المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد العمري Headshot

يا عرب.. أين المفر من مشرط ترامب؟

تم النشر: تم التحديث:

الفارق الانتخابي الضئيل بين ترامب وهيلاري جاء تحديده من قبل، واتسعت الرؤية مداها، بعد وضوح الصورة الكاملة للفائز بالرئاسة الأميركية مع نهاية اليوم الثامن من نوفمبر/تشرين الثاني، ذلك التاريخ الذي أعاد إحياء الإرث الأميركي، فكانت هي الليلة الصاخبة من ليالي الأرض، كونها جاءت صادمة للعالم في نتائجها النهائية.

ولأن مَن انتزع الفوز هو من كان يخشاه الشرق والغرب؛ لما تحمله شخصيته المضطربة، وأفكاره المجنونة من عواقب سوف تؤثر على مسيرة السلم والسلام في العالم، إذا لم يكبح القانون الأميركي جماحه، أتى ترجيح الكفة لصالح ترامب متأخراً؛ ليرفع صوت اليمين المتطرف فوق صوت الاعتدال المنافس، ويعتلي دونالد ترامب سدة الرئاسة الأميركية محققاً لقب الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة الأميركية.

لقد رَاهَنَت كلينتون في حملتها الانتخابية على صوت النساء الأميركيات فخابت، فَرَاهَنَ ترامب على ما تبقى من أنصاره العنصريين فأنقذه من تهاوي المعبد على رأسه، أتت الكلمة من الناخب الأميركي حاسمة مع سطوع شمس العرب التي تكتسي أرضهم لون الدم؛ ليضيف هذا الواقع الجديد حالة من الشؤم لما ستحمله الأيام القادمة من مفاجآت، ولكن تلك النتائج ستعكس حقيقة المزاج العام للشعب الأميركي في التغيير، وتعزز التوجه السياسي الأميركي المتجدد في أدواته التي لن تخلو من استخدام المشرط الجراحي لتثبيت ألوان الرسم التشكيلي المراد للشرق الأوسط، دون أن يكون هناك أي تدخل مباشر، أو شبهة جنائية.

فالتبعية ستتضاعف أعباؤها على العملاء في المنطقة العربية، وستزداد الضغوط على الشعوب العربية، وعصرها مراراً وتكراراً حتى يتمدد منها الإرهاب على امتداد الرقعة الجغرافية للخارطة العربية، وتأخذ بعد ذلك حزمة الإصلاحات الاقتصادية مسارها بما يخدم النفوذ اليهودي المالي، في مقابل زيادة الخنادق، والأوجاع، والمعاناة داخل المجتمع العربي.

وبالرجوع لأجواء السباق الرئاسي، فمنذ البداية، كانت الجولة الانتخابية لكلا المرشحين متشنجة في أغلب محطاتها، كل منهما كانت له طريقته الخاصة في استمالة الناخب الأميركي، وكان التحدي كبيراً جداً، لم تختفِ فيه عبارات الكره، ولا الاتهامات المتبادلة؛ ليتكشف المزيد من الفضائح السياسية، فيما كان الوطن العربي قد أرعد الخوف أقلامه الليبرالية من صراحة ترامب المفرطة، وعدائيته لكل ما هو غير أبيض، وكذلك آراؤه عن المستقبل والحريات.

فتوقف المحللون عن القراءة لمجريات الانتخابات، واعترت الظنون السوداء عقول الكتّاب الليبراليين، من مساوئ الفكر السياسي لترامب التي سوف تشوه الوجه الجميل لأميركا - وهو ما يقلقهم - لتسبق مقالاتهم الهجوم على ترامب والسخط منه، وأطلقت الأوصاف النكