المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد حمدتو Headshot

للثورة مقومات يجب أن تقوم عليها لكي تحدث

تم النشر: تم التحديث:

لكي تقوم الثورة لا بد لها من مقومات كي تحدث، من ضمن هذه المقومات القدرة على الحشد وتأليب الضمائر الساكنة لكي تستيقظ ومن ثم تثور، ويأتي هذا الحشد بمثابة انعكاس للوعي الذي يصل إلى مداه في أذهان الناس، فتتحرك رافضة كل أشكال الظلم المتوقعة، ثم ما تلبث أن تصمد في وجه الظالم صمودًا يشل أركانه ويجعله يتخبط تارة بمقاومة هذا الحشد وتارة أخيرة بالسقوط مع استمرار صمود الناس في الدفاع عن مطالبهم المشروعة.

- معركة الوعي:

ومن مقومات الثورة أيضا.. معركة الوعي ونضاله في أن يصل إلى داخل العقول البسيطة التي أقصى أمانيها تتلخص في لقمة عيش ومأوى، هذه العقول يجب أن تنفضّ تماما من كل الدواخل التي فرضت عليها.. إما بسبب هيمنة القوى الحاكمة على عقولهم وتشكيل وعيهم السياسي، أو قد يكون بسبب انشغالهم عن حقوقهم في الحياة والمعيشة الكريمة بسبب تلاهيهم الدوري في البحث عن لقمة العيش، ومن ثم انعدام تصور التأمل لديهم لعدم توافر العوامل المؤثرة والمساعدة، ويرجع ذلك إلى سهولة تلقي عقولهم للمعروض عليهم لوفرته عن طريق وسائل الإعلام المحيطة بهم دائماً، وبالتالي تشكيل وعي هؤلاء وفقاً لأهواء القوى الحاكمة التي لها أذرع ووسائل مؤثرة تعبر عنها، وترتبط شبكة مصالح تلك الوسائل باستمرار وجود تلك القوى الحاكمة، هذه المعركة في رأيي لهي أهم المعارك التي يجب أن يخوضها بقوة كل من يفكر في استعادة دور الثورة، وفي استعادة أسباب حدوثها من جديد.

  • الثورة هي الملاذ الحقيقي للتقدم في ظل ديكتاتوريات عسكرية تحكم وتتسلط

يجب أن يعي كل من حاد عن الثورة أو لم يكن معها أو حتى من اختلفت دوافعهم مع دوافعها وأسبابها، أن الثورة هي الملاذ الحقيقي للتقدم، وأنها السبيل الوحيد لإزاحة كل من سولت له نفسه أن يستغل بساطة هؤلاء الذين يجهلون حقوقهم، في أن يسرقهم بدافع استغلالي لفطرتهم للدين، أو أن يستغل حبهم لوطنهم ولرجاله الموكلين بالدفاع عنه، في أن يلبس عليهم أموراً باطلة تحت مسمى وطني زائف في سبيل أن يحقق مصلحة شخصية أو مجداً أبديًّا.

كيف تحدث الثورة؟ وكيف نحافظ على مكتسباتها؟

- الظلم/الفساد/سوء توزيع الثروات:

نأتي إلى نقطة مهمة.. وهي كيف تحدث الثورة؟ وكيف نحافظ على مكتسباتها؟ لكل ثورة مكتسبات ونتائج، ولكي نصل إلى تلك النتائج علينا أن نعي ونفهم أولاً لماذا تقوم الثورات، حتى نصل بعدها إلى نقطة اللارجوع إلى الوراء، لذا يجب أن ندرك جيدا مفهوم الثورة، وأن نؤمن بضرورة تحقق جميع عناصرها تماماً. لعل الظلم هو أحد أهم أسباب الثورة بل أقواها.. يليه الفساد المتشعب بجناحيه الأخلاقي والمالي.. يليهما سوء توزيع الثروات بين الناس والتأخر في سد احتياجاتهم وعدم كفايتهم.

- انعدام الحريات والسعي خلف كسب العيش:

قبل ما سبق ذكره.. يأتي مفهوم الحريات وتلاشيه وسوء استخدام القوانين في تطبيقها على الضعفاء فقط كأحد أهم عوامل الثورة، يلحقه سبب آخر هو فقدان الناس لمعاني الاستمتاع بالحياة والركض فقط خلف لقمة العيش مع سوء إدارة وتخطيط أدّى إلى عشوائية أفقدت المجتمع جماله ورونقه، وكذلك تسلط فئة بعينها على السلطة بشكل أناني واحتكارها في أيديها مع اتصال فسادها وأخلاقها إلى آخر العوامل التي لا بد من توافرها مجتمعة أو متحقق منها الكثير كشرط لاستثارة الثورة وإيقاظها من الخمول.

- التلاحم الثوري/الحفاظ على المكتسبات:

وعندما تحدث الثورة عن طريق توافر أسبابها وتحققها بشكل كامل سيجني ثمارها كل من ثار أو كان عنصراً فعالاً فيها، شريطة أن تتحقق تلك الأسباب كاملة، وبفضل تلاحم العناصر الثورية وتزكيتهم لمبدأ الإيثار الذي سيأتي دوره في المرحلة المقبلة كأحد أهم عناصر الحكم والسلطة، وذلك بأن يدرك الثوار أن التناحر والتنازع عن بينة على كرسي زائل أو منصب وقتي مآله فشل الثورة ورجوعها إلى نقطة الصفر، وهو ما لا يتمناه الثوار أبداً، وإن السبيل الوحيد لنجاح الثورة وجني مكتسابتها هو استمرار ذلك التلاحم على نفس الأهداف التي قامت من أجلها الثورة، مع اختيار العناصر القادرة على اتخاذ قرارات حاسمة تصب في مصلحتها.

كيف تنتقم الثورات؟ وممن تثأر؟!

كيف تنتقم الثورة؟ وممن تثأر؟؟ هي ستنتقم لا شك ممن وقف في طريقها بأن تحجمه أو تحدد إقامته أو تعتقله فيصبح لا حول له ولا قوة، ستنتقم أيضاً ممن تآمر عليها إما بالقول والفعل أو بالتمويل ضدها أو بالتحريض عليها بأن تقيم لهم محاكمات ثورية عاجلة، يكون الرأي فيها للشعب أولاً وأخيراً، وتكون آلية تطبيق تلك المحاكمات بالتصويت عليها أو بأي وسيلة تعبيرية أخرى، ستنتقم الثورات حينها وستثأر لحقوق المطحونين والبسطاء وأولئك المرضى الذين لا يجدون سريراً للعلاج، ستنتقم الثورة ولا بد أن تنتقم فهو حق مشروع لها إن حدث سيقويها لا شك.

تشكيل الوعي الانتخابي وضرورة صياغة آليات للتعبير..

- الإعلام وضرورة حسن استغلاله:

تأتي مرحلة ما بعد تصفية الحسابات وترسيخ قواعد الثورة في الحكم والسلطة.. وهي المرحلة التي يتشكل فيها الوعي لدى الناخبين ويتم بدء تطبيق آليات للتعبير وقتها بأن تكون الثورة متحكمة في كل آلة إعلامية سواء كانت للدولة أو مملوكة لرجال أعمال، وتهيمن تماماً على تلك الآلات مرئية كانت أو مقروءة أو حتى مسموعة، توجه الثورة تلك الآلات لخدمة أهدافها وإعادة صياغة وتشكيل وعي الناخبين وإعلامهم بحقوقهم الدستورية وزرع قيمة الصوت الانتخابي لديهم وقدر ذلك الصوت وأهميته بالنسبة لمصلحتهم، ثم ذكر محاسن التداول السلمي للسلطة كأحد مكتسبات الثورة وترسيخ مفاهيم الحريات.. إلى آخره من القيم الثورية النبيلة، مع العلم أن من يعمل في هذا المجال التوعوي سيكون عمله تطوعياً لا ينال عليه أجرًا.

