وتيتشي، من جامعة كولومبيا في نيويورك، لذلك الخطر وابتكرا طريقة لحجب الأضواء الصادرة من كوكبنا الأرض عن أنظار الكائنات الفضائية من خلال استخدام أشعة ليزر بشكل مكثف.

وكتب الباحثان في مجلة الجمعية الملكية لعلم الفلك عن ابتكارهما قائلين: "هناك جدال حول ما إن كان ينبغي على البشر أن يعلنوا عن وجودهم في الكون أو أن يخفوه عن حضارات متطورة قد تكون موجودة في مكان ما من الفضاء"، مضيفين: "إن أبحاثنا تزود البشر بخيار أن يخفوا وجودهم، ثم علينا أن نفكر فيما ينبغي فعلاً أن نفعله"!

يعني تخيلوا المصيبة التي وقعنا فيها، بسبب حبنا للفضائيين على حساب أشقائنا الأرضيين، فمن الآن وصاعداً سنحتاج إلى غرفة تحكم مركزية لجميع مصادر الكهرباء والإضاءة في العالم، تقوم كل ليلة قبل أن ننام جميعاً بإطفاء الأنوار للحفاظ على سلامة هذا الكوكب من عيون المتربصين به من الكواكب والمجرات الأخرى!

ومع أن الأمر يبدو ضرباً من الخيال والدعابة إلا أن عالماً مشهوراً مثل الفيزيائي البريطاني ستيفن هوكينغ دائماً ما كان يحذر من كائنات متطورة أكثر من البشر بكثير، قد لا ترى في سكان الأرض سوى "حشرات مزعجة"!

وهكذا، وبالرغم من كل ذلك سيستمر علماء الفضاء في أبحاثهم، وستستمر ناسا في إنفاقها السخي، بحثاً عن أي إشارة لوجود حياة عاقلة أو غير عاقلة في هذا الكون الواسع، مهما كانت الخسائر والتضحيات وشحة الاحتمالات في تحقيق أي نجاح يذكر، فيما كانت حياة عاقلة أكيدة كانت قريبة جداً منهم وعلى مرمى حجر من إحدى قاراتنا الرئيسية، ولم تظهر لنا إلا بالصدفة، وكل ذنبهم أنهم أرضيون مثلنا وليسوا من المتكبرين والمغرورين أصحاب العيون الغائرة، كارهي الحشرات.. ودمتم سالمين.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.