المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد فتحي عبد العال Headshot

بين الملك والنبي

تم النشر: تم التحديث:

حينما نتحدث عن قصة سيدنا إبراهيم الخليل -عليه السلام- فلا بد أن نعترف بأننا أمام واحدة من أكثر القصص الديني إثارة للفضول بين المؤرخين، فبصرف النظر عن تحديد أبي سيدنا إبراهيم، وما هو المكان والزمان اللذان شهدا ميلاده؟ وتروي التوراة قصة مجيئه إلى مصر وذلك في سفر التكوين (11/26، 57/41، 1/42) عندما هاجر من أرض أور الكلدانيين إلى "حاران" بين النهرين في شمال العراق هرباً من الجوع والقحط، ثم نزل منها إلى مصر.

ومن المنطقي أن تترك شريعة إبراهيم أثراً في بلاده الأولي، مما حدا بالبعض إلى الربط بين شريعة النبي إبراهيم -عليه السلام- وشرائع حمورابي، التي تحملها المسلة المسماة باسمه، وهو من أشهر ملوك سلالة بابل الأولى، وسادس ملوكها وأول ملك لم يدَّعِ أنه سليل آلهة، أو ذو ذات إلهية؛ بل وضع قوانين مدنية للبشر يحتكمون إليها، وصار ارتكاب المعصية جناية أو جنحة يعاقب عليها، إما بالغرامة أو بالسجن أو بالقصاص،

ولأن معنى حمورابي هو خليل الله، فقد ذهب البعض إلى كون حمورابي هو نفسه نبي الله إبراهيم، خصوصاً أن النصوص في مسلة حمورابي هي استنساخ للصحف التي جاء بها النبي إبراهيم الخليل -عليه السلام- إلا أن هذا الادعاء يتعارض مع الرواية القرآنية والتوراتية من أن إبراهيم -عليه السلام- كان نبياً ولم يكن ملكاً يوماً، كما أن الدراسات تشير إلى أن النبي إبراهيم وُلد قبل مجيء حمورابي إلى الحكم بـ(300) عام.

لم يأتِ ذكر نزول إبراهيم -عليه السلام- إلى مصر في القرآن الكريم، بل ورد في بعض الأحاديث التي رويت عن أبي هريرة -رضي الله عنه- وذكرها البخاري في صحيحه من حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ثلاث كذبات لسيدنا إبراهيم، الكذبة الأولى: قول إبراهيم -عليه السلام- كما جاء في سورة الصافات (إني سقيم)، حينَ دُعي لمشاركة قومهِ أعيادهم الشركية الباطلة، والكذبة الثانية: قوله الله -تعالى- كما جاء في سورة الأنبياء (بل فعله كبيرهم هذا)، عندما حطم الأصنام وتركَ كبيرهم بعد أن علّق الفأس في عُنقه، بينما الكذبة الثالثة: حينما قال للملك المصري عن زوجته سارة إنها أُخته؛ ليحمي نفسه من بطش وجبروت هذا الطاغية؛ إذ إنه إن عرفوا أنها متزوجة بطشوا بزوجها،

ولكنها إن كانت عزباء لا يتعرضونَ لأهلها بسوء، وهي أخته في الإيمان.. وحينما أُخِذَت سارة من إبراهيم، قام إبراهيم يصلي، ولما أدخلت سارة على الملك لم يتمالك أن بسط يده إليها من شدة جمالها؛ لأنه لم يستطِع أن يقاوم نفسه فعوقب بحسب مجموع الروايات أولاً بقبض يده، أي: شُلَّت يده ولم يستطِع أن يحركها، وثانياً: أنه صُرِع. ولما شلت يد هذا الملك وصرع قال لسارة: "ادعُ الله لي ولا أضرك"، ثم أطلق سراح السيدة سارة، وقال: أعيدوها إلى إبراهيم، وزيادة على ذلك أعطاها خادمة، وهي هاجر، وهبها لها لتخدمها، ومن هذه الرواية نستطيع أن نستجلي صورة هذا الملك المصري الجبار الذي حاول اغتصاب ما ليس له.