  • النخب وكيفية تحييد دورهم والاكتفاء بهم في المشورة

نأتي إلى نقطة مهمة من نقاط عناصرنا وهي النخب السياسية التي دوماً ما تكون عبئاً على كل ثورة تحدث، حيث إنه يجب تحييد تماماً تلك النخب التي عادة ما تستثمر الثورة لصالحها، وتتربح من ورائها، وسيكون ذلك بأن يعي القائمون على أهداف الثورة والعاملون على سبل تحقيقها أن إقناع النخب السياسية بترك الثورة وعدم التعالي على أهدافها بالسفسطة الحوارية هو أسلم وأصح شيء لها، وأن تقديم النخبة للمشورة دون التقيد من جانب الثورة بها قد يكون أفيد لها وأعمق تأثيراً.

الإحلال والتجديد في مفاصل الدولة وإزالة رواسب الدولة العميقة

الإحلال والتجديد في مفاصل الدولة وإزالة رواسب الدولة العميقة، يعد ذلك واجباً وضرورة تقتضي من الثوار ومؤيدي الثورة وأهدافها أن يتكاتفوا سوياً من أجل إرساء مُثل عليا للعمل بها بصورة مؤقتة في تسيير أعمال الدولة حتى انعقاد أول برلمان قوي يكون قادراً على صياغة القوانين الصارمة اللازمة لدحر الفساد وهدم البيروقراطية والعفن المؤسسي، مع الاعتماد على تلك الصياغات كمسودات لعمل القوانين والتشريعات اللازمة للبلاد.

توزيع الثروات وإدارة الموارد

يأتي هذا العنصر كواحد من أهم العناصر التي لا بد أن تُنظر بعين الاعتبار، حيث إن توزيع الثروات هو باب واسع يجلب معه الكثير من المتاعب، فالمتابع لتاريخ الثورات قديماً سيرى أن من اهتم وقام بثورة من أجل إعادة الحقوق لأصحابها بتوزيع الثروات بين الناس بالتساوي، هو أول من فسدت ذمته بعد أن أصبح في يديه مفاتيح كل شيء، لذا يتوجب الالتزام بالمُثل العليا للثورة التي ستنص على أنه سيُراقب ويُحاسب حساباً عسيراً طبقا للقانون، كل من سولت له نفسه أن تطال يده ما هو ليس من حقه، وفي المقابل يجب أن توجه تلك الثروات للتنمية والصناعات التي تدر نفعاً على الدولة.

ثم يحول الفائض إلى صندوق كبير يصب في نهاية العام في إجمالي الموازنة العامة للدولة، وذلك بعد سداد الدين وتطبيق مبدأ كفاية الناس عن طريق جهة تنظيمية تتولى تسجيل الناس إلكترونياً وتكون هي المسئولة عن صرف أموال الزكاة والمعاشات والإعانات ورواتب البطالة.. إلى آخره من المصروفات المقدرة لكفاية الشعب وتلبية احتياجاته.

  • القيادة والاستفادة من الكوادر المؤهلة

لكل ثورة قيادة تعبر عنها وتأخذ بيديها إلى بر الأمان، إن القيادة هي أمر فاعل في كل مكان وبدونها لا تُتخذ القرارات ولن يخاف أعداء الثورة إياها فيحترمون أهدافها، لذا على الثورة أن تختار من تراه مؤهلاً لتلك القيادة، ولديه من القدرة أن يقود تلك الثورة بدعم من الثوار إلى تحقيق أهدافها، تلك القيادة التي يجب أن تكون على قدر كبير من الاتساع الفكري والثقافي، ولديها من الموروث الأخلاقي والديني ما يمكنها من اتخاذ القرارات الحاسمة والفعالة، ولديها أيضاً حس يشعر بقيمة الكوادر والمؤهلين ويتبصّر مواقعهم، فيدفعهم بشكل فعال في صياغة المرحلة المؤقتة التي تلي الثورة إلى أن تتولى القيادة المنتخبة زمام الأمور فتحسن استثمار الحدث وتستخدم المؤهلين جيداً في قيادة البلاد بعد أن تكرم مكانتهم وتزيل من طريقهم كل المعوقات.

