المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد باشوش Headshot

السياسة في بلادي.. داوِنِي بالتي كانت هي الداء

تم النشر: تم التحديث:

صيف الجزائر السياسي لم يكن ساخناً، ولن يكون كذلك خريفها، فنحن نعيش حالة "الستاتيكو" المرهقة إلى درجة الرعب، لم نعد نسمع كلاماً في السياسة يمكن أن يوصف بالجاد والمسؤول حتى يخيل للواحد منا أن الزمن توقف، وأن الجميع ينتظر المجهول.
الحكومة يبدو أنها "تُصرّف" الأعمال بعيداً عن الاستشراف والخطط المستقبلية؛ إذ كيف نفسر غياب نقاش حقيقي حول المنظومة التربوية في حين أن الحكومة تتغنى بإطلاق الجيل الثاني من الإصلاحات مثلاً؟ وكيف نفهم حديثاً عن نموذج اقتصادي جديد للبلاد تُجهل ركائزه ناهيك عن تفاصيله؟!
هذا حال الحكومة، أمَّا الأحزاب عندنا فإن اجتمعت فعلى عزاء، وإن تفرقت فبسبب الولاء، أما أن تجمعها البرامج فبلوغ ذلك حقاً كمن يطمع في السير مشياً إلى السماء..

ليس من عادتي أن أتشاءم، ولست هنا لأدفع بالقارئ للتشاؤم..
المحارب ما استراح وما أراح
في صيف 1962، استقلت الجزائر وطهرت الأرض من غزاتها وراح الشعب يعبر عن فرحه في الشوارع، وهو يغني" يا محمد (رسول الله صلى الله عليه وسلم) مبروك عليك الجزاير رجعت ليك".
لكن بالمقابل لم يكن لقادة الثورة آنذاك ممن بقي على قيد الحياة وقت للفرح والتجوال في أنحاء البلاد الطاهرة، فبعضهم لم يدخل إلى أرض الوطن أصلاً، أما الذين دخلوا فلم يضعوا أسلحتهم وكاد الصراع بينهم حول الحكم يشعل فتيل الحرب من جديد، لكن الشعب صاح فيهم "سبع سنين بركات".

منذ ذلك الصيف، والصراع حول السلطة في بلادي يأخذ أشكالاً مختلفة، وأنا لست هنا لأسرد أحداث الماضي ولا لأصدر الأحكام حول تاريخ الجزائر المستقلة، لكن الذي يستوقفني هو أن الصراع على الحكم لا يزال إلى يومنا هذا يتم باسم "الشرعية الثورية" إما قولاً أو فعلاً..
وبالمقابل كثيرة هي القضايا التي لم تحسم منذ الاستقلال والتي حُسمت، حُسِم فيها العنوان، واختلف في المضمون إلى درجة الاقتتال أحياناً..
لن يخرج من السرداب

كيف لشعب آمن بثورة التحرير، أن لا يؤمن بثورة البناء ودخول التاريخ ولعب الأدوار الأولى فيه. كيف لنا أن نسمح باستمرار الصراع على الحكم بعيداً عن مباركة الشعب.. نحتاج لأن نمسح الغبار عن أفكارنا فلا يحق لنا أن نلوم أو أن نتذرع.
إن كانت السياسات المنتهجة منذ الاستقلال لم تفلح، فلن يكون هناك بديل عن السياسة إلاّ السياسة.. على الشعب أن لا يستقيل من الفعل السياسي بحجة أن السياسة "قذرة" وأن السياسة "للانتهازيين والوصوليين".

كيف نصلح حالنا؟ كيف نصلح اقتصادنا؟ كيف نوفر لأبنائنا تعليماً راقياً؟.. كيف يضمن الشعب وحدته ويحمي ثوابته وقيمه؟..
الوطن للشعب وليس لمن يحكمه؛ لذا علينا أن نؤمن بأنه لا يوجد مخلِّص يُنتظر، لن يخرج من السرداب..
على الشعب أن لا ينسى أنه في كل مرة يشتد فيها الخلاف بين أجنحة السلطة، يدفع فاتورة غالية جداً؛ لذا عليه أن لا يسمح بتكرار ذالك.

السياسة هي الداء.. والدواء
العالم يتغير من حولنا بسرعة الضوء وقد نخرج من التاريخ والجغرافيا في أي لحظة، علينا جميعاً الانخراط في الفعل السياسي كل من موقعه، طبعاً ليس على كل مواطن ممارسة نشاط سياسي مباشر، ولكن عليه أن يؤدي واجب المواطنة كاملاً، فلم يعد مسموحاً الانعزال أو الابتعاد عن المشاركة في صنع السياسات وإقرار البرامج..
إن كانت التجربة السياسية في الجزائر تبعث على اليأس والقنوط عند الكثيرين، فليس أمامنا إلا البحث عن بارقة أمل في قادم الأيام ولو كانت انتخابات بائسة. فالشعب وحده من يملك القدرة على تغيير مجرى التاريخ والشروع في عهد البناء والمسؤولية.
بالرغم من سوء السياسات والساسة في كثير من البلدان فإن عملية الإصلاح -كما أعتقد- لن تتم إلاّ بطرق سياسية جديدة وفاعلة، ولن يتأتى لنا ذلك إلا إذا جعلنا مصير الحاكم بأيدي الشعب.. وتلك هي السياسة.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.