المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد بن عمران Headshot

رمضان يعود إلى "بني غازي" بعد أن غاب عنها سنوات ما بعد الثورة

تم النشر: تم التحديث:

بمجرّد قرب حلول شهر رمضان، تبدأ الحياة في بنغازي بأخذ اتجاهٍ آخر يجعل رمضان فيها جميلاً ومهماً، فيبدأ الناس بتجهيز أنفسهم لقضاء شهرهم المفضَّل كما يجب، سواء بتنظيمهم لجداول تمنحهم الوقت لقراءة القرآن والتقرّب من الله عزّ وجل، أو تجهيزهم حاجيات الطبخ والأكل التي يعتبرها الكثير في بنغازي طقوساً رمضانية لا يمكن أبداً الاستغناء عنها؛ لذا في بنغازي.

كان يبدو كلّ شيءٍ في رمضان مقدساً، فالروتين مقدّس، وبعض الفعاليات والنشاطات مقدسة أيضاً، ومنذ أن صرت أقضي شهر رمضان وأنا على دراية بكل ما يحدث من حولي، صرت أجد أن طابع هذا الشهر محفز كبير للسكّان، والروتين بالطبع يختلف بين الفرد والآخر، الأسرة والأخرى
، ولكنَّ ما يتفق عليه هؤلاء جميعاً، أنَّ رمضان هو الشهر الذي نعيد في حساباتنا جميعاً، سواء ما إذا كان أحدهم مقصراً في حق عبادته وواجباته تجاه دينه، أو مهملاً لنفسه وعمله وأحبابه، ولهذا يبدو رمضان هو الشهر الذي يعيد لسكّان مدينتي بنغازي رؤيتهم لكثير من الأمور الحياتية الهامّة.

منذ عام 2011 والثورة التي صارت في البلاد، أصبحت بعض الأمور مختلفة حقيقةً بالمدينة، ولم تستقر المدن الليبية الكبرى، وبنغازي إحدى أكثر المدن التي حظيت بانقلابات عديدة جداً، فالقاعدة الشعبية الموجودة بالمدينة تحظى بتعامل مختلف مع بعض سلوكيات المسؤولين ومع بعض ما يحدث بالمدينة من فوضى ودمار. قبل سنتين منذ الآن، لم تستقر المدينة أبداً، ومرّت بعددٍ هائل من الانقلابات على الصعيد السياسي والعسكري أيضاً، وصارت في المدينة حرب كبيرة لم تنتهِ لغاية اللحظة.
فصار ومع الأسف شهر رمضان عامي 2013 و2014 غريباً لا مستقراً، وعامله سكّان المدينة معاملة عادية لم نعتد عليها من قبل، وهذا طبيعي جرّاء ظروف القتال والنزوح وإغلاق العديد من الطرق الرئيسية في المدينة، ناهيك عن الوضع النفسي الصادم لسكّانها البسطاء الذين اعتادوا رمضاناً هادئاً يمارسون خلاله تلك الطقوس الجميلة والممتعة، فشهر رمضان بالنسبة لبنغازي الشهر المفضَّل دون أدنى شك.


هذه المرّة الأمور أصبحت مختلفة كثيراً، فالظروف رغم أنها لم تعد كما كانت في السابق، فإن حال المدينة أصبح أفضل من السنوات القليلة الماضية بكثير، فالحرب أصبحت قاب قوسين أو أدنى من أن تنتهي، وافتتحت العديد من طرق المدينة الرئيسية، ورجع معظم سكّان المناطق الكبرى في المدينة، كالليثي وبوعطني والهواري؛ لذا شهر رمضان هذا العام بظروفه الأفضل حالاً أعاد للمدينة طقوسها الرمضانية الخاصّة.