وضع الخطط الإستراتيجية للمستقبل وصياغة خطط بديلة

وإلحاقاً بالبند السابق، سيكون البرلمان المنتخب هو المسئول عن صياغة دستور يعبر عن المستقبل فعلياً لا لفظياً فقط، وستتولى الحكومة المشكَّلة من رئيس الدولة المسؤولية كاملة في وضع الخطط العاجلة سريعة التنفيذ من أجل دفع عجلة التنمية في المسار الصحيح، مع تهيئة المناخ الملائم للتنمية والاستثمار السريع الذي يُطلب أن تظهر آثاره سريعاً في وقت وجيز، مع تمكين القوانين التي تخدم التطور والتقدم للبلاد، وصياغة التشريعات الصارمة التي تهدف إلى تفعيل القانون على الجميع سواء بلا تمييز طبقي أو عرقي أو ديني، مع وضع خطط إستراتيجية للمستقبل عن طريق الاستعانة بأهل التخصص، وإيفاد كل من لديه سابق خبرة علمية إلى الخارج لمدد قصيرة لصقل تلك الخبرات ثم استعادتهم مرة أخرى للاستفادة من تلك الخبرات المحنكة المحتكة بالآخر، مع استخدام الخبرات المحلية والتمكين لهم وتوقير مكانتهم، وتطوير البحث العلمي والعمل على إيجاد الخطة والخطة البديلة.

دور القوات المسلحة في التنمية وكيفية تأهيلها

يأتي دور القوات المسلحة بوصفها إحدى أهم المؤسسات التي تعمل على حماية الوطن في الخارج والداخل، فهي تحمي البلاد وأمنها من الأخطار الإقليمية والدولية وتعمل على ردع العدو وتثبيط هممه في مساعيه للنيل من أراضي الدولة، لذا يجب أن تكون على المستوى المتوقع لها قتالياً وعسكرياً، ويتوجب على القوات المسلحة أن يكون تدريبها وخبراتها العسكرية متنوعة المصادر والمدارس، وأن لا تعتمد فقط على مصدر أو اثنين في نقل الخبرات أو الاعتماد التقني العسكري، كما يجب أن تطور صناعتها العسكرية معتمدة على علماء الدولة وخبرائها في تصنيع سلاح ردع خاص بها، وأن تطور من كفاءتها القتالية وأسلحتها؛ بحيث تكون رهن الإشارة دائماً، وأن لا تضع أيديها على أراضي الدولة إلا فيما يحق لها فيه، وأن لا تحتكر سوق العمل لصالحها وتترك المجال للاستثمار الأجنبي والمحلي، وأن لا تُستمال سياسياً أو حزبياً، وأن يكون قادتها تحت رهن إشارة الشعب لا رئيس الدولة فقط، وأن لا ترفع السلاح في وجه شعبها أو أن تطلق الرصاص عليهم.

استعادة الدور الإقليمي والدولي

إن الدولة التي ليس لها دور إقليمي أو دولي أو منعزلة على نفسها إلا قليلا من الدول، أو علاقتها متوترة نتيجة حروب سابقة بينها وبين جيرانها هي لا شك دولة خاسرة، لذا على الدولة التي تعي أهمية دورها في المحيط الإقليمي أن تشارك مع جيرانها من أجل توطيد رواسخ الدفاع المشترك أو تحييد تلك الدول في حالة الحرب، أو عدم استخدام حدودها البرية أو الجوية أو البحرية من طرف العدو، هذا من جانب ومن آخر على الدولة أن تدرك أن استعادة دورها ومكانتها بين الدول لا يقوم على أساس مدى قدرتها التسليحية فحسب، وإنما على مدى قوة العلاقات الاقتصادية بينها وبين دول العالم وقوة تلك العلاقات ستنعكس بالضرورة على دورها الإقليمي والدولي.

تطبيق مفاهيم الدين القويمة وإعلاء قيم المواطنة

لا ينفصل كل ما سبق كلياً أو جزئياً عن مفاهيم الدين الراسخة في وجدان الشعوب، ومدى تشبعهم بتلك القيم والمفاهيم وأثر ذلك عليهم في نواحي حياتهم، ومدى تقدمهم نتيجة اتباعهم المناهج القويمة لصحيح الدين والسير بها في مناحي الحياة، ونبذ كل متطرف يشوبها وترسيخ مفاهيم المواطنة بين الناس وإعلاء قيم التسامح والحريات، وتقييد الطائفية والعرقية إلى ذلك من الأمور المتصلة بمناهج التربية الحياتية المنبثقة من الأديان السماوية.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.