المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد الجلاد Headshot

مصر.. كيف الحال؟

تم النشر: تم التحديث:

تمضي الأيام ولم تمضِ ذكريات ثورة يناير المصرية وما تبعها من أحداث، وكلنا يعلم أنها لن تمضي من أذهان كل فرد عربي عاش هذه الفترة، بل وأكاد أجزم أن هذه الفترة من أهم الفترات التي مرَّت في تاريخ مصر والعالم العربي؛ حيث تجلت فيها مرحلة انفجار سياسي، اجتماعي، اقتصادي بعد خمول دام لعقود مضت؛ هذا الخمول الذي كان يعتبر الجمر الذي تحت الرماد.

اليوم هدأ حال مصر نوعاً ما، بالرغم من تبعات وأضرار ذلك الانفجار، ولكن أسئلة كثيرة صالت وجالت لديَّ بعد لحظة عصف ذهني أصابتني بسبب متابعة فيلم "اشتباك" الذي يروي فصلاً صغيراً من فصول تلك المرحلة، ومن هذه الأسئلة:
كيف حال مصر؟! هل عدلت الأطراف المتصارعة فيما بينها عن رأيها تجاه بعضها البعض؟ هل ما زالت النفوس تكن الحقد داخلها بحيث تحتاج لفترة أطول بكثير لتنسى أو تتجاوز ما حدث؟ والسؤال الأهم: هل لهذه النفوس قدرة حقيقية على الاعتراف بأنها كانت على خطأ؟ أو بالأحرى هل لها القدرة على فهم دوافع شتى الأطراف التي دفعتها لفعل ما فعلته مثلما برَّر كل طرف لنفسه دوافعه؟!

بداية أود أن أعترف بأن السينما المصرية هي عريقة، وتعتبر من أضخم محركات العقل البشري في الكرة الأرضية، هذا هو أول ما خرجت به بعد متابعتي لفيلم "اشتباك"، ما يعني أنه يجب الاعتناء بها واستثمارها في تصحيح مسار الفكر البشري لما هو سامٍ من مبادئ وقيم العدالة والإنسانية والوطنية وعدم السماح بتشويهها بإنتاج ما هو مناقض لهذه القيم.

لقد جمع هذا الفيلم أفكاراً متنوعة لدى المواطن المصري، وخصوصاً تلك الأفكار التي ترافقت في تلك الفترة الحزينة في تاريخ مصر والعالم العربي، فقد حضر فكر التيار الإسلامي والليبرالي والوطني، وحتى فكر المواطن الذي لا يحمل فكراً، ولا يكلّف نفسه بالتبعية لفكر معين.

لقد جعلنا ننظر لما حدث من جميع الزوايا، لدرجة أننا بدأنا نخرج عن قناعاتنا وتعصباتنا التي لم نكن نتوقع خروجنا عنها، وهذا أول ما جعلني أطرح الأسئلة التي طرحتها أعلاه.

لقد عرفت أن الذي كان يقال عن الجندي أو العسكري المصري هو واقع وليست مجرد تبريرات أو دفاعاً عنهم، فبالفعل ثبت أن العسكري المصري هو واحد من المجتمع نفسه، ولا يحق لنا أن نخرجه من مجتمعه لمجرد ارتدائه الزي العسكري وإمساكه بالسلاح الذي أصبح سبباً رئيسياً من أسباب الصراع، وأننا يجب أن نأخذ التحليل النفسي والظروف المادية والاجتماعية في عين الاعتبار حتى لو ارتبط هذا بالدم، فاقتناعنا بهذا هو أولى الطرق التي ستقودنا للتسامح، ولست أقصد العسكري برتبة جندي فقط، بل حتى الضابط والوزير والرئيس.

إن تتابع الأحداث بشكل متسارع جعل التراكمات الحقدية والكراهية تزداد أيضاً بشكل متسارع، مما تسبب بتضخم أسباب النزاع، فلو حدثت تلك الأحداث بشكل أبطأ مما كانت عليه وبفترات زمنية متباعدة، لكان من الممكن جداً تجنّب قرارات سياسية وعسكرية خطيرة، ما يعني أن حقد المواطن ذي الفكر الديني كان من الممكن أن يكون أقل، وبالتالي كان من الممكن اقتناعه بأن الطرف الآخر ليس عدواً ولا يجب التعامل معه بفرضية الخيانة والمؤامرة.

أنا أعلم أنه من الصعب مقارنة عامل الوقت والزمن مع النتائج التي حدثت مثل إراقة الدم المصري، ولكن للأسف فإن هذا من أهم عوامل وصول الحال لما وصل عليه.

وكذلك الأمر في الطرف الآخر؛ حيث إن هدوء تتالي الأحداث كان من الممكن أن يصنع تحولاً أو تفهماً للعسكري أو الضابط أو الوزير أو الرئيس للمواطن المصري حتى لو كان ذا فكر ديني راديكالي.

إن الفيلم قد صوَّر مشهداً لجميع الأطراف تجتمع في صندوق عربة نقل السجناء وكأنه يقول لهم: لو اجتمعتم على طاولة الحوار وآمنتم ببعضكم البعض، لكنتم اتفقتم على الخروج من تلك الأزمة، ولكن للأسف فإن تعنت كل طرف على أفكاره أوصلهم لهذا الصندوق، وأوصل مصر إلى نتائج كارثية على الصعيد البشري والإنساني والاجتماعي.

إن ما تناوله الفيلم هو أبعد بكثير من مجرد عرض سينمائي شيق بهدف التسلية أو المتعة أو الإلهاء، فقد جعل مواطناً عربياً من دولة أخرى غير مصر يكون أكثر قرباً من الحدث بعيداً عن التجاذبات الإعلامية والخطابات التشددية الحماسية، إن استطاعة عرض ما بداخل النفوس وترجمته في مشاهد تمثيلية بعيدة كل البعد عن التحيز لطرف عن طرف آخر هو أمرٌ عظيم كان لا بد منه.

بالرغم من تشابك الخيوط وتعقيدها في الحالة المصرية، فإن الواقع الحالي لمصر بصعودها لمسابقة كأس العالم في كرة القدم وبصعودها قومياً في الوطن العربي وإقليمياً في الشرق الأوسط ودولياً كان واضحاً ومتجلياً في إتمام المصالحة الفلسطينية التي عجزت أنظمة ودول العالم العربي والإسلامي عن تنفيذها، وإن جميع هذه الملاحظات ليست مجرد ملاحظات أو مشاهدات هامشية، بل هي تدل على نمو سينعكس إيجاباً على الأمن والاقتصاد والتعليم في مصر لو تم استغلاله واستثماره في إعادة مكانة الدولة المصرية أولاً في نفس المواطن المصري، وثانياً في نفس المواطن العربي، وثالثاً في نفس زعماء وأنظمة دول العالم.

لكن وبالرغم من هذا كله، فلن تكتمل الصورة إلا في حالة عقد مصالحة مصرية حقيقية تجمع شتى الأطياف السياسية والرسمية بشتى أفكارهم مهما تباعدت أيديولوجياً، ونعلم أن هذا قد يكون أصعب من زراعة شجرة ياسمين على سطح القمر بالفضاء الرحب، ولكننا أيضاً على يقين أنه يجب أن يحدث مهما ارتبطت القضايا بالدم وقضايا أخرى أعمق وأعمق؛ لأن العسكري والضابط والوزير والرئيس والجيش والداخلية والمواطن العادي والمواطن المتدين والمواطن المتحرر والمواطن الموظف والمواطن المستثمر والمواطن المزارع والعامل والمواطن الصحفي والمواطن المفكر والمواطن الرياضي هم جميعاً جزء لا يتجزأ من مجتمع كبير ناهز المائة مليون نسمة وأكثر، لن تنتهي الحكاية بتسلط طرف على طرف أو بتهميش طرف عن طرف أو بقهر طرف للطرف الآخر.

إن كل مواطن عربي مخلص لقوميته يفهم ويعلم أن الصراعات العربية كصراعات داخلية في كل دولة على حدة، أو صراعات عربية - عربية متمثلة بالدول، هي لن تطعم المسكين ولن ترعى اليتيم، ولن تعلم الجاهل ولن ترقى بالعالم أو الحكيم، العالم العربي لن يصلح حاله بالإصرار على إغلاق الحدود أو بِضَمرِ الحقد والشرور للدول العربية بعضها لبعض.

فلن يصلح الحال إلّا بخلق إيمان راسخ لدى السياسي والمواطن والرئيس العربي بالمصالحة ونشر قيم الحب والاحترام حتى ولو ارتبط هذا بدم مليون مواطن، فإن هذا يجب أن لا يقف عائقاً أمام ترسيخ هذا الإيمان في نفس كل مواطن عربي حُر.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.