فعادت النشاطات الرياضية التي حظيت دائماً بجمهورٍ واستقبال كبير، حيث كرة القدم هي الرياضة الأولى بالنسبة للبناغزة، فيتم خلال شهر رمضان التنسيق وإنشاء دوريات كبرى يحتضنها عدد من المناطق المعروفة بالمدينة، وهذه الدوريات مقسمة على أوقات مختلفة، بعضها للأطفال، وبعضها الآخر للشباب والكبار، بحضور أسماء كروية معروفة بالوسط الرياضي على مستوى ليبيا، وهذا ما يجعل دوريات رمضان مختلفة جداً بالمدينة، وبنغازي تتفنن في احتضان هذه الفعاليات.

من المعتاد أن يكون أهل بنغازي محبّي الخير ولهم حملات تبرعات كُبرى بالمدينة، فبغض النظر عن موائد الرحمن التي تنظمها كل منطقة بالمدينة لإفطار الصيام المحتاجين وغيرهم، تقوم بعض المجموعات المستقلة أو غير المستقلة بتنظيم فعاليات رمضانية تهتم بمساعدة المحتاجين، سواء بالشهر أو بفترة العيد أيضاً.
وعودةً لموائد الرحمن، فهذا العمل يعتبر اعتيادياً على أهالي المدينة، ومن موائد الرحمن الشهيرة ببنغازي، مائدة رحمن "البركة"، تعدّ هذه المائدة من أقدم موائد الرحمن بشهر رمضان بمدينة بنغازي، ومنذ كنت صغيراً بالسن، وأنا أرى فاعلي الخير قائمين عليها.

هذا الشهر صار سكّان بنغازي يهتمون كثيراً بمبدأ مساعدة المحتاج والتبرع ولو بأقل الإمكانيات، فحظيت بعض المؤسسات بأفكار تحتضن هذا الجانب، ومن الأفكار التي أحببتها وصرت أحد أفرادها، تلك الفعالية القائم عليها مجموعة من طلبة جامعتي بنغازي والعرب الطبية، والتي تضم إفطاراً وسحوراً جماعياً؛ حيث دخولك له رسوم بسيطة تذهب تبرعاً منك للمحتاجين كعيدية لهم، كما أنَّ فترة السحور تضمن العديد من الأنشطة الترفيهية والثقافية، ومثل هذه الفعاليات تُلقي بالأسلوب التقليدي في التبرع ومساعدة الآخرين، وتذهب بعيداً آتية بأفكار مبتكرة تحبب الناس في مفهوم التبرع، وكيف له أن يكون مفيداً للمتبرع ومرضياً لبعض النفوس الضعيفة.

أضافت بنغازي لشهرها المفضَّل "رمضان" رياضة أُخرى حظيت باهتمام شعبي كبير في الآونة الأخيرة، فصار بعض الشباب ينظمون فعاليات رياضية مختصة بلعبة الملاكمة، كنوعٍ من ترسيخ هذه الرياضة من جديد في المدينة، ومن الواضح أن رمضان هو الشهر الذي يكون فيه البنغازي متفرغاً لا يأبى إلا أن يتفرج ويستمتع مضيعاً بعض الساعات حتّى لا يشعره الصيام بالتعب والإرهاق.

بنغازي هذه السنة تستقبل رمضان بأسلوبٍ جديد، لا يمكنني مقارنته بشهور رمضان القديمة، إلا أنّه أفضل بكثير من رمضان السنوات القليلة الماضية، فرجوع بعض سكّان المدينة لبيوتهم، وفتح الطرق الكبرى المغلقة بالمدينة، جعل بنغازي مستقرةً بعض الشيء، وأصبح الناس يمارسون طقوسهم المحببّة، عبادةً، ورياضةً، ولا يمكنني وصف شهر رمضان بالمدينة أكثر من أن بنغازي تحب أن تمارس الرياضة بشكلٍ مهووس برمضان، بغض النظر عن العديد من الطقوس الأخرى التي لا يمكنني أبداً سردها في عُجالة، لكنَّ الرياضة ورمضان هما رفيقا الأسلوب البنغازي الخاص.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.