المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد فتحي عبد العال Headshot

السكر.. المرض الذي اكتشفه النمل

تم النشر: تم التحديث:

على الرغم مما يوصف به مرض السكر من أنه المرض الأكثر شيوعاً في عصرنا الحديث وهو الأمر الصائب، فإنه لا يمكن إغفال حقيقة أنه مرض ضرب بجذوره في أعماق التاريخ، فقد دل اقتفاء أثره عبر الحقب الزمنية المختلفة على أنه دائماً ما يأتي مصاحباً للحضارات الإنسانية، فمنذ أكثر من ألفي عام لاحظ القدماء أن بعض الناس لهم بول غزير، حلو الطعم بشكل غريب، لدرجة تجذب النمل إليه؛ حيث كان تذوق البول إحدى وسائل تشخيص الأمراض في الكثير من الثقافات، مما دعا لتسمية هذا المرض بمرض السكر، ويرجع الفضل في وضع تسمية (Diabetes mellitus)، وهو الاسم العلمي لهذا المرض المزمن للعالم اليوناني (آراتايوس)، وكان ذلك في القرن الأول الميلادي؛ حيث استخدم كلمة (ديابيتيس) وتعني (النافورة)، في إشارة إلى كثرة كمية البول عند المرضى، وأما الشق الثاني (مليتوس)، ويعني (العسل)، فأطلقه (توماس ويليس) في عام 1674م، ولم يكن مرض السكر أيضاً غائباً عن الحضارة الإسلامية؛ حيث يعد الطبيب العربي (عبد اللطيف البغدادي) أول من تنبه إلى مرض السكر وشخص أعراضه السريرية، كما وضع خطة لعلاجه باتباع الحمية والتغذية المقننة والراحة والهدوء النفسي، ويعتبر هارون الرشيد ومعاوية بن أبي سفيان من أشهر خلفاء المسلمين الذين عانوا من مرض السكر.

وكمدخل نحو فهم هذا المرض، فالطعام الذي نتناوله يتحول إلى السكر المعروف بالجلوكوز، وهو وقود الجسم الرئيسي ولا يمكنه دخول الخلايا وأداء وظيفته دون إنسولين، وبالتالي لا بد من توافر شرطين لدخول السكر إلى الدم. أولاً، لا بد من توافر عدد كافٍ من "الأبواب" لاستقبال السكر على سطح الخلايا التي تسمى بالمستقبلات، وثانياً، توفر الإنسولين الذي يعمل كمفتاح لفتح تلك المستقبِلات فيدخل الجلوكوز إلى الخلية فتستخدمه لإنتاج الطاقة.

يحدث مرض السكر نتيجة توقف البنكرياس عن إنتاج هرمون الإنسولين، أو عندما يعجز الجسم عن الاستخدام الفعال للإنسولين الذي ينتجه فلا يتحول الجلوكوز إلى طاقة، مما يؤدي إلى توافر كميات زائدة منه في الدم، وفي النهاية يخرج مع البول مسبباً الطعم السكري فيما تبقى الخلايا متعطشة للطاقة، مما يؤدي لاضطراب في التمثيل الغذائي للكربوهيدرات والبروتينات والدهون، ويؤدي أيضاً إلى العطش وزيادة التبول وضيق الأوعية الدموية الصغيرة في الجسم، مما يؤدي إلى أمراض الكلى وصعوبة التئام الجروح ومشكلات في العين والقدم.

وحتى نبلور ما نرنو إليه، فلا بد أن نرصع العلم بالشعر، وأن نتلو هذا البيت لأحد أبرز شعراء المعلقات في الجاهلية، وهو لبيد بن الأعوص (كالعيس في البيداء يقتلها الظما ** والماء فوق ظهورها محمول)، وهو حال الخلايا تماماً حينما يبقى الجلوكوز متراكماً في الدم، ولا يدخل الخلايا لغياب الإنسولين الهرمون الجالس خارج جدار الخلايا، والداعي للسكر إلى حفل عشاء إجباري داخل الخلية للاستفادة منه بعد حرقه في تصنيع وحدات الطاقة، وفي ضبط نسبته في الدم.

