المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد فتحي عبد العال Headshot

حمّى الضنك.. كاسر العظام

تم النشر: تم التحديث:

إنه المرض الذي حلّ كضيف ثقيل على الآذان مؤخراً، على الرغم من شهرته في التاريخ الإنساني القديم والمعاصر بوصفه مرضاً عارضاً ومسالماً.

حمى الضنك هي عدوى فيروسية تسببها أربعة أنماط فيروسية مصلية تنقلها إناث البعوض، خاصة جنس الزاعجة المصرية التي تصل فترات لسعها إلى ذروتها في مطلع الصباح وفي المساء قبل الغروب، وعادة ما تعيش هذه البعوضة على الأطراف الحدودية في مناطق المياه الراكدة والبرك والمستنقعات.

في المقابل وبدرجة أقل الزاعجة المرقطة وهي ناقل ثانوي في دول أوروبا وأميركا الشمالية وآسيا لقدرتها على تحمل المناخ البارد ودرجات الحرارة ما دون الصفر.

أما أصل كلمة ضنك فهي من اللغة السواحلية (Dinga) ناسبة المرض إلى الأرواح الشريرة، فيما يرى البعض أن هذه الكلمة الساحلية مشتقة هي الأخرى من الكلمة الإسبانية (Dengue)، وتعني حساساً أو متحفظاً يصعب إرضاؤه.

وقد ظل السبب وراء هذا المرض خفياً حتى القرن العشرين ولعل من أطرف الفرضيات حول سبب هذه الحمى هو الربط بينها وبين ارتشاح فيضان نهر النيل، وذلك عقب تفشّي هذه الحمى عام 1888 في ربوع مصر، مما دفع طبيب قصر العيني حسن محمود باشا إلى أن يسطر رسالة بعنوان (في حمى الدنج)، مستبعداً صحة هذه الفرضية تماماً.

يبدأ المرض بشكل مفاجئ بارتفاع الحمى السريع دون قشعريرة واضحة، وقد تصل درجة الحرارة إلى 40 درجة مئوية، مما يتسبب عنه التشنجنات في الأطفال، كما تشمل الأعراض الصداع والإرهاق الشديدين والتهاب البلعوم وتضخم في الكبد والطحال، فضلاً عن التواءات في العظام بسبب الآلام في العضلات والمفاصل، مما ينتج عنه يبوسة ومشية متصنعة (مشية الغندور)، وتورم الغدد الليمفاوية والطفح الجلدي أو احمرار في الوجه والعنق والصدر وهي من السمات المميزة.. وفي بعض المرضى المصابين بتليف الكبد يعمل فيروس حمى الضنك على تفاقم الحالة ونشوء سرطان الكبد، مما يشير إلى علاقة بين هذا الفيروس وبين فيروس الالتهاب الكبدي "سي".

تتشابه أعراض المرض مع الإنفلونزا مما قد يؤدي إلى صعوبة في التشخيص يصاحبه التأخير في العلاج؛ لذلك فمن المتعين الاشتباه بحمى الضنك عندما تترافق الحمى الشديدة (40 درجة مئوية) مع اثنين من الأعراض التالية (الصداع الحاد وألم خلف العيون وآلام العضلات والمفاصل والقيء والغثيان وانتفاخ الغدد والطفح).

تؤثر حمى الضنك على أي شخص، ولكنها تميل أن تكون أكثر شدة لدى الأشخاص ذوي النظام المناعي الضعيف، كما أنها السبب في تشوه العظام لدى الأطفال، ولا ينتقل المرض من إنسان لآخر وإنما عن طريق البعوضة وحسب..وينتشر المرض في المناطق المدارية وشبه المدارية.

يوجد ثلاثة أنواع من حمى الضنك، أسوأها حمى الضنك النزيفية، وهو نوع نادر الحدوث يعاني فيه المريض من نزيف على هيئة نقط تحت الجلد، ومن اللثة والأنف وظهور للدم في القيء والبراز، وهنا يتصرف الفيروس المسالم في أحواله العادية وكأنه فيروس إيبولا القاتل.

تعتبر أول حالة مسجلة لحمى الضنك في الموسوعة الطبية الصينية إبان حكم أسرة جين وأطلق عليه آنذاك (سم الماء) كما تتخذ هذه الحمى مسميات شتى فهي حمى تكسير العظام كما وصفها الطبيب الأميركي الشهير (بنيامين رش) عام 1789وهي مرض أبو الركب، وقد أوردها الجبرتي تحت هذا المسمى مشفوعاً بوصف دقيق في يومياته عجائب الآثار في التراجم والأخبار (في منتصف شهر رجب ظهر بمصر وضواحيها مرض سموه بأبي الركب وفشا في الناس قاطبة حتى الأطفال وهو عبارة عن حمى ومقدار شدته ثلاثة أيام وقد يزيد عن ذلك وينقص بحسب اختلاف الأمزجة ويُحدث وجعاً في المفاصل والركب والأطراف ويوقف حركة الأصابع.. ويأتي الشخص على عقله فيسخن البدن ويضرب على الإنسان دماغه وركبه وهو من الحوادث الغريبة)، كما يطلق عليها حمى داندي أو المتألق الغندور لوجه الشبه بين حال المرضى ومشية العبيد المصابين غرب الهند إبان انتشار تجارة الرقيق.

لا يوجد علاج لهذا المرض، وهنا يتجاوز دور الطب الوقائي الدور الذي يمكن أن يلعبه الطب العلاجي؛ حيث يمكن الوقاية من المرض عبر تقليل مواطن وإعداد البعوض عبر إزالة أماكن التوالد، ومن خلال تغطية خزانات المياه وكذلك عن طريق تقليل التعرض للدغات عبر وضع شبك ضيق المسام على الأبواب والنوافذ واستخدام الناموسيات وارتداء الثياب ذات الأكمام الطويلة.

تستمر المرحلة الحادة من المرض مع الحمى لمدة أسبوع، ويتركز العلاج في حالات الحمى العادية على تخفيف الأعراض كوصف مسكن الباراسيتامول، كما ينصح باستخدام الكمادات المبللة بالماء للتخفيف من الحمى امتثالاً للهدي النبوي الشريف، قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: (الحمى من فيح جهنم فأطفئوها بالماء).

كما يجب تجنب استخدام الإسبرين؛ لأنه يزيد من مخاطر النزف والتزام الراحة وشرب السوائل وينصح باستخدام محاليل معالجة الجفاف للحيلولة دون حدوثه.

أما في حالة الحمى النزفية فيتطلب الأمر دخول المريض للمستشفى؛ حيث توضع له كانيولا، وتنقل له السوائل المناسبة بالكمية المناسبة حسب وزنه أو تنقل له البلازما أو الصفائح الدموية عند الحاجة، وبحسب تقرير منظمة الصحة العالمية فقد تم تطوير أول لقاح لحمى الضنك (Dengvaxia) من فيروسات حية مضعفة هي فيروسات الحمى الصفراء (إذ ينتمي كل من فيروس حمى الضنك والحمى الصفراء إلى الجنس ذاته)، ولكن تم تعديل الفيروسات وراثياً؛ لكي تحتوي على موروثات قادرة على ترميز بروتينات حمى الضنك ويستخدم للفئات العمرية من 9 إلى 45 سنة.

وللأعشاب جانب مهم أيضاً في العلاج في البلدان المختلفة، ففي البرازيل تستخدم عشبة مخلب القط التي تفيد في علاج الالتهاب، أما الفلبين فتستخدم أعشاب طاوا طاوا وعصير البطاطا الحلوة لزيادة أعداد الصفائح الدموية.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.