المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

	محمد عطا Headshot

"التفكير الاستراتيجي" فريضة إسلامية

تم النشر: تم التحديث:

لفت العقَّاد (رحمه الله) النظر إلى أهمية التفكير في الإسلام بل إلى فرضيته، وأضاف فوزي طايل (رحمه الله) بُعْدًا آخر، حيث لفت الأنظار إلى أهمية التفكير أيضاً ولكنه ليس مجرد التفكير العادي الذي أشار إليه العقاد، بل نوع آخر من التفكير هو أحدث ما وصل إليه البشر وهو التفكير الاستراتيجي.

ففي كتاب "التفكير فريضة إسلامية" للعقَّاد، اهتم في العنوان الأول منه "فريضة التفكير في الشريعة الإسلامية" بالإشارة إلى أن من مزايا الشريعة التي لا تختلف فيها الآراء هي مزية التنويه بالعقل في آيات كثيرة من آي القرآن الكريم، التي لا تذكر العقل إلا في مجال التعظيم، ووجوب إعماله.

ومن خصائص العقل عنده أنه: وازعٌ، ومدركٌ، ومتأملٌ، وراشدٌ، والرشد أعلى خصائصه، والإسلام يخاطب كل هذا في العقل، وبعد ذكر الآيات التي تخاطب كل جانب من جوانب العقل خلص إلى تقرير فريضة التفكير في الإسلام، ويرى أنه لا عذر لتعطيل العقل لأي مانع من الموانع التي حصرها في: عبادة السلف (العُرف)، والاقتداء بأصحاب السلطة الدينية، والخوف المهين من أصحاب السلطة الدنيوية.

ويختم بهذا النص الجميل: "وصفوة القول أن الإسلام لا يعذر العقل الذي ينزل عن حق الإنسان رهبة للقوة، أو استسلاما للخديعة، ولا حدود لذلك إلا حدود الطاقة البشرية ولكنها الطاقة البشرية عامة كما تقوم بها الأمم، ولا ينتهي أمرها بما يكون للفرد من طاقة لا تتعدَّاه".

وفي كتاب "كيف نفكر استراتيجياً" لفوزي طايل مبحث سمَّاه "ضرورة الفكر الاستراتيجي لنهضة الأمة" والذي أدرجه تحت فصل "الاجتهاد الفكري فريضة"، ويقصد بالاجتهاد الفكري: "بذل غاية الطاقة العقلية الممكنة للوصول إلى حكم من الأحكام في مسألة بعينها، لا يحكمها نص قطعي الدلالة، وذلك إلى أن يشعر المجتهد بالعجز عن بذل المزيد من الطاقة العقلية ويغلب لديه الظن أنه أصاب الحكم الصحيح".

وبيَّن أهمية الاجتهاد الفكري في حفظ قدرة الأمة الإسلامية على التطور والتعامل مع متغيرات الزمان والمكان، والاستعداد لمواجهة الأمور المستقبلية والتخطيط لذلك، وغياب التفكير يحدث أمورا خطيرة منها فراغ فكري تملؤه الأحكام الوضعية والبشرية بالهوى والقيم المستوردة. وذهب بعد ذلك إلى القطع بأن "الاجتهاد الفكري فريضة يدل عليها العقل والمنطق فضلا عن النص والاجتهاد".

وتحت عنوان "الاجتهاد الفكري عمل إنساني" أكد أن الاجتهاد الفكري مع أن ضابطه هو القرآن والسنة والإجماع فإنه يظل عملا إنسانيا تحده القدرة العقلية للمجتهد، الذي يشترط له الإلمام بكثير من العلوم التي تكوِّن لديه ملكة قوية، ثم ربط بين الاجتهاد الفكري والتفكير الاستراتيجي بقوله: "ينتج عن هذا كله أنه يجوز للمجتهد أن يجتهد في مسألة دون أخرى، ويجوز أن تجد في الأمة من لديه تصور اجتهادي شامل للأمور (فكر استراتيجي شامل)، كما أنه من الطبيعي أن نجد الاختلاف في نتائج اجتهاد العلماء في المسألة الواحدة، على الرغم من التزام كل منهم بأصول الشريعة وكلياتها ومبادئها العامة".

وتحت عنوان" الاجتهاد الفكري في عصرنا" ذكر أنه قد وضع البعض سياجا عاليا من الأسلاك الشائكة حول ميدان الاجتهاد، وحرَّموه على أنفسهم، ولم يبيحوا إلا النقل وشرح اجتهادات علماء تغيَّرت ظروف اجتهادهم ومضت عليه السنون، بل حرَّموا الاجتهاد على غيرهم أيضا بحجة قصور الهمم وتقاصر العزائم عن البحث والتنقيب؛ فتخلَّفت الأمة بركود الفكر أحقابا كثيرة.

وبعد ذلك خلص إلى العنوان الذي يعنينا "ضرورة الفكر الاستراتيجي لنهضة الأمة"، والذي عرَّف فيه الفكر الاستراتيجي بأنه "التخطيط بعيد المدى الذي يتم فيه الربط بين الأهداف والإمكانات المتاحة".

وأما عن أهميته فإنه أصبح الوسيلة التي تحقق بها الأمم أمنها، فعلى كل أمة تريد تحقيق أمنها وبقاءها أن تضع لها غاية ومجموعة من الأهداف المتناسقة المترابطة بعيدة المدى، وأن تحشد قواها السياسية والاقتصادية والعسكرية والحيوية أي البشرية والجغرافية والتكنولوجية، وأن تستنهض إرادة أبنائها من أجل تحقيق هذه الأهداف؛ أملا في بلوغ الغاية. ومن القرآن يمكن استشفاف غاية الأمة الإسلامية وأهدافها بعيدة المدى.
وأرجع سبب تخلف الأمة رغم إمكاناتها العريضة إلى أربعة أسباب هي:

-انفصال الأمة عن شريعتها ومنهجها.

- وعدم وضوح منظومة القيم الإسلامية في النفوس واختلاطها بغيرها من الأمور الفاسدة.

-وعدم وجود أي فكر استراتيجي إسلامي شامل يتعامل مع المستقبل.

- وتغييب إرادة التغيير والنهوض بل والإرادة بشكل عام.

ونلاحظ أن اللواء فوزي طايل (رحمه الله) أشار إلى فرضية الاجتهاد وإلى أنه عمل إنساني يحتاج لثقافة موسوعية، وأنه قابل للخطأ وللاختلاف، ولكنه جعل التفكير الاستراتيجي ضرورة فقط ولم يجعله فريضة؛ ربما خوفا من عدم استيعاب طائفة من الإسلاميين مغلقي باب الاجتهاد للأمر، واتهامه باتهامات باطلة، خاصة وأن التفكير الاستراتيجي في ذلك الوقت لم يكن معروفا لغير أهل الاختصاص والسياسة.

ولكننا جمعًا بين وجهتي النظر، العقادية والطايلية، يمكننا التقرير بأن "التفكير الاستراتيجي فريضة إسلامية"؛ لأن من فوائده - على سبيل التمثيل لا على سبيل الحصر - أنه:

- لا يتم واجب نهضة الأمة إلا به وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

- يحقِّق الأمر الإلهي باستخدام العقل، كما أشار العقاد (رحمه الله).

-يحيي إرادة النهضة في الأمة من جديد، كما أشار اللواء فوزي طايل.

- يحفظ قدرة الأمة الإسلامية على التطور والتعامل مع متغيرات الزمان والمكان والاستعداد لمواجهة الأمور المستقبلية والتخطيط لذلك، كما قال اللواء فوزي طايل (رحمه الله).

- يجمع الأمة على المقاصد والأولويات العليا.

-يقلل من فجوة الخلاف في القضايا الجزئية.

- يرشِّد الجهود المهدرة في العمل الدعوي الإسلامي.

-يساهم في إعادة إحياء المسؤولية الفردية، ويعلم كل فرد دوره.

-يرتب المعرفة الإسلامية مترامية الأطراف والتي يصعب حصرها.

- يساعد على حصر أمراض الأمة بشكل دقيق.

- يساعد على وصف العلاج بشكل دقيق.

- يتيح المرونة في التعامل مع العقبات والتحديات.

- ينهي القطيعة المعرفية بين المشاريع الإصلاحية الإسلامية الكثيرة، ويتيح الاستفادة من ميزاتها وتجنب الأخطاء التي وقعت فيها، وذلك عن طريق قراءتها قراءة استراتيجية، وقد قدَّمت - بعون الله - نماذج هادية في هذا المضمار، منها: "استراتيجية المقريزي للإصلاح الاقتصادي"، و"استراتيجية دفع الاستبداد عند الكواكبي"، و"اللَّبِنَة الناقصة في مشروع البنَّا الإصلاحي".

- يحول المسلمين من الجدل إلى العمل.
- يتيح التفهم لمخططات أعداء الأمة وعدم الاغترار بالتكتيكات الجزئية الإلهائية التي يقومون بها والتركيز على أهدافهم الاستراتيجية وإحباطها.

ويجب ألا تحصر معرفة التفكير الاستراتيجي في نخبة قليلة من رجال الأمة وكأنه كهنوت، بل يجب أن تشيع منهجيته وطريقته بين أبناء الأمة جميعا كبيرها وصغيرها، متعلمها ونصف متعلمها، كلٌّ حسب قدرته، وإلا فَقَدَ أهميته، ووسائل التعرف على خطواته متاحة ميسورة على(you tube).
ومن الكتب التأسيسية في ذلك "التفكير الاستراتيجي" لطارق السويدان، وكذلك "التفكير الاستراتيجي والخروج من المأزق الراهن" لجاسم سلطان، ومن الكتب التطبيقية المتقدمة في ذلك "كيف نفكر استراتيجياً" للواء فوزي محمد طايل، و"الاستراتيجية الأمريكية للقرن الحادي والعشرين" لأناتولي أوتكين، وغيرهم.

وأختم بمقولتين عن أهمية التفكير والتخطيط الاستراتيجي للأمة الإسلامية: أولاهما مقولة اللواء فوزي طايل (رحمه الله): "ومن يعتزم السير في دروب الحياة فعليه أن يحمل معه ما يهديه إلى الطريق الآمن والأصوب لبلوغ هدفه، ذلك هو الفكر الاستراتيجي الإسلامي الخالص، أي الاهتمام بعظائم الأمور ووضع التخطيط بعيد المدى لبلوغ أهداف الأمة".

وثانيتهما لماجد عرسان الكيلاني في كتابه "هكذا ظهر جيل صلاح الدين وهكذا عادت القدس"(ص312-313) يقول فيها: "ما لم يتزاوج الإخلاص مع الاستراتيجية الصائبة في تعبئة الموارد والقوى البشرية في الأمة فإن جميع الجهود والطاقات سوف تذهب هَدَرًا على مذابح الصراعات الداخلية وتؤول إلى الفشل والإفلاس".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.