المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد بن حمد Headshot

آلهة الأرض

تم النشر: تم التحديث:

على مر التاريخ خرج علينا وعلى المتعوسين والمهمَّشين من قبلنا أكثر من عدد (يؤلمك حسبانه ويتعبك كما يحزنك معرفته وتنهكك) من الآلهة الواحدة أو قل آلهة الأرض أو سمهم المجانين، إن كانوا أبقوا فيك بقية باقية من الحس الإنساني، وكنت أحد المحظوظين الذين لم تمسخ إنسانيتهم حتى الآن؛ لأن هذا ما يجيدون فعله ويحبونه.

سأحاول هنا جاهداً وما مكنني فيه ربي أن أضرب بعصاي البحر ثم آوي إلى الكهف لعل الله يهيئ لنا من أمرنا رشداً.

سنتناول معا باختصار (لا أعدكم بالاختصار حقيقة) أن أتحدث عن طرق وأساليب المجانين في التحكم بالشعب وفي عواقبها عليهم كأشخاص ومجتمعات، سأبدأ ببعض طرق السيطرة.

صنع العدو:

لا تجد شبه دولة يحكمها إله طيني إلا وهي مشغولة جداً بصنع عدو ترعب به المجتمع؛ ليتخلى عن ترف ما يسمى بمراقبة الحاكم، ويقفز من رمضاء الوعي إلى سراديب الإله.

البحث عن العدو أو خلقه، إن لزم الأمر، قد يكون التاريخ مساعداً لهم في هذا، ويجعل منها رواية قابلة للتصديق.

كمثال بعض الدول متميزة جداً بخلق العدو، أو تضخيمه والتنقل بين الأعداء حسب الحاجة ومتطلبات المرحلة.. مثلاً، من يستمع للخطابات التعبوية عن إيران يقول إن هذه الدولة دولة عظمى أو إمبراطورية وفي أحسن أحوالها وبوضع داخلي مستتب واقتصاد قوي متين، بحيث إنها تسعى لابتلاعنا، إن لم يكن اليوم مساء فهو غداً بالتأكيد.

أنني لا أقلل من حجم إيران أو خطرها، ولكني أقول إن تم إلباسها ثوباً أكبر منها؛ لكي يسيطر على الداخل بترهيبهم من الخارج، وكلما طالب أحد بأدنى حقوقه أخرجوا له وللمتفرجين البالون الإيراني أو الحوثي أو الإخواني (مرة أخرى حسب متطلبات الإله)، ونفخوا فيه، فإن لم يكن وقت مطالبتك سيئاً جداً، فأنت عميل لهم أصلاً، ولن تخرج بأقل من أحد المتهمين.

يحتاج المستبد دائماً وأبداً إلى ورقة أو سلاح يهدد بها المجتمع، ويجعلهم واهمين بالحاجة إليه، لا يمكن لمستبد أن يحكم بلا عدو، فإن الحكم بلا عدو يعني أن الناس سيركزون أكثر على أفعال المستبد وإخفاقاته، وهذا ما لا يطيق عليه صبراً.

فإن أسرع وسيلة للسيطرة على الناس هو خلق عدو لهم ثم ادعاء حمايتهم منه، تحرص آلهة الأرض على أن أولى صفات لهم تبث في الناس هي أنه حامي الحمى، وحارس الدار، البطل المغوار، وبذلك يكون أي فعل يستخدم من قِبله حتى ولو كان ضد الناس فإنه بالنهاية حتماً في صالحهم، فحامي الحمى هو أعلم منا بالتأكيد في هذه وغيرها.

الصورة المكتملة:

يحرص كل إله طيني على خلق صورة مكتملة له في أعين الناس حسب عاداتهم وتقاليدهم، بدءاً بادعاء النسب الهاشمي والحماية من الأعداء، ومروراً بالأخلاق الحميدة كلها، وانتهاء بالتدين والخشية من الله ودوام التضرع له والتقوى، وحماية الدين طبعاً.

ناهيك عن الفروسية والهوايات التي لها شأن عند المجتمع والحنكة والدهاء والذكاء والكرم، فهو أبو الكرم وجده والفصاحة بالخطاب.

في الحقيقة قد يكون أحسن خصاله أنه لا يعرف كيف ومتى يتحدث، بل إنه لم ينهِ تعليمه حتى، وإنما أخذ الحكم بالقوة وبالجينات الوراثية وفي أزقة المخابرات!

وقالوا ورثناها أبانا وأمنا ** وما ورثتهم ذاك أم ولا أب

(الكميت)

فأي شخص منهم لا يكفي أن يكون والده أو أخوه كان حاكماً قبله فلا بد أن ينجح باختبار المخابرات، وبهذه كل مستبد يرجع للدولة التي أتت به!

ولنعُد لموضوع الصورة الكاملة فأقول إن هذا البطل المغوار الشديد البأس حامي الوطن والدين قد يكون يخاف من ظله ومن أقرب المقربين له، ولكنها الصورة التي يجب أن ترسم بأذهان الناس وأمام (جماهيره ومريديه) -هذا يعتمد على وضعه المالي بالحقيقة-.

كما أنه لا ينفك عن محاولات بث الرجاء والخوف في أنفس الناس، فهو قوي شديد صارم ظلوم، ولكنه بنفس الوقت عادل كريم رحوم، كذلك بالتقريب والتبعيد لمن هم حوله وخاصته فقد يكون ولاء خادمه أقل من المعايير المتطلبة أو أنه بكل بساطة أذكى من سيده.

في كل فترة يمنح الفارس المغوار الشعب بعض حقوقة على شكل هبات مالية أو أعفاء من محكومية وسجن لأي مناسبة كانت، عيد وطني بجلوس الإله مثلاً، أو حتى ختان العضو الذكري لابنه... أو تحرير وطني أو أي مناسبة دينية!

ولا تكاد تجد أحدهم إلا وأغرقنا إعلامه بصور له وهو متضرع يدعو الله ويصلي فوق الأرض، بينما يقبر أزلامه وجنده عباد الله تحت الأرض، إنه هو أيضاً من لا يفرط بحقوق المسلمين ويدافع دائماً عنهم، ويطالب بتحرير فلسطين (آه كم من مستبد استخدم فلسطين).

ويقول إنه يبذل كل الجهود في سبيل التحرير، وإنه هو القوي الأمين، وكل هذا للدعاية والاستهلاك الإعلامي فقط، إن المستبد العربي لا يجد غضاضة أبداً أو تناقضاً في أن يصلي الظهر بالحرم المكي، ويصلي العصر بالكنيست الصهيوني!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.