غالب الظن أن إبراهيم -عليه السلام- زار مصر في فترة رخاء واستقرار، وهناك خلاف بين العلماء في تحديد هذه الفترة: هل هي الأسرة الرابعة من الدولة القديمة؟ أم إنها الأسرة الثانية عشرة من الدولة الوسطى؟ والمستندون للفرضية الثانية يبنون دعواهم على الرسم الموجود على جدران إحدى مقابر بني حسن، مركز قرقاص بصعيد مصر، الذي يمثل وفداً مكوناً من سبعة وثلاثين شخصاً من البدو ارتدوا ملابس صوفية مزركشة، وترك الرجال فيه لحاهم جالبين معهم الهدايا التي حملتها الحمير لحاكم منطقة بني حسن، وذلك في السنة السادسة من حكم الملك سنوسرت الثاني،

وأن رئيس الوفد هو إبراهيم عليه السلام، والنساء الأربع هن زوجته سارة وزوجة لوط وزوجة أليعازر الدمشقي، أما الرابعة ذات الزي المصري فهي هاجر، غير أن رئيس الوفد كان يطلق عليه اسم (إبشا ويعني "أبو الشام")، والفرق بين الاسم (إبرام) و(إبشا) كبير، ولا يمكن تقريبهما إلى بعضهما البعض، كما أن الزعم بأن إبراهيم ربما أخفى اسمه خوفاً من الملك هو زعم ليس عليه أي دليل، وبالتالي فاللوحة ليست سوى تصوير للعلاقات التجارية بين مصر القديمة وبعض القبائل الآسيوية.

وبنفينا القطعي للفرضية الثانية، فإننا نطمئن إلى ترجيح الفرضية الأولى، وأن الزيارة كانت في الأسرة الرابعة وفي عهد الملك خوفو تحديداً، كما تشير بعض الدراسات، بحسب التسلسل الزمني للدكتور فلويد نولين جونز، من العهد القديم، وقد حاول البعض الربط بين زيارة النبي إبراهيم -عليه السلام- وبناء الأهرامات، وأنه نقل علم الفلك إليهم، وهو ما ليس عليه أي دليل حتى الآن، بل وذهب البعض إلى أن "أبو الهول" هو رمز لتخليد ذكرى أبي الأنبياء إبراهيم -عليه السلام- معتمدين على تأويلات لغوية دون سند تاريخي أو أثر مادي يدعم مثل هذه النظرية.

إذا بحثنا عن ملامح شخصية الملك المصري الجبار الذي لا يألو جهداً في اغتصاب ما ليس له، ولا يقيم اعتباراً للكرامة البشرية بين ملوك الأسرة الرابعة، لوجدنا تماثلاً شديداً مع شخصية الملك خوفو، ثاني ملوك الأسرة الرابعة سنة 2650 ق.م، الذي تبع الفرعون سنفرو على العرش، والمُرجح أن يكون أباه، ومن الثابت أن أمه كانت الملكة حتب حرس الموجود قبرها في مقابر الجيزة،

اسم خوفو الأصلي هو (خنم خواف لي: خنوم يحميني وخنوم هو أحد معبودات المصريين القدماء، على شكل كبش خروف له قرنان مميزان، وكانوا يظنونه يصنع البشر من طمي النيل)، أما الأسماء الأخرى التي أطلقت عليه، فمنها كيوبس وهو الاسم الذي أطلقه عليه المؤرخ الإغريقي الشهير هيرودوت، وأيضاً المؤرخ المعروف ديودور الصقلي، أما المؤرخ المصري مانيتون السمنودي، فقد أطلق عليه اسم سوفيس، فيما أطلق عليه العرب اسم سوريد بن فيلمون.

