المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد حصحاص Headshot

أخلاق النسيان من أجل عقد اجتماعي ائتماني في الفضاء العربي العام

تم النشر: تم التحديث:

يحتاج الإنسان، كما الجماعة، إلى ثقافة النسيان، ولولاها لما شفي من جروح الفراق والظلم والحروب. في خضم ما يمكن تسميته ب "الخراب العربي الموسع" والسجالات الأخلاقية والهوياتية والطائفية الداخلية في عدد مهم من الأقطار العربية نحتاج إلى ثقافة قد نسميها ب'ثقافة النسيان" أو "أخلاق النسيان"، من أجل بناء مجتمع يسود فيه ليس التعدد فحسب، بل ثقافة قبول هذا التعدد من أجل إعادة بناء مجتمع مبني على عقد اجتماعي - سياسي حداثي يتسع للجميع. لا يمكن بناء هذا المشترك الجمعي الجديد إلا على أسس أصبحت تنادي بها أغلب المجتمعات التي تصبو إلى التغيير الإيجابي والنهوض، وهذه الأسس معروفة في العالم العربي نظريًّا لكن تطبيقها بعيد عن الواقع أيما بعد. إنها مبادئ الحرية والمساواة والتراحم أو الإخاء. بدونها لا يمكن أن يقوم مجتمع عصري ديمقراطي يحفظ كرامة المواطن البسيط ويحاسب الحاكم. وليس منبع هذه الثقافة الديمقراطية الحديثة وأسسها بغريب، بل هو هذه الثقافة نفسها، تاريخها، عاداتها، ودينها. لا نقول إن هذه الأسس بعينها موجودة بحذافيرها في تراثنا، ولكنها يمكن أن تستخلص من غنى التراث إذا ما قُرئ بذكاء وعلى ضوء مستجدات العصر واحتياجات الإنسان للخروج من مأزق الخراب العربي الموسع الذي قد لا تكون الأمة العربية قد عاشت مثله في كل تاريخها. صحيح أن سلطات داخلية وخارجية تتدخل في توسيع قوة الدمار هذا، لكن الواجب الاخلاقي يبدأ من الداخل، والداخل هنا يعني فكرنا العام الذي لا يقبل التعدد بعد. إن أخلاق النسيان هذه التي ندعو إليها لا تمحو الذاكرة بل تفتحها على الجديد والممكن، عوض الاستمرار في العنت الفكري الذي يرفض الجديد والمختلف. إن أخلاق النسيان تستوجب زادًا فكريًّا معولمًا وثقة موسعة في تراث متجدد وفي إنسان ذكي قادر على صنع حاضره ومستقبله. عن طريق نسيان خلاق يسترد المجتمع ذكاءه التاريخي من أجل فضاء عام مشترك مبني على الثقة والأمان. بأخلاق النسيان يستطيع المواطن - الفرد أن يأتمن الآخر على حاله وعرضه وماله وما يشتركان فيه من مؤسسات الدولة المختلفة. ثقافة الائتمان وما تتضمنه من مبادئ أخلاقية سامية هي وحدها الكفيلة بإنجاح نموذج اجتماعي جديد في الفضاء العربي العام.

منطلق الحديث هنا هو ما يجري من تكفير للآخر أو وصفه بالظلامي أو الإرهابي بمجرد أنه يدافع عن مبادىء يراها هي الأصح للمجتمع ولصلاحه. فالتكفيري هو ذلك الشخص أو الجماعة أو المؤسسة التي تكفر الفرد بمجرد أنه أتى بفعل أخلاقي أو سياسي لا يوافق ذوقها الخاص أو الذوق العام، أو لا يوافق شرعية الدولة المعنية التي تخاف على شرعيتها الدينية والسياسية. فالتكفير من قبل الدولة غير مقبول في الديمقراطيات المعاصرة لأن للفرد الحرية في التفكير والتدين، ما لم يكن ذلك يجري ضد الأمن العام، وهذا شبيه بالخيانة العظمى بالمصطلح الحديث. أما التكفير من قبل أفراد أو جماعات أو مؤسسات دينية لفرد ما أو لجماعة ما، دون تدخل الدولة التي بأرضها يتم ذلك، فذلك أمر يضعف هيبة الدولة وسلطتها، ويجعل الناس لا تميز بين أي مؤسسة هي ممثلة الأمن والأمان، مؤسسة الدولة الحديثة أو المؤسسات الدينية والجماعات المتولدة عنها. وهذا النوع من التكفير مرفوض أيضًا في الديمقراطيات المعاصرة لأنه لا يتبع مسطرة قانونية واحدة ولا يحترم مؤسسات الدولة، وإن كانت غير ديمقراطية أو أقل ديمقراطية، ولا يحترم حرية الفرد بشكل عام.

