المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد فتحي عبد العال Headshot

تليُّف الكبد.. الرهان الصعب

تم النشر: تم التحديث:

تليُّف الكبد الذي يعرف أيضاً بتشمع الكبد، هو مرض يحدث على فترات طويلة؛ حيث يتحول نسيج الكبد من خلايا كبدية إلى نسيج ليفي مع تغير التركيب الطبيعي للكبد، مما يعيق الكبد عن القيام بوظائفه بشكل طبيعي، ولأن الكبد أكبر غدة في الجسم، بالإضافة إلى احتلاله موقعاً استراتيجياً رئيسياً في الجسم، مما جعله يضطلع بتشكيلة واسعة من الوظائف الحيوية لاستمرار بقاء الإنسان على قيد الحياة، وبالتالي فتوقف الكبد عن القيام بدوره يعتبر من الخطورة بمكان.

فمثلاً قد يعجز الكبد عن إنتاج مواد مخثرة بالشكل الكافي، مما يصعب وقف النزيف عند حدوثه، كما يؤدي إلى ارتفاع الضغط في الوريد البابي الكبدي، وتؤدي هذه الحالة إلى حدوث نزيف حاد وخطير في الجهاز الهضمي، وقد يفشل الكبد في تنقية السموم التي قد تتراكم في الدورة الدموية، وقد يؤدي تليف الكبد أيضاً إلى مضاعفات للمريض، أهمها الفشل في وظائف الكبد، أو ظهور دوالي المريء والمعدة، مع ما تمثله من خطر شديد على حياة المريض عند حدوث نزيف منها.

كما يتعارض التليف الكبدي مع قدرة الكبد على تصنيع فيتامين "د" والكالسيوم، وكلاهما يعتبر ضرورياً لنمو العظام، مما يتسبب عنه ضعف وهشاشة العظام.

ومن المضاعفات الأكثر شيوعاً لتليف الكبد ويرتبط مع سوء نوعية الحياة، وتفشي خطر العدوى حدوث استسقاء البطن -احتباس السوائل في تجويف البطن-، وما يتبعها من حدوث الالتهاب الغشائي البروتيني البكتيري الذاتي، وهو أحد العوامل التي تؤدي إلى حدوث الفشل الكبدي الكلوي، وأيضاً حدوث نوبات الغيبوبة الكبدية المتكررة.

والطريف أن آخر خلفاء العصر العباسي الأول، الذي فتحت في عهده صقلية، الخليفة الواثق بالله كان مصاباً بمرض الاستسقاء، وقد صاحبته في حياته حرارة الحب المثلي بغلام مصري يدعي "مهج"! للدرجة التي أنشد الواثق ذات مرة ليسترضيه:

يا ذا الذي بعذابي ظل مفتخراً ** ما أنت إلا مليك جار إن قدرا
لولا الهوى لتجارينا على قدر ** وإن أفق منه يوماً فسوف ترى

ويمكن العودة لجلال الدين السيوطي في كتابه تاريخ الخلفاء عن هذه القصة وأمثالها، مما يلقي الضوء على رداءة فكرة الخلافة القائمة على الوراثة، والتي أخذت من تاريخنا مساحات زمنية طويلة، ودفعت برجالات لمجرد أن دماءهم ملكية أفسدوا وأساءوا أكثر مما بنوا وشيدوا، وربما لم تكن مصادفة أن الحرارة أيضاً هي التي وضعت حدا لحياته، ولكن هذه المرة كانت الحرارة بغرض علاجه من مرضه، حيث عولج في البداية بالإقعاد في تنور مسخّن، فوجد لذلك راحة وخفّة ممّا كان به، فأمرهم بالغد بزيادة في إسخان التنّور ففعل ذلك، وقعد فيه أكثر من قعوده في الأمس فحمى عليه، فأخرج منه وصيّر في محفّة فلم يعلموا بموته حتّى ضرب بوجهه المحفّة فعلموا أنّه قد مات.

مرضى تليف الكبد هم أكثر عرضة من غيرهم للإصابة بسرطان الكبد، تليف الكبد لا رجعة فيه، فلا يمكن إعادة الكبد إلى وضعه السابق إطلاقاً، واستناداً للمعهد العالمي للصحة يحتل تليف الكبد المركز الثاني عشر من الأمراض المسبب للوفاة، ولهذا فعلاج تليف الكبد في مرحلة مبكرة، قد يساعد في وقف الضرر ومنع تفاقم الحالة.

