المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد فتحي عبد العال Headshot

هشاشة العظام.. اللص الصامت

تم النشر: تم التحديث:

يعاني ملايين الناس حول العالم من هشاشة العظام (osteoporosis ) وهشاشة (تخلخل العظام) مشتق من اللاتينية، ويعني (العظام المسامية)، وقد أشار إليه القرآن الكريم على لسان سيدنا زكريا عليه السلام، في سورة مريم، بعدما طعن في السن ورقَّ عظمُه، واشتاق لولد تقر به عينه: "قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً"، وبحسب منظمة الصحة العالمية يعد مرض هشاشة العظام أحد الأمراض العشرة الأكثر انتشاراً على مستوى العالم؛ إذ يعاني منه نحو 250 مليون شخص، وترتفع نسبة الإصابة به في البلدان العربية بنحو أربعة أضعاف عن غيرها من البلدان، رغم وجود الشمس، المصدر الأساسي لمد العظام بفيتامين د، مما دعا المنظمة لتخصيص يوم 20 أكتوبر/تشرين الأول يوماً عالمياً للتعريف به، وزيادة الوعي الصحي به، واتخاذ تدابير وقائية وعلاجية لحماية المجتمع منه.

وتصل نسبة النساء إلى ثمانين بالمائة من المصابين؛ حيث يصيب النساء البالغات بعد مرحلة انقطاع الحيض بسبب التغيرات الهرمونية التي تصاحب سن اليأس عند السيدات، وبخاصة نقص هرمون الاستروجين، مما يؤثر بشكل مباشر على انخفاض كثافة العظام، وتزداد الفراغات بين الخلايا العظمية، مما يؤدي لضعف قوة العظام، ويعرضها للكسر بسرعة أكبر، وكثيراً ما يسبب هذا المرض حدوث تقوّس في فقرات العمود الفقري، والتي تحدث بسبب انضغاط الفقرات، أو حدوث عجز ما في حركة المفاصل، مما يجعله هاجساً لدى النساء وعدواً ينبغي الوقاية منه، كما أن معالجته تعد أمراً ممكناً.

كما أنه يعتبر من الأمراض الوراثية التي يتزايد احتمال الإصابة بها إذا كان أحد الوالدين أو الإخوة في العائلة مصابين به.

ومن عوامل الخطر أيضاً تناول الأدوية من مجموعة الكورتيكوستيرويدات (بريدنيزون وكورتيزون) والشائع استخدامها في معالجة بعض الأمراض المزمنة مثل الربو، والتهاب المفاصل الروماتويدي، والصدفية، لفترات طويلة ، مما يضر بالأنسجة العظمية.

الخطر نفسه يتزايد مع استخدام دواء الهيبارين كمضاد لتجلط الدم لفترة طويلة ومتواصلة، ودواء ميثوتريكسيت المستخدم في علاج الأورام، والعديد من الأدوية المدرة للبول، والأدوية المضادة للحموضة التي تحتوي على الألومنيوم، وأدوية مثبطات مضخة البروتون مثل دواء اوميبرازول المستخدم في علاج القرحة.

ترقق العظام هو نتيجة أيضاً لاستمرار فرط نشاط الغدة الدرقية لفترة طويلة دون علاج، أو نتيجة لتلقي علاج يحتوي على الهرمون الذي تفرزه هذه الغدة لمعالجة حالات قصور الدرقية.

ولوضع لبنات بسيطة لرسم ملامح هذا اللص الصامت الذي يقوم بسرقة كتلتنا العظمية ببطء على مدار السنين، فالعظم نسيج حيّ، وهو مؤلف في معظمه من الكولاجين وهو البروتين الذي يشكل الهيكل اللين للعظم، بالإضافة إلى مكونات غير عضوية مثل عناصر الكالسيوم والفوسفور، والتي تكسب العظام الصلابة والقوة.

فيما تواصل عظامنا عملية ترميم دائمة تستمر مدى الحياة؛ إذ تنشأ أنسجة عظمية جديدة وتتحلل أنسجة قديمة.

وتعرف هذه العملية بعملية تجدد، أو إعادة بناء، النسيج العظمي ويعود الفضل في اكتشافها للجراح البريطاني جون هانتر عام 1770.

خلال الطفولة، تكون سرعة تكوين العظم أكثر من سرعة إزالته، ويكون العظم في أوج حالاته في عمر الثلاثين، ثم يبدأ في الأفول تدريجياً مع تقدم العمر، فترجح كفة الإزالة للنسيج العظمي القديم على كفة البناء للنسيج العظمي الجديد، مما يفقد العظم كثافته ويزيد هشاشته ويصبح أكثر عرضة للكسر.