لكي يتم التعبير إذن عن عدم قبول تصرف فردي أو جماعي ما في الفضاء العام لا بد من اللجوء لمؤسسات الدولة، للقضاء، من أجل الحسم في الأمر، ولا بد من الاستعانة بمؤسسات المجتمع المدني للدفاع عن هذا أو ذاك التصرف، من أجل تنبيه الرأي العام حول ما يجري، بدل التكفير بشكل مباشر وغير تواصلي. كما أن الدفاع عن تصرف ما في الفضاء العام يحتاج إلى نقاش فكري متزن وعميق، يطرح الرأي والرأي المخالف بوضوح، عوض ترك العمق في التحليل لبعض وسائل الإعلام أو الخطابات السياسية الشعبوية التي إجمالًا لا تتوخى العمق والفكر، بل الخبر والنقاش السطحي العام لتهييج المشاعر.

إن الحوار الفكري هو أساس الدمقرطة، وأساس التغيير. فرفض الآخر فقط لأنه مختلف فكريًّا ليس من الديمقراطية في شيء وليس من أخلاق التراحم في شئ. إن المجتمع المنفتح في زمن العولمة لا يجب شيطنته وتكفيره وإخراجه من "المواطنة المشتركة" فقط لأنه مختلف. إن المجتمع الذي له نمط تفكير واحد فقط يحاول حمايته من التعدد مجتمع لا تاريخي، وغير قادر على التفاعل والإنتاج عالميًّا. إنه مجتمع يعيش زمانه التاريخي القديم خارج الحاضر والمستقبل.

تحتاج المجتمعات العربية الحالية إلى الشعور بالأمان، الأمان المتصل أو الدائم -وليس الأمان البيني الضعيف البنيان- لأن تاريخها وحاضرها مدمر ومخرب ومشوه لحد كبير، لذلك يلتجىء الفرد أو الجماعة إلى رفض المختلف بشكل عنيف، إما لفظًا أو فكرًا، بدل التحاور معه حول مجتمع مستقبلي يتسع للجميع.

لم تعد المجتمعات العربية مجتمعات روافدها الفكرية عربية إسلامية فقط، بل دخلها التجديد والتحديث وكذلك الاستغراب. وإن كنا نود فعلًا بناء مجتمعات مؤسساتية فهذا يعني أننا يجب أن نتقبل هذا التعدد الفكري، وإن كان خادشًا لنا ولقيما وتاريخنا كما هو مصور في ذاكرتنا الجمعية. هل هناك أفظع من الحروب الأهلية والتقسيم والقتل باسم الطائفة والدين؟ إن التحدي الكبير أمام المواطن المعاصر هو تقبل المختلف في جوهر القيم. إن الشعور بالأمان لمن هو مسلم مثلنا أو محافظ مثلنا فقط لا يعد ديمقراطيًّا، ولا يعد بداية جيدة لبناء مجتمع منفتح وذكي. إن الديمقراطية الحقة تشعرك بالأمان، ولو نسبيًّا في بداياتها، لأن المختلف عنك لن يخذل مجتمعك إن هو وصل للحكم، لأن أخلاقه الخاصة وبرنامجه المجتمعي شيئان مختلفان، وأن اختلافهما لا يعنيان بالضرورة أن أخلاقي وقيمي في خطر، لأن المواطن الديمقراطي وإن كان يدافع عن حزبه وأفكاره فهو يمثل مجتمعًا بأكمله، لأربع أو خمس سنوات، ولنا أن نعاقبه أو نزكيه بعدها من خلال صندوق الاقتراع وحركات المجتمع المدني والإعلام والكتابة بشكل عام. المجتمع الديمقراطي لا يخاف من التعدد الثقافي.