تختلف التقديرات في معرفة فترة حكمه بالضبط، ففيما تذكر بردية تورين (تعود لعصر الملك رمسيس الثاني ووجدت ممزقة إلى أكثر من خمسين قطعة، وتم جمعها وترميمها بعد عناء وتعتبر من أهم الوثائق بالنسبة لتتابع ملوك مصر ومحفوظة بمتحف تورين بإيطاليا)، أن فترة حكم خوفو كانت 23 عاماً، فإن المؤرخ الإغريقي هيرودوت يذكر أنه حكم 50 سنة، أما مانيتون فيزعم أنه حكم 63 سنة، وبحسب الدراسات الحديثة فإن مدة حكمه كانت 17 تعداداً (حيث كان في العادة يتم تعداد لأعداد الماشية ومساحات الأراضي بغرض فرض الضرائب)، وكان التعداد يتم عادة كل سنتين - ولكنه كان أحياناً يتم كل سنة - فإذا كان التعداد كل سنتين بانتظام في عهد خوفو فتكون فترة حكمه 34 سنة.

في العام الخامس من حكمه قام خوفو بإعلان نفسه الإله رع (الشمس) على الأرض وطرد كهنة هليوبوليس وغير مجموعته الهرمية كي تناسب هذا التغيير‏، وقد نالت حجرة الدفن نصيباً من هذا التغيير، فوضعها داخل الهرم؛ لأنه رع،‏ ولأن رع هو الوحيد الموجود في الأفق فقد اختير للهرم اسم يشير إلى ذلك هو آخت خوفو ومعناه أفق خوفو‏.

يُعزى إلى خوفو بناء الهرم الأكبر على هضبة الجيزة لتكون مقبرة له، وهو أشهر آثار العالم القديم على الإطلاق، وبسبب ضخامة هذا البناء وعظم الموارد البشرية والمادية التي حشدت لبنائه، بالإضافة إلى سذاجة الهدف الذي حشدت له كل هذه الإمكانيات وهو إقامة مقبرة له!! فقد تحدثت بعض الكتابات عن ظلم خوفو وطغيانه، ومنها ما قاله عنه هيرودوت (المؤرخ اليونانى الذي عاش في القرن الخامس والذي أطلق عليه الأديب الرومانى "شيشرون" لقب "أبو التاريخ"): "لم يترك خوفو شراً إلا واقترفه فقد تردَّت الأحوال في عهده، وحلت بهم المصائب من كل نوع وشكل فكان من أعماله أن أغلق المعابد، وحظر على رعاياه ممارسة عباداتهم. ثم فرض عليهم أعمال السخرة، كالعبيد الأرقاء،

فيما يفيده شخصياً، فأكره البعض على العمل في جر الحجارة الضخمة من المقالع في جبال العرب إلى النيل؛ ليقوم بنقلها عمال آخرون إلى التل الليبي، وكان هذا العمل يجري في نوبات ينهض بها مائة ألف رجل يبدلون كل ثلاثة أشهر. وقد استمرت أعمال العبودية والعسف هذه عشرة أعوام هي المدة التي استغرقها تجهيز الأرضية والأساسات التي حملت كتل التجارة، وهذا عمل في رأيي لا يقل ضخامة عن بناء الهرم ذاته؛ إذ يبلغ طول هذا البناء 5 فرلنجات وعرضه 60 قدماً، وارتفاعه في أقصى نقطة، وارتفاعه في أقصى نقطة 48 قدماً، وهو على الجملة مبني من الحجارة الملساء المزينة برسوم الحيوانات المحفورة)، ثم يلخص هيرودوت في روعة حجم الإنفاقات الطائلة على هذا الهدف الساذج بقوله: "وتثبت في النهاية لوحة دون عليها بالحروف الهيروغليفية المبالغ التي أنفقت في إطعام العمال من مختلف المأكولات،

مثل الفجل والبصل والكراث، وأذكر جيداً ما قرأ عليَّ المترجم ما في تلك اللوحة من التكاليف، وبلغت ألفاً وخمسمائة طالن من الفضة، فإذا كان هذا الرقم صحيحاً فكم من المبالغ أنفقت في شراء الخبز واللباس للعمال خلال سنوات العمل، ناهيكم عن الوقت الذي استغرقه في الذهاب إلى المقالع والعودة منها، وحمل كتل الحجارة والصعود بها طبقة بعد طبقة، ثم الحجرات تحت الأرض"، وما أعظم قول شاعر القطرين خليل مطران: "أَكُلُّ هذي الأنفس الهَلكى ** غداً تبني لفانٍ جَدَثاً مُخلَّدا!".