كما أن العلاج عادة ما يتركز على منع تطور المرض والمضاعفات، أما الخيار الوحيد في المراحل المتقدمة من تليف الكبد فهو زرع الكبد.

التسمية الإنجليزية للمرض cirrhosis مشتقة من الكلمة اليونانية κίρῥος بمعنى بني مصفر، إشارة إلى اللون الأصفر البرتقالي للكبد المتشمع، ويعود الفضل في هذه التسمية للعالم الفرنسي رينيه لينك في بحثه عام 1819.

تأتي في مقدمة أسباب تليف الكبد المشروبات الكحولية، والسبب أن الكحول يقوم بتثبيط عملية الأيض الطبيعية للكربوهيدرات والبروتينات والدهون مما يضر بالكبد بشكل كبير.

كما أن فيروسات التهاب الكبد الوبائي تتسبب في التهاب الكبد بشكل مستمر على مدار عدة عقود، وتختلف طبيعة الالتهابات التي يسببها فيروس الكبد باختلاف نوع الفيروس وقوته، وهل صاحبته فيروسات أخرى أم كان بمفرده.

ويعتبر الإصابة بفيروس "بي" أكثر الأسباب التي تؤدي إلى التليف الكبدي وليس فيروس "سي"، كما هو الاعتقاد الشائع، إذ إن الإصابة المزمنة بفيروس "بي" تسبب تليف الكبد خلال فترة قصيرة نسبياً من خمس إلى عشر سنوات، في حين يحتاج فيروس "سي" إلى فترة طويلة تصل إلى عشرين عاماً حتى يحدث التليف لدى المريض، ويحدث التليف نتيجة ترسيب ألياف الكولجين في جدار الأوعية الدموية المتخللة لخلايا الكبد، مع حدوث تدمير للهيكل الحامل لهذه الخلايا.

ومن الأسباب الأخرى الالتهاب الكبدي المناعي الذاتي الذي ينتشر بين السيدات مقارنة بالرجال، حيث يهاجم الجهاز المناعي خلايا الكبد الخاصة بالشخص نفسه، مما ينتج عنه التهابات شبيهة لتلك التي تصاحب التهاب الكبد الفيروسي، كما أن الكبد الدهني يسبب التليف، خاصة إذا كان المريض يعاني من السمنة، أو السكر، فضلاً عن الإصابة بالبلهارسيا التي تنتشر في الأرياف والصعيد وإهمال علاجها يؤدي إلى الإصابة بالتليف الكبدي.

الأمراض الوراثية أيضاً تعتبر أحد أسباب المرض، وتشمل الأمراض التي تسبب تراكم مستويات عالية من بعض المعادن في الكبد، مثل النحاس، حيث يسبب مرضاً يعرف باسم "مرض ويلسون"، أو تراكم الحديد يسبب مرضاً يعرف بمرض "هيموكروماتوزين".

التعرض الطويل الأجل للسموم البيئية "مثل الزرنيخ" في محيط العمل أو المنزل، أو الإفراط في استعمال بعض الأعشاب مثل جوزة الطيب -تستخدم في علاج الضعف الجنسي ولأن مرضى التليف في الحالات المتقدمة يعانون من قلة الكفاءة الجنسية نتيجة لنقص الهرمونات الجنسية فلا بد من التنبه لهذه الأعشاب وسُميتها على المدى البعيد- من الممكن أن تسبب تليف الكبد، ذلك أن الكبد هو المسؤول عن تصفية هذه السموم، وبالتالي التعرض لها لفترات طويلة يؤدي إلى تليف الكبد.

يتركز العلاج على الوقاية من أسباب المرض وفي حالة حدوثه يهدف العلاج إلى إيقاف تلف خلايا الكبد من جهة عن طريق علاج العامل المسبب، وإلى علاج الأعراض والمضاعفات الناجمة عن التشمع من جهة أخرى.

ومن هذه الإجراءات العلاجية المتبعة التوقف عن تناول الكحول تماماً، وفي حالة كان التشمع نتيجة الإصابة بالتهاب الكبد الفيروسي، فقد يصف الطبيب مضادات الفيروسات antiviral agents فيما قد يصف الطبيب بعض العلاج بالستيرويدات في بعض الحالات المزمنة أو المصاحبة لالتهاب الكبد.

في حالة مرض ويلسون، فالعلاج يتركز حول التخلص من فائض كميات النحاس في الجسم، أما في حالات مرض هيموكروماتوزين فيلجأ الطبيب لإزالة الفائض من الحديد من الجسم.

في المراحل المتقدمة والخطيرة من المرض يتمثل العلاج في عملية زراعة الكبد، سواء من متوفى حديث أو فص من الكبد من متبرع حي.
العلاج بالأعشاب مفيد أيضاً، ومنها الكعيب، وفي عام 1968م قام الباحثون الألمان بفصل ثلاثة مركبات من بذورها هي سيليبنين وسيليدايانين وسيليكرستين، وتسمى هذه الثلاثة متجمعة سيليمارين، السيليبينين هو أكثرها نشاطاً، وهو المسؤول عن الخصائص الواقية للكبد في السيليمارين.

ومن الأعشاب الأخرى الحلبة، والحلبة عرفت على زمن الفراعنة، حيث كانت تسمى باللغة الفرعونية "حمايت"، وكانوا يعتقدون أن بذور الحلبة تحتوي على زيت مقو، وبذلك استعملوها في الكثير من الخلطات العلاجية.

وورد في السنة الشريفة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- عاد سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- بمكة، فقال "ادعوا له طبيباً، فدعي الحارث بن كلدة، فنظر إليه فقال: ليس عليه بأس، فاتخذوا له فريقة، وهي الحلبة مع تمر عجوة رطبة، يطبخان فيحساهما ففعل ذلك خيراً".

كما روي عن عائشة -رضي الله عنها- أنه قال صلى الله عليه وسلم: "استشفوا بالحلبة"، والسبب الذي كشفته الدراسات الحديثة هو احتواؤها على الألياف النباتية والهلام اللازم لوقاية الكبد من التليف والالتهاب، وغنيه بالكاولين والبيتاكاروتين ومضادات الأكسدة، ولا ننسَ الثوم المضاد البكتيري والفيروسي، والمحتوي على مادة الإليسين المضادة للالتهاب.

عرق السوس -سماه أبو قراط الجذر الحلو وقد استخدمه الصينيون القدماء لعلاج متاعب الكبد عامة- مفيد أيضاً لاحتوائه على الجليسريزين الذي يعمل على حماية خلايا الكبد، إلا أنه ينصح مرضى ضغط الدم بعدم تناوله بكميات كبيرة.

وعلى النقيض من الحملة الواسعة ضد لبن الإبل والقريب الشبه بلبن الإنسان، واعتبار أنه دون أية فائدة تذكر، فقد كانت الملاحظات الأولى لشرمانوف (Sharmanov et al.، 1978) عام 1978 على الخواص المضادة للفيروسات للبن الإبل وتحسن وظائف الكبد لدى المرضى الذين يعانون من التهاب الكبد المزمن، بعد شرب حليب الإبل.

كما تشير الدراسات إلى بروتين اللاكتوفيرين المستخلص من حليب الناقة وتأثيراته المضادة لفيروس الكبد الوبائي C؛ حيث وجد أنه يمنع دخوله إلى الخلايا، كما تشير الدراسات الحالية إلى أن اللاكتوفيرين دواء واعد للحماية من التغييرات الهيكلية والوظيفية المرتبطة بتليف الكبد.

لبن الإبل أيضاً مصدر للمعادن، خصوصاً الكالسيوم والزنك والمنجنيز والكالسيوم، مما يفيد مرضى التليف الذين لديهم نقص في هذه العناصر.
ولكن يجب اتباع الاشتراطات الصحية عند استهلاكه، التي تشمل غسل اليدين قبل وبعد التعامل مع منتجات الإبل، وعدم شرب حليبها قبل غليه.

وقديماً قال الرازي في لبن الإبل إنه يشفي أوجاع الكبد وفساد المزاج، وقال ابن سينا في كتاب القانون الذي ظل لسبعة قرون متوالية المرجع الرئيسي في علم الطب، حتى أواسط القرن السابع عشر في جامعات أوروبا: "إن لبن النوق دواء نافع لما فيه من الجلاء برفق وما فيه من خاصية"، وكما ثبت في صحيح البخاري ومسلم، وغيرهما، من أن قوماً جاءوا المدينة النبوية فمرضوا فأشار عليهم النبي صلى الله عليه وسلم، في معرض حديثه، بالشرب من ألبان الإبل فصحوت بطونهم، وفي تعليق الإمام ابن القيم في كتابه "زاد المعاد" على الحديث، أن هذا المرض كان الاستسقاء.

ولا بد من الحيطة من الأدوية المحتوية على الحديد، وعلى عكس الشائع من أهمية العسل الأسود فهو ضار للكبد؛ لأنه يحتوي على نسبة كبيرة من الحديد.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.