لنقل إذن إن مجتمعاتنا العربية لم تصل بعد إلى هذا النمط من التفكير الذي تتقبل فيه الآخرالمختلف فكريًّا وإن كان هذا الآخر ينتمي لنفس المجتمع والثقافة والتاريخ. إن التيار العلماني الدكتاتوري تيار لا يعرف معنى فصل السلطات ولا يعرف معنى ثقافة الديمقراطية، ما عدا ثقافة صناديق الاقتراع. إنه تيار فاشل تاريخيًّا، ولا يعني فشله أن العلمانية كنمط في التفكير نمط فاشل. فكم من دولة أوروبية وغير أوروبية جذورها دينية بامتياز إلا إنها ناجحة في علمانيتها، التي مرت بمراحل تاريخية طويلة قبل نجاحها، وأمثلة ذلك بريطانيا وأمريكا والدول الإسكندينافية والهند. إن التيار العلماني العربي تيار استعمل الخطاب الغربي المتشدد في كثير من مراحله للتخويف من الدين والإسلاميين ومن إسرائيل. أخطأ المثقفون العرب الأوائل عندما رفضوا العلمانية، لأنهم لم يروا فيها إلا الاستعمار، وهو رفض يحسب لهم حقيقة في بعض جوانبه عند مواجهة الغطرسة الأوروبية. كما أنهم لم يروا من العلمانية حينها إلا النموذج الفرنسي المتشدد في علمانيته إلى حد رفض الدين. ولأن مجتمعاتنا العربية تواجه مشاكل وعوامل شتى في محاولات نهضتها، فإنها لم تتعلمن كما تعلمنت فرنسا، فأنتجت علمانية خطابية تغازل الدين كلما ارتأت ذلك للحفاظ على مصالح الدولة الدكتاتورية ومصالح شركائها الغربيين.

أما تيار الإسلام السياسي، بكل فروعه المختلفة، المعتدلة والمتشددة والعنيفة، فلم يفهم بعد ماذا تعني الدولة الحديثة وماذا يعني الدين في عصر الحداثة. أن يدعي الديمقراطية بدون تغيير جوهري في نمط تفكيره فذلك ينم عن سوء فهم لمعنى الدولة الحديثة، ومثال ذلك ما سقط فيه الإخوان المسلمون بعد انتصاراتهم الانتخابية وخاصة في مصر سنة 2011-2012 وانتكاساتهم بعد ذلك، لأنهم ظنوا أن الأغلبية وحدها تحكم، وأن الأغلبية في زمن التغيير وعدم الاستقرار كفيلة بأن تجعل منك ديمقراطيًّا. إن الإسلام السياسي في مجمله تيار رجعي في فكره السياسي، لم يفهم بعد حركة التاريخ، لأنه يرفض كل المعارف الحديثة ولو تحدث عكس ذلك. فقد فشلت التجارب الإسلامية في باكستان -وهي أول دولة إسلامية حديثة قامت باسم الدين- وبعدها تجارب السودان وأفغانستان والجزائر. أما إيران فهي في فكرها السياسي الديني رجعية كذلك لكن الظروف الإقليمية ساعدتها على البقاء وعلى الرجوع بقوة بعد ما يسمى بالربيع العربي واتفاقها المرحلي مع الغرب حول برنامجها النووي هذه السنة 2015. إن التيار الإسلامي الأحسن فهمًا لمعنى المجتمع الحديث ومتطلباته هو التيار الحاكم بتركيا، حزب العدالة والتنمية بقيادة رجب طيب أردغان، الذي وقع في زلات سياسية داخلية في السنوات الأخيرة، وبعده في العالم العربي هو حركة النهضة بعد أن استفادت من تجربة الحكم وانسحبت منها في الوقت المناسب بعد رجوع سلطة العسكر الدموية بقيادة السيسي بمصر، مستفيدة. أما حزب العدالة والتنمية بالمغرب فهو محظوظ لأن المؤسسة الملكية هي التي تعنى بالشأن الديني العام، وهذا يجعله بعيدًا بعض الشيء عن الحزازات السياسية التي يسقط فيها أو يبنيها له منافسوه السياسيون بين الفينة والأخرى.

إجمالًا، لأن نسيج المجتمع العربي الآن نسيج متعدد الإيديولوجيات والإثنيات واللغات أو اللهجات، فإننا نخاف أن نسقط في مزيد من التجزيء والانقسام، وهو أمر حاصل بشكل من الأشكال في عدد من الأقطار العربية كالعراق وسوريا واليمن، في زمن كان فيه التغني بالوحدة والنهوض هو الأمل، قبل أن يبزغ "الربيع العربي" ويصبح "خرابًا عربيًا موسعًا."

