المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد فتحي عبد العال Headshot

مضادات الأكسدة.. الحقائق والأوهام

تم النشر: تم التحديث:

هل تعلم أن الأكسجين الذي يمنحنا الحياة هو ذاته الذي يسلبنا إياها؟! هذه الحقيقة تكمن في أن الأكسجين هو المكوِّن الأكثر شيوعاً للجذور الحرَّة (Free Radicals) عند البشر. فجزيء الأكسجين يتكون من ذرتين، وإذا وُجدت ذرة واحدة فهي تسعى جاهدة لتتأكسد بذرة أكسجين أخرى؛ لكي تصبح مستقرة فيما يُسمى بعملية الأكسدة، هذه العملية إن لم يتم التحكم فيها تسبب اضطراباً في نظامنا الحيوي فهي تترك وراءها شقاً حراً، أي جسيماً صغيراً ذا قشرة غير مكتملة من الإلكترونات، ممَّا يجعله أكثر تفاعلاً من الناحية الكيميائيَّة، فيتصرف بطيش محاولا سرقةَ إلكترونات من الجزيئات الأخرى داخل أجسامنا فيدمر البروتينات وجزيئات الحمض النووي منقوص الأكسجين الـDNA بحيث يعطل آلية الخلايا المتوازنة بكل دقة.

تتكون هذه الجذور خلال حياة الإنسان بسبب عوامل كثيرة، منها أشعة الشمس والأشعة السينية والتدخين، ونظراً لأن طبقة الأوزون تقل في الجو، فإننا نتعرض وباستمرار إلى طاقة أكثر من الأشعة فوق البنفسجية، وفي قول الله تعالى في سورة النحل: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَاناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ)، ما نعتبره روشتة إلهية إعجازية في هذا الصدد.

كما يزيد الإجهاد وكثرة استهلاك الدهون والسكريات وزيادة استهلاك الأكسجين خلال التمارين الرياضية العنيفة من إنتاجها.

يعتقد العلماء أن الجذور الحرة تسبب العديد من المشاكل الصحية المرتبطة بالعمر، مثل خطر الإصابة بمرض السرطان بأنواعه، الشيخوخة وبعض أمراض العيون، كما تسرع من تصلب الشرايين.

ومن ناحية أخرى، تحمي مضادّات الأكسدة الخلايا بالارتباط مع الجذور الحرة وتحييدها قبل أن تلحق ضرراً بالخلايا، جسم الإنسان في الأساس قادر على إنتاج الأنزيمات المضادة للأكسدة، وعادة ما تكون غير كافية لمنع هذا الضرر تماماً، كما أن قدرات الجسم على ذلك الإنتاج تقل مع التقدم في العمر؛ لذلك فإن الأطعمة المحتوية على مضادات الأكسدة تكون ضرورية للحفاظ على الصحة.

وقد أثبتت العديد من الدراسات أن بعض العناصر الغذائية لها أهمية كمضادات للأكسدة مثل البيتا - كاروتين (في الجزر والشمَّام والمشمش والقرع والمانجو) ومادةُ اللوتين (الكرنب والسبانخ واللفت)، والتي تشتهر بصحَّة العينين.

ومن مضادَّات الأكسدة القويَّة مادَّةُ الليكوبين (في الطماطم والبطيخ والجوَّافة)، أما الفيتامينات المضادة للأكسدة فهي فيتامين A (في الكبد والحليب وصفار البيض وجبن الموزاريلَّة) وفيتامين C (حمض الأسكوربيك)، فيمكن العثور عليه بكمِّيات كبيرة في كثيرٍ من الفواكه والخضراوات والحبوب ولحم البقر والدجاج والأسماك، فضلاً عن فيتامين E (ألفا - توكوفيرول أو فيتامين الجمال) فيوجد في اللوز وفي زيوت كثيرة، مثل زيت بذرة القمح والذرة وفول الصويا، والشائع عنه أنه فيتامين "القوّة الجنسية" للرجال كما يعرف أحياناً بأنه "العامل المضاد للعقم" أو "عامل الخصوبة"، وقد تم اكتشافه عام 1930 عندما تمت تغذية فئران بغذاءٍ خالٍ من الزيوت النباتية (المصدر الغذائي الرئيسي)، الأمر الذي أدّى إلى حدوث مشاكل تناسلية، كما أنه يمنع تحلل فيتامين (A) وفيتامين (C) داخل الأمعاء، كما أنه يقلل من احتمال تكسير خلايا الدم الحمراء.

