المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

	محمد عطا Headshot

لماذا فشل مشروع المَقريزي الإصلاحي؟

تم النشر: تم التحديث:

نمط نادر في تاريخ الفكر الإسلامي، ذلك هو نمط الإصلاح الاقتصادي، فلا يوجد في تاريخنا من اهتم بهذا الجانب من جوانب الإصلاح -حسب اطلاعي- غير المقريزي (ت 845هـ) وطلعت حرب (ت 1941م) رحمهما الله.

وقد أودع المقريزي نظرته الإصلاحية في جانب النقود والموازين والمكاييل في ثلاثة كتب؛ الأول وهو الأصل في استراتيجيته الإصلاحية كُتَيِّب صغير مُرَكَّز سمَّاه "إغاثة الأمة بكشف الغُمَّة"، وهو السابق تأليفاً على الشذور والأكيال؛ حيث ألف عام (808هـ)، والثاني "شذور العقود في ذكر النقود"، الذي أَّلفه في حدود (818 - 819هـ) في عهد المؤيد شيخ لإصلاح المنظومة النقدية بناء على طلبه.

والثالث كتاب "الأوزان والأكيال الشرعية"، حقَّق فيه المكاييل والموازين في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، مثل: الدرهم، والدينار، والمثقال، والدانق، والقيراط، والأُوْقِية، والنَّشِّ، والنَّواة، والرَّطل، والقِنطار، والمُدُّ، والصَّاع، والفَرَق، والعِرْق، والوَسَق، والقَفِيز، والإردَبِّ، والنَّصِيف، والقسط.

وخلاصة رؤيته الإصلاحية أن سوء السياسة النقدية هو سبب الأزمة الاقتصادية في مصر التي وقعت بين عامَي (796هـ) و(808هـ)، والخروج منها يكون عن طريق إعادة قيمة الدينار الذهبي والدرهم الفضي، وتأخير الفلوس النحاسية للأغراض الصغيرة، بدلاً من أن تحل الفلوس محل الدينار والدرهم فتسبب تضخماً.

ولم أجد -حسب اطلاعي- من اهتم بتتبع تأثير مشروع المقريزي الإصلاحي وهل طبق على أرض الواقع أم لا؟ ولماذا؟ فقد كان المقريزي يوجه كلامه للسلطان فرج بن برقوق، وقد ألف كتاب "الأوزان والأكيال الشرعية" بناء على طلبه، كما قال في أوله، مما يعني أنه كانت هناك رغبة عليا في تطبيق نظرته الإصلاحية، وهذا أمر لم يتوافر لغالب المشاريع الإصلاحية.

وبالفعل قد ذكر التاريخ أن السلطان فرج بن برقوق حاول عام (811هـ)، أي بعد تأليف كتاب "كشف الغمة" بثلاث سنوات، أن يحسِّن حال النقد، فأصدر الدنانير الناصرية بوزن العملة البندقية "الدُّوكَات البُنْدُقيَّة"، التي راجت في مصر في هذا الوقت، ولكنَّه فشل لعدة أسباب:
-رواج الدُّوْكات البندقية، وحرص الناس على كنزها، لتمام استدارتها وثبات وزنها حيث كانت تزن (3,49) غرام، ووجد منها قطعاً تزن (3,55) غرام تحتفظ بها مكتبة الإسكندرية، ولحلاوة لونها؛ حيث كانوا يخلطونها بنصف قيراط من النحاس مقابل (23,5) قيراط من الذهب لتعطي صلابة ولوناً أصفر مائلاً إلى الحمرة.

- قلة الذهب الوارد إلى دار الضرب الذي يمكن أن تعتمد عليه الدولة في تحسين حجم ونوعية نقدها، بسبب استيلاء الأوروبيين على مناجم الذهب في عمق إفريقيا، ونقلها إلى بلادهم.

ولم تكن هذه هي المحاولة الأولى للسلطان فرج بن برقوق، فقد حاول عام (804ه)، أي قبل أن يؤلِّف المقريزي أيّاً من كتبه الإصلاحية الثلاثة السابقة، ولكنه كان في الحسبة في ذلك الوقت؛ حيث سكَّ الدنانير السالمية بوزن (4,25) غرام، ولم تنجح لعدة أسباب:

- لعدم كفاية كميات الذهب المطلوبة.
- إضافة إلى كنز الناس لها؛ لأن وزنها زائد عن الدوكات البندقية، (3,49 غرام)، فأخرج الناس المخزون عندهم من الدوكات البندقية؛ ليتعاملوا بها في البيع والشراء، واكتنزوا الدنانير السالمية؛ لأنها تفُوقها في الوزن.

وكان يجب على المقريزي -رحمه الله- أن يستفيد من هذه التجربة في طرحه في كتابه الأول "إغاثة الأمة"، فيذكر المعوقات التي قد تعوق تحسين العملة وكيفية التغلب عليها، لا سيما أنه مرَّت به تجربة أظهرت هذا العائق وتأثيره على إفشال مشروعه الإصلاحي، وإن فاته ذلك فكان عليه أن يذكر هذا المعوِّق وكيفية التغلب عليه في كتابه الثاني "شذور العقود" الذي ألّف بعد هاتين التجربتين.

والذي استفاد من هذه التجارب الفاشلة بذكاء كبير هو السلطان الأشرف برسباي (825 - 841هـ)، ففي عام (829هـ) - أي في حياة المقريزي (ت 845هـ)، ولكنه لم يكن مقرباً من السلطة كما كان في عهد برقوق وابنه فرج- حاول أن يصلح النقد المصري، مستفيداً من الإخفاقات السابقة وأسبابها، فأصدر الدنانير الأشرفية بوزن الدُّوْكات البندقية، ولكنه أعدَّ لكل معوِّق واجه المحاولات السابقة حلاً، حيث:
- تغلَّب على مشكلة قلة موارد الذهب بأن أجبر البندقية على دفع جمارك سلعها بالدُّوكات لإعادة سكِّها.
وصادف ذلك أن انتصر على ملك قبرص عام (829هـ) فحُمِل أسيراً وفُدِي بكميات كبيرة من النقود الذهبية، مما ساعده على سك عملات تكفي حاجة الدولة.

- وتغلَّب على حب الناس لاكتناز العملة الذهبية الأثقل وزناً بحيلتين ذكيتين؛ حيث قلَّل وزن الدينار الأشرفي عن الدوكات البندقية، مما دفع الناس إلى اكتناز الدوكات البندقية؛ لأنها أثقل وزناً، وتداول الدينار الأشرفي. كما حثَّ الفقهاء على إصدار فتوى تحرم تداول نقود الكفَّار لما تحتويه من صور، حيث كانت تحتوي على صورة السيد المسيح على وجه وعلى الوجه الآخر صورة القديس مرقص (انظر الصورة المرفقة).

ورغم هذا التدبير الذكي مرت الدولة في عهده بأزمتين عام (832هـ) و(834هـ)، كما أنه احتكر بعض السلع، مما رفع ثمنها مثل السكر والتوابل والأقمشة، أي أنَّه أصلح من ناحية وأفسد من ناحية.

ورغم هذا الفشل المتتالي نستطيع أن نخرج بنتيجة مهمة، وهي أن الإصلاح الاقتصادي لا يمكن أن يتم في فضاء خالٍ من القيم الأخلاقية.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.