المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد البنا  Headshot

وماذا بعد أن جفَّ البحر؟

تم النشر: تم التحديث:

أثناء تصفحُّي شبكة الإنترنت وجدت صورة لسفينة على اليابسة، وبجانبها شخص على أعتاب الهلاك، كُتب عليها: "عندما انتهيت من بناء سفينتي.. جفَّ البحر!".

03

هذه الصورة التي يضرب بها المثل في سوء الحظ ونكد الحياة دفعتني لمخاطبة صاحب هذه السفينة، في رسالة محب بعنوان: "وماذا بعد أن جفَّ البحر؟".

إلى صديقي العزيز صاحب السفينة:
بعد أن بنيت سفينتك واجتهدت فيها كان البحر قد جفَّ، وأنا أعلم مدى حسرتك وحزنك على جهدك الذي ذهب أدراج الرياح وعلى ضياع أحلامك سُدى.

ولكن برغم أحزانك فاسمح لي أن أسألك سؤالاً:
وماذا بعد أن جفَّ البحر؟!

قد يبدو سؤالي لك صادماً بعض الشيء، فمن الطبيعي أن أواسيك كما يفعل الجميع وأجفف دموعك، وأطيب خاطرك بكلمات على شاكلة: "لا تحزن ولا تبتئس وكفاك أنك حاولت..هكذا حال الدنيا.. يكفيك ما فعلت"، وغيرها من كلمات المواساة في مثل هذه الظروف، ولكني سأفعل غير ذلك، وسأعيد السؤال على مسامعك: "وماذا بعد أن جف البحر؟"، ماذا ستفعل؟ وما القرار الذي اتخذته؟ وما الخطوة القادمة؟ وكيف ستبدأ من جديد؟

هل ستظل يا صديقي تلعن حظك العثِر وتلوم الشمس الحارقة التى جفَّفت بحرك؟ أم ستلوم التربة التى ابتلعت ماء البحر وغيض فيها؟! أم ستؤنِّب نفسك على انشغالك ببناء السفينة وعدم ملاحظتك للبحر وهو يجف؟ أم ستلوم الآخرين الذين لم ينصحوك ولم يحذروك من جفاف البحر؟ أم ستظل هكذا حزيناً كئيباً لا تملك سوى البكاء على حالك وما صرت إليه وتنهمر دموعك على فوات الفرصة وجفاف بحرك؟!

إذا كنت لا تعرف ما عليك فعله فدعني أساعدك وأدلك على الطريق الصحيح، إن أفضل ما تفعله الآن بعد جفاف البحر هو أن تبحث عن بحر غيره.

نعم.. ابحث عن بحر غيره، وواصل البحث والدأب في كل مكان دون كلل أو ملل، ومن يدري فلربما وجدت بحراً غير بحرك أوسع منه، وأهدأ منه، وأفضل منه حالاً، وعليك أن تنظر للجزء الإيجابي من الواقعة، فلقد أتممت بناء سفينتك -خبراتك- وأصبحت جاهزاً الآن للإبحار في أي وقت وتحت أي ظروف.

وإذا لم تجد بحراً -مع ضعف الاحتمال- فتأكد أن السماء ستمطر وستحمل سفينتك الأرض التي تقف عليها.. فهيا يا صديقي.. ابحث عن بحر غيره، ولا تستسلم للعجز والإحباط، وتذكر قول الشاعر: إذا لم تستطِع شيئاً فدعه ** وجاوزه إلى ما تستطيع

وتأكَّد أن الله لا يضيع أجر مَن أحسن عملاً.

وقبل أن تكون نصيحتي لك يا صديقي فهى موجهة لكل من جفَّ بحرُه، إلى كل مَن فقد عملاً، إلى كل مَن فقد حلماً، إلى كل مَن فقد حباً.. إليهم جميعاً أقول: لا تستسلموا لجفاف بحوركم، ولا تجعلوا اليأس يتملك من قلوبكم مثلما فعل صاحب السفينة الذي ظل ساكناً دون حراك يتحسر على جفاف البحر، وكاد يزهق روحه حزناً وكمداً جراء خيبة الأمل.

وإذا جف لكم بحر، فالبحور كثيرة، ورزق الله ما له من نفاد، فابحثوا دون كلل أو ملل، ولا تخشوا شيئاً، واعلموا أنه من يتهيب صعود الجبال يبقى أبد الدهر بين الحُفَر.

ومن اليوم وصاعداً إذا جفَّ لكم بحر فليسأل كل منكم نفسه:
وماذا بعد أن جفَّ البحر؟!

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.