وتشير الدراسات إلى أن الحد الأعلى المسموح بتناوله من فيتامين C يجب ألا يتعدى 2000 ملليغرام يومياً فتناول جرعات كبيرة جداً من فيتامين C يسبب أضراراً لمادة DNA الموجودة في خلايا الجسم والجرعة اليومية الموصى بها لفيتامين C هي 65-90 ملجم، ومن فيتامين E يجب أن يكون أقل من 1000 ملليجرام، حيث يؤدي تناول كميات أكبر إلى زيادة احتمال الإصابة بالجلطة الدماغية، لكن الكمية التي ينصح بتناولها من فيتامين E تصل إلى 15 ملليغرام يومياً، كما يجب تجنبه في المرضى الذين يعانون من ضعف فى تخثر الدم؛ نظراً لأن فيتامين E يقلل من امتصاص فيتامين (K) الضروري لعملية تخثر الدم.

وكما أن لفظة فيتامين التي استعملها العالم الأميركي البولندي الأصل كازيمير فنك عام 1912، لتطلق على هذه العناصر الضرورية للحياة ليست دقيقة، فالكلمة المشتقة من الكلمتين اللاتينيتين vita، وتعني الحياة، وamine في إشارة لمجموعة (أمين) في المركب الكيميائي الذي استخلص من الأرز (وكان السبب في ملاحظته أن من يأكل الأرز الكامل أقل عرضة للإصابة بمرض بري بري ممن يأكل الأرز المطحون تماماً)، وهو ما أطلق عليه اسم فيتامين ب 1، واستخدم فى علاج مرض البري بري، فلاحقاً تم الاكتشاف بأنه ليس سوى القليل من الفيتامينات هي التي تحتوي على هذه المجموعة، ولكن لم يتم تغيير الاسم؛ نظراً لانتشار استعماله كذلك، فإن علاقة الجزر كمصدر للبيتاكاروتين الذي يتحول في الجسم إلى فيتامين (A) بحاسة الأبصار ليس دقيقاً هو الآخر، فالأمر لا يتعدى كونه خدعة ابتكرها الإنكليز لتضليل الألمان الذين هاجموهم بطائراتهم عام 1940، فيما أطلق عليه معركة بريطانيا، وقد نجح سلاح الجو البريطاني في إسقاط الكثير من هذه الطائرات باستخدام رادار جديد لم يكشفوا عنه، وكي يبقى هذا السر خافياً عن الألمان أذاع الإنكليز أن طياريهم يتمتعون بنظر ثاقب بفعل الجزر، مع أن الكميات التي يحتويها من البيتاكاروتين تتواضع أمام أطعمة أخرى كالبروكلي والبطاطا الحلوة.

تتباين الدراسات حول علاقة مضادات الاكسدة بالسرطان فالمفترض أن مضادَّاتُ الأكسدة "كانِسة" للجذور الحرَّة؛ حيث تحدُّ من الشحنات الكهربائية، وتمنع الجذور الحرَّة من أخذ الإلكترونات من الجزيئات الأخرى.

إلا أن الدراسات في الآونة الأخيرة ربطت بين تناول مضادات الأكسدة بكميات زائدة والإصابة بالسرطان فمضادات الأكسدة مثل فيتامين (E) والبيتاكاروتين تسرع من نمو أورام الرئة في المراحل الأولى لدى الأشخاص الأكثر عرضة لخطر الإصابة مثل المدخنين، بدلاً من أن تقيهم من السرطان، وذلك بحسب التجارب السريرية التي أجريت في فنلندا حيث كان المدخنون الذين أعطيت لهم مكملات البيتا كاروتين أكثر عرضة للإصابة بسرطان الرئة، وقد ألغيت تجربة مماثلة في الولايات المتحدة في مرحلة مبكرة عندما بدا أيضاً أن هذه المكملات تزيد من خطورة المرض، والسبب في ذلك قد يكون راجعاً إلى أن "مضادات الأكسدة تسمح للخلايا السرطانية بتفادي نظام الدفاع الذاتي للخلايا" ضد الأورام، مما يسمح بالانتشار دون سيطرة للأورام الموجودة، بما في ذلك الأورام التي يتعذر اكتشافها بسبب صغر حجمها.

وفي دراسة أخرى وجد أن تناول كميات أكبر من معدن السيلينيوم وهو لاعب أساسي في نشاط الإنزيمات المضادَّة للأكسدة وفيتامين (E) يرفع احتمالات الإصابة بسرطان البروستاتا.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.