ولمعاوية بن أبي سفيان أشهر المصابين بالسكر في الدولة الإسلامية بيتان يخلد بهما أعراض مرضه، وقد شارف على النهاية ورأى نحول جسده:
أرى الليالي أسرعن في نقضي ** أخذن بعضي وتركن بعضي
ضين طولي وضين عرضي ** أقعدنني من بعد طول نهضي

هناك نوعان من مرض السكر: النوع الأول (المعتمد على الإنسولين)، والنوع الثاني (غير المعتمد على الإنسولين)، وهو الأكثر شيوعاً ويرتبط غالباً بالسمنة؛ لذا فإن اتباع نظام غذائي صحي والتحكم في الوزن يشكلان قاعدة أساسية للعلاج الناجح لمرضى السكر، والسبيل إلى ذلك هو تناول طعام منخفض الدهون، وممارسة نشاط رياضي بانتظام، كما أن الأغذية التكميلية المحتوية على فيتامينات (ب ,ج، هـ، ب 6، ب 12) والكروميوم بيكولينات والمغنسيوم والزنك بالإضافة إلى الأحماض الدهنية (أوميغا -3 وأوميغا - 6) تلعب دوراً بارزاً في منع مضاعفات المرض.

وتشير الدراسات إلى أن البصل من المكملات الهامة لاحتوائه على مادة الكيرستين التي تساعد في علاج مشكلات العين، أحد مضاعفات مرض السكر.

كما أن الاستهلاك المنتظم للشاي الأسود قد يقلل من خطر الإصابة بمرض السكر من النوع الثاني.
علاج النوع الأول (المعتمد على الإنسولين) هو الإنسولين مع اتباع نظام غذائي مع ممارسة التمارين الرياضية، فيما يبدأ علاج النوع الثاني (غير المعتمد على الإنسولين) في حالاته البسيطة بالاكتفاء بالتنظيم الغذائي المناسب مع تمارين رياضية، وعمل رجيم تخسيس، بحيث يتم ضبط السكر دون الحاجة لأي معالجة دوائية.

وفي حالة الإخفاق في إحراز نتيجة يلجأ الطبيب المعالج للبدء بالعلاج الدوائي بإضافة دواء مخفض للسكر عن طريق الفم، فإذا كان المريض بديناً فيعطى الميتفورمين، فيما لو كان المريض غير بدين فيعطى مجموعة السلفونيل يوريا (مثل جليبنكلاميد وجلاكلازيد)، في حالة فشل ما سبق، ولم يتم ضبط نسبة السكر يتم الجمع بين الميتفورمين والسلفونيل يوريا، فإذا لم تكلل الأقراص المخفضة للسكر بالنجاح نعطي حقن الإنسولين.

في حالة العدوى البكتيرية والعمليات الجراحية والحمل والفشل الكلوي، يتم إيقاف الأقراص المخفضة للسكر واستبدالها بالإنسولين.

وفيما يخص مضاعفات مرض السكر، فهناك مشكلات تصيب العين مثل المياه الزرقاء، أو ارتفاع ضغط العين (جلوكوما)، إلا أن الدراسات تحمل لنا البشرى بدور وقائي إضافي قد يلعبه الميتفورمين في الحيلولة دون الإصابة بالجلوكوما.

في نفس الوقت الذي تسجل الدراسات دوراً بارزاً للميتفورمين في الوقاية من الإصابة بمرض السكر من النوع الثاني، كما يساهم في إبطاء الشيخوخة؛ حيث يرفع نسبة الأكسجين في أنسجة الخلايا، مما يزيد من متانتها وإطالة عمرها، وذلك بحسب دراسة أجريت على الحيوانات، وما زالت نية العلماء معقودة على اختبارها على البشر.

تتأثر الأعصاب الطرفية في اليدين والقدمين في حالات السكر نتيجة لارتفاع نسبة السكر في الدم، بالتالي تكون بحاجة لحمايتها الدائمة عن طريق فيتامين ب المركب (ب 1، ب 2، ب 3، ب 6، ب 12) غير ما نود لفت الانتباه إليه، أن تناول جرعات عالية من فيتامين ب 6 تزيد عن 200 مجم يومياً قد يؤدي إلى زيادة التهاب الأعصاب الذي يعاني منه المريض، فيفقد الإحساس تماماً بقدميه ويديه أيضاً.

أما الجرعة الطبية المسموح بها من فيتامين ب 6 فهي 10 -20 مجم يومياً، وفي ما يتعلق بالجرعات الكبيرة من فيتامين ب 3 (يعرف أيضاً بحمض النيكوتينيك أو نياسين أو نيكوتيناميد)، فقد تؤدي إلى احمرار الجلد وارتفاع أنزيمات الكبد، وربما ارتفاع السكر بالدم أو زيادة حمض البوليك في الدم (النقرس)، وقد تساعد على التهاب المعدة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.