المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد باشوش Headshot

ماذا لو رحل "فخامته" إلى الجنّة وتركنا في "الجحيم"؟!

تم النشر: تم التحديث:

يعيش الجزائريون هذه الأيام على وقع تصريحات "مرعبة" للوزير الأول أحمد أويحيى حول الوضع الاقتصادي للبلاد.

أويحيى يريد إقناع الشعب بأنه العبد الضعيف الذي سيسهر على تطبيق حل سحري أبدعه "فخامة" الرئيس، وأن هذا "الإبداع" أنقذ البلاد والعباد من "الوقوع في الجحيم"؛ لذا فالشعب مطالب "بأن يحمد الله" على نعمة وجود "فخامته بيننا"!

صراحة كنت أود أن أكتب عن ذكرى الاستفتاء حول "ميثاق السلم المصالحة الوطنية" الذي عرض على الجزائريين للتزكية في 29 سبتمبر/أيلول 2005، لكنّ تسارع الأحداث و"هيجان" الوزير الأول أمام نواب الشعب دفعني للإيجاز حول الموضوع حتى أنتقل للأهم، خاصة أن أويحيى قال: "إننا في جحيم!".

لذا لجأت لرسالة الراحل عبد الحميد مهري التي وجهها للرئيس بوتفليقة بخصوص "ميثاق السلم المصالحة الوطنية"، ومَن يعرف الراحل مهري يدرك جيداً أن الرجل إن تكلم أسكت.. وربما "أوجع" لما عرف عنه من صدق ووطنية ونبل.

ومما جاء في الرسالة: "إن التقليص من العنف، ورفع المظالم، والتخفيف من معاناة المتضررين من الأزمة وضحاياها، مساعٍ يؤيدها كل عاقل، ولكنها لا تعوّض التغيير السياسي الذي كان مطلباً ملحّاً عند اندلاع الأزمة ولم يزده استمرارها وتطوراتها إلا إلحاحاً وأهمية".

الله غالب.. إنّنا في جحيم!

أمام نواب الشعب، لم يجد أحمد أويحيى من حرج أو "حشمة" ليصيح ويرفع صوته قائلاً: "الله غالب إننا في جحيم.." نعم الوزير الأول المساند لبرنامج "فخامة" الرئيس الذي يسهر على تطبيقه منذ 1999 حسب الموقع والمنصب الذي يوكل له في كل مرة، يقول: إن البلاد وصلت إلى الجحيم؛ لأن خزينة الدولة صارت فارغة ولا تكفي لسداد أجور العمال شهراً واحداً.. نعم والله لقد قالها!

بل زاد الرجل فوق هذا وقال: إن "الموس وصل إلى العظم" (ويقصد أن السكين غرزت إلى أن لامست العظم.. كناية عن الكارثة التي حلت بالبلد)!

صحيح أنني كتبت قبل أيام مقالاً تهكمياً في حق أويحيى (عودة أويحيى وبداية إسقاط النظام الجزائري)، لكن ما أكتبه الآن هو كلام الرجل حرفياً، وحتى أكون "أميناً" في النقل عنه سأضيف أن الوزير الأول أويحيى ختم كلامه بما يثلج الصدر -صدر رجال ومساندي فخامة الرئيس طبعاً- بأن قال: "والحمد لله، فخامة الرئيس جاء بحل شجاع ليجنب البلاد الجحيم"!

من أوصل البلاد لهذا "الجحيم"؟

الأكيد أن المسؤول عن الجحيم الذي كدنا أن نخلد فيه ليس "فخامة" الرئيس، والأكيد أيضا أن انهيار الاقتصاد الوطني والعجز عن دفع رواتب الموظفين ومعاشات المتقاعدين وكل أنواع العذاب التي كاد الشعب يعانيها في "هذا الجحيم" ليست من نتائج سياسات "فخامة" الرئيس.

إذن مَن المسؤول؟
لم يعد مهماً أن نجد مَن يجيب عن هذا السؤال، ما دام "فخامة" الرئيس قد أبدع لنا حلاً لو تفطنت له البشرية قبل اليوم لعاشت في نعيم الدنيا بدل انتظار نعيم الآخرة..

ما هو الحل؟
ليس مهماً أيضاً أن نعرف تفاصيل الحل، ما دام الحل من أفكار "فخامة الرئيس"! التي نقلها لنا وزيره الأول، طبعاً لأن الرئيس منذ زمن اختار أن يكلمنا عبر "الرسائل" وللأمانة وبعض الصور أيضاً.

الحل يا صديقي هو "طباعة الأوراق النقدية" لملء "بيت مال الجزائريين".

تهويل اقتصادي تمهيداً لـ"خبث" سياسي

الأنظمة البالية تتشابه، وليس صعباً أن يتفطن الشعب لحيلها، لكن ما دامت الشعوب راكنة مذعورة من هول "جحيم محتمل"، فأن تتفطن أو تتغابى ستكون النتيجة واحدة..دوام الأنظمة وزوال الشعوب.

ما تعيشه الجزائر هذه الأيام من تهويل اقتصادي ليس بريئاً، ولا يمكن أن يكون إلا مرحلة في خطة مُحكمة لإدامة حكم "الفخامة".

فالثلاثية معروفة ومجربة، خوف شعبك من فقر مدقع، ومن سكين "موجع".. ثم أخرج لهم المنقذ المبدع.

نعم إن أحمد أويحيى رجل "المهمات القذرة" (وهو وصف يحمل على معناه السياسي لا الشخصي)، ومهمته اليوم هي خفض الاهتمام السياسي للمواطنين عن طريق ترويعهم اقتصادياً حتى تتفرغ الجماعة الحاكمة لنسج خططها المستقبلية في إبقاء حكم الفخامة لأكبر مدة ممكنة.

سيتطاول أويحيى في الأيام القادمة أكثر وسيجرؤ على الترويج لضرورة تمديد حكم الرئيس بوتفليقة لسنة أو سنتين حتى تتمكن البلاد من تجاوز أزمتها الاقتصادية.

سيخرج علينا ذات صباح ليقول لنا بأن الواجب الوطني يقتضي تمديد الولاية الرابعة للرئيس حتى تنجو البلاد ولا تسقط في "الجحيم".. نعم أتوقع أن يتجرأ الوزير الأول أحمد أويحيى ويقول إن "الديمقراطية اللي ما توكلش الشعب الخبز ينعل بوها ديمقراطية".. فالذي يتجرأ ويقول: "إن الخبراء الاقتصاديين دورهم هو الكلام فقط لذلك لا نهتم لهم"، يمكن أن يقول ذلك وأكثر.

لكن.. في حال غادرنا "فخامته" إلى الجنة (فمن حقه أن يرفض البقاء معنا في هذا الجحيم وله أن يختار من جنان الأرض سويسرا مثلاً أو إمارات "أولاد زايد").. حينها سيطل علينا أويحيى "البطل" ليقول لنا: إنّ "فخامته" أوصى بالبلاد خيراً، وأن الخير في "الشقيق"!

وإن تعالت الأصوات بالاحتجاج سيرد علينا أويحيى: "الله غالب وصل الموس للرقبة".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.