ليس بعد الخراب والدمار إلا خيارين اثنين لا ثالث لهما: أما الاستمرار في العيش تحت الذل والبؤس والاستبداد، وأما النهوض، تدريجيًّا، عن طريق تغيير نظرتنا للحياة ولنمط العيش المشترك. لتجنب الصراعات الطائفية بعد الحروب الأهلية والتجاذبات العنيفة بين مختلف التيارات المجتمعية، نحتاج لأخلاق نؤسس عليها الجديد الذي نريد، إذا كنا فعلًا نود النهوض، وهو أمر يحتاج على الأقل لعمل دؤوب يصل لجيلين أو ثلاثة كمرحلة انطلاق. نحتاج لأخلاق النسيان، أخلاق نداوي بها جراحنا، ونبني بها انفتاحنا على باقي مكونات مجتمعنا بأمان، وبدون خوف شديد.

لأن الثقافات هي مجموع مكدس من التصورات والاعتقادات والعادات، فيها من الديني ما فيها، وفيها من السياسي والاقتصادي والاجتماعي ما فيها، فإن تغييرها عبر الزمن يصبح صعبًا جدًّا، لأنها أصبحت تمثل الوجود والحقيقة عند المعتقدين بها. لذلك فهم يدافعون عنها بكل الطرق عند الإحساس بأي أجنبي يحاول الدخول إليها لتغييرها لما هي غير معتادة عليه. لا أقصد هنا أن الخراب العربي الموسع الذي دمر وما يزال مدنًا تاريخية كانت معقل التراث العربي الإسلامي، وما قبله كذلك، سببه الجمود الفكري، أو النزوع نحو منطق الدفاع عوض الانفتاح والإسهام في بناء حضارة الحاضر الإنساني.

لنعيد الثقة في ثقافتنا نحتاج إلى أن نغذيها بالجديد، وإلا بقيت على ما هي عليه، مجرد خزان نعود إليه لنغذي عطشنا الفكري الذي نعانيه في مقابل الإنتاج الفكري العالمي الكبير الذي يزاحمنا من كل الجوانب. لكي نجدد الثقة بهويتنا وقدرتها على العطاء، نحتاج لأن نغادر تاريخنا الخاص ونرحل إلى التاريخ العام، التاريخ الإنساني، قبل أن نعود إلى تاريخنا الخاص بأعين جديدة.

إننا لا ننسى، بل نتناسى فقط، أو نحاول النسيان، لأننا نرى الحاضر إما مرًّا، وإما جميلًا صعب التحقيق، فنجرح الروح، ونرسخ في الذاكرة ما كان، ونحاول طي الصفحة لعل القابل من الأيام أجمل. ليس عيبًا أن نبحث عن الجميل بكل معانيه النبيلة. العيب أن نظن أننا فعلًا ننسى. يجب أن ننسى بأخلاق. بدون أخلاق النسيان نتعسف على أرواحنا، ونجرح أعزاءنا، ونزور ذاكرتنا الفردية والجماعية. عندما يستعمل النسيان بنبل يصبح أعلى درجات الفضيلة التي تربي الذات ولا تجرح الآخر. إذا نسينا بأخلاق رحمنا أنفسنا ومن حولنا.

أن ننسى هو أن نقلب القبح جمالًا، والجرح درسًا، والحزن أملًا، والذاكرة خزانًا للعطاء.

أن ننسى بأخلاق هو أن ننسى بعض الأخلاق لا لأنها قبيحة بل فقط لأن التاريخ قبحها، أو جعلها تبدو قبيحة لظروف خاصة متعددة. أن ننسى بأخلاق هو أن نبني أخلاقًا جميلة جديدة لا تستقبح القديم كلية بل تتعداه بالجديد الذي ليس جميلًا كلية بل يبدو فقط كذلك لأن التاريخ جمله، وإن لم ننفتح عليه أصبحنا نحن صناع القبح والمدافعين عنه في زمن يريد فيه الإنسان أن يكون حرًّا، سيد نفسه.

لكي لا نستعبد الناس باسم الأخلاق، فل نترك المجال العام مفتوحًا للجميع، وليدافع كل عن منهجه بأخلاق جديدة، بالعمل بأخلاق بدل التهجم على الآخر باسم الأخلاق. إن 'الجهل المقدس' -بتعبير أوليفي روا- يخدش الأخلاق قبل أن يخدش غير المتخلقين. فلنرتفع بأذواقنا بأخلاق النسيان، فننسى بها بعضًا من أخلاقنا ونبني عوضًا عنها أخلاقًا حديثة خلاقة، تناقش بهدوء، وتعمل من أجل الصالح العام، بالتعاون مع المختلف عنا.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.