كما أن وجود نقص في استهلاك كميات كافية من الكالسيوم وفيتامين د، الذي يعد ضرورياِ لتحفيز امتصاص الكالسيوم في الجسم خلال العقود الثلاثة الأولى من حياة الإنسان يؤدي إلى هبوط في الكتلة العظمية في الجسم عند بلوغ السن التي تبلغ فيها الكتلة العظمية أوجها، مما يؤدي إلى فقدان الإنسان كتلة عظمية بسرعة أكبر نسبياً فيما بعد.

الوقاية هي السبيل الوحيد لتجنب هشاشة العظام، وذلك بتناول غذاء صحي متوازن غني بالكالسيوم وفيتامين د، والمعلومة التي قد تبدو خافية بعض الشيء أن الطعام الغني بالبروتين يجذب الكالسيوم من العظام؛ لذا يقترح علماء التغذية أن الأشخاص المعرضين لهشاشة العظام يجب أن يحدوا من كمية البروتين في العظام كي لا تزيد عن 1 جم لكل 5 كجم من وزن الجسم، أي 2-3 اونصات من البروتين -ما يعادل صدر دجاجة- يومياً للمرأة متوسطة الجسم؛ لذا فالدراسات تشير إلى أن النساء اليابانيات والنباتيات أقل عرضة لهشاشة العظام والكسور من النساء الغربيات وآكلات اللحوم، والسبب هو أن النظام الغذائي الغربي وأكل اللحوم يزيد من إفراز الكالسيوم في البول.

وتشير الدراسات إلى أن تناول فول الصويا كمصدر جيد للبروتين يسبب إفرازاً أقل للكالسيوم في البول، بالإضافة إلى احتوائه على الجينيسيتن، وهو نوع من الاستروجين النباتي يعمل عمل الاستروجين في الجسم، ويمكن للبقدونس والكرنب الغنيين بالبورون أن يرفعا نسبة الاستروجين في الجسم.

كما توصلت دراسة يابانيَّة إلى أنَّ الشاي الأسود يحوي مادَّة مضادة للأكسدة (مادة تيافلافين-3 ) تحول دون تراجع كثافة العظام.

ممارسة الرياضة أيضاً بانتظام تساعد في الحفاظ على العظام قوية وسليمة.

من المهم أيضاً التعرض للشمس لمنح العظام القدرة على اختزان فيتامين د. كما أن التوقف عن التدخين سيساعد في الحفاظ على كثافة العظام، كذلك الامتناع عن الكافيين يمكن أن يساعد النساء اللاتي لديهن استعداد للمرض.

العلاج الدوائي للمرض يكون بعقار الرالوكسيفين (منظّم مستقبلات الاستروجين الانتقائية) ويلعب دوراً مزدوجاً في الوقاية والعلاج من سرطان الثدي في نفس الوقت فهو يعالج هشاشة العظام، وقد حقق نتائج جيدة فى تقليل كسور الفقرات، إلى جانب حماية القلب والشرايين.

العلاج بالبيسفوسفونات والجديد من هذه المجموعة هو الأمينوبيسفوسفونات، وهو علاج غير هرموني يعمل على وقف مفعول الخلايا المسؤولة عن تكسير العظام، وبالتالي منع المزيد من فقدان المادة العظمية في المرضى الذين فقدوا بعضها بالفعل، ومن أمثلتها ألندرونات الصوديوم.

خيار آخر هو استخدام عقار "دينوسوماب" لعلاج هشاشة العظام، وهو يمنع نشوء الخلايا التي تذوّب العظام عن طريق حقنة تعطى للمريض كل ستة شهور، مما يسهل اتباع العلاج بانتظام، قد يكون هذا الدواء خياراً مناسباً للسيدات اللاتي لا يتحملن أدوية البيسفوسفونات.

كما أنه يتميز بأنه آمن لكبار السن الذين يعانون قصوراً في وظائف الكلى، بالإضافة إلى الكالسيتونين وهو هرمون تفرزه الغدة الدرقية، ويقلل من فقدان الكالسيوم في العظام، ويساعد في الحفاظ على مستويات سليمة من الكالسيوم في الدم، يتم استخلاصه من السلامون وهرمون كالسيتونين السالمون أقوى وأطول تأثيراً عن الكالسيتونين الطبيعي بجسم الإنسان، ولأن الكالسيتونين يتكسر في المعدة فيتخذ شكل حقن تحت الجلد أو في صورة بخاخة بالأنف، ويعتبر من أقدم أدوية هشاشة العظام منذ الثمانينات إلا أنه ليس خط العلاج الأول الآن ويقتصر على حالات هشاشة العظام بعد سن اليأس في النساء، ولا مخاطر من استخدامه لفترة طويلة.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.