ويستمر هيرودوت في الحديث حتى يصل بنا إلى إفلاس خوفو، وهو ما يعني إفلاس الخزانة المصرية وإرسال ابنته لتعمل بالدعارة لكي تجمع له المال! يقول هيرودوت: "ولكن خوفو لم يكن بالرجل الذي يثنيه عن غرضه رادع، إذ لما أعوزه المال أرسل ابنته إلى ماخور وأمرها بألا تعود إلا ومعها المبلغ المطلوب - ولست أدري مقداره؛ لأن محدثي لم يكشف عن هذا الأمر، وقد نفذت الصبية أمر أبيها وزادت عليه؛ ليخلد ذكرها بعد موتها، وكانت وسيلتها إلى ذلك أن تطلب من زبائنها كتلاً من الحجارة، وبها شيد الهرم الأوسط من الأهرامات الثلاثة".

المثير أن هذا الملك الذي ترك أضخم وأشهر أثر مادي في تاريخ البشرية قاطبة، يعد أشهر غامض في التاريخ حيث لم يكشف التاريخ الفرعوني إلى جانب هرمه العظيم من الآثار سوى أشياء قليلة جداً؛ لذلك فسوف نتوقف منها عند الأسطورة الشعبية الشهيرة القديمة، والمعروفة باسم قصة "خوفو والسحرة"، أو ما يعرف باسم "بردية وستكار" وتحديداً عند موقف خوفو في البداية من قتل أحد السجناء على سبيل التجربة، والذي يوضح تدني قيمة النفس البشرية عنده، وذلك بصرف النظر عن النهاية التي غلف بها كاتب التاريخ المصري الرسمي هذه القصة، وتتلخص القصة في أن أحد أبناء خوفو تحدث إلى أبيه عن ساحر معاصر يعيش في عصر خوفو نفسه، وهذا الساحر الحكيم يدعى "جدي"،

وأن الحكيم قابل خوفو فطلب منه الملك أن يظهر له قدراته؛ إذ إنه يستطيع أن يقطع رقبة أي حيوان ثم يأمرها فتعود مكانها مرة أخرى، فطلب منه الملك أن يفعل ذلك على أحد المساجين المحكوم عليهم بالإعدام، فرفض الحكيم طلب الملك قائلاً: "ليس على إنسان مولاي الحاكم، وحسبك أن أحداً لم يطلب أداء شيء من ذلك على هذا الشعب النبيل"، فقبل خوفو ذلك وتم ما أراده الحكيم من إجراء التجربة على حيوان، ونجح فيها، فسرّ بذلك الملك سروراً كبيراً.

وبعد أن تحدثنا عن صفات الملك خوفو التي تتجه صوب الترجيح وبجلاء بأننا أمام الملك المصري المعاصر لسيدنا إبراهيم، فثمة دليل آخر للترجيح يتعلق باسم السيدة هاجر، الذي يعني بالهيروغليفية زهرة اللوتس، وسواء اختار هذا الاسم لها الملك الذي عاشت في كنفه، وأهداها لإبراهيم عليه السلام، وهو غالب الظن، أو أنه اسمها منذ البداية قبل الأسْر، فهو يشير إلى طبيعة العصر الذي عاشت فيه، ومقدار تقديس هذه الزهرة في هذا العهد، وهو سر إطلاق الملك هذا الاسم على جاريته، وبحسب الاعتقاد في هذه الفترة، فالإله رع خرج للوجود من قلب زهرة لوتس، كما أن الملك خوفو هو الملك المصري الوحيد الذي دفنت معه سفينة مفككة يسميها المؤرخون مركب الشمس، ويستخدمها الإله رع (خوفو نفسه) في رحلتَي النهار والليل، ويلاحظ أن المؤخرة والمقدمة شكلت على هيئة نباتية (اللوتس - البردي).

وإلى هنا تتوقف رحلتنا الممتعة بين جنبات التاريخ وصفحات الكتب المقدسة، متمنين أن نكون قد اقتربنا من عين الحقيقة، وما أصعب بلوغها على إطلاقها! وقد تباعدت الأزمنة وغاب أبطال الحكاية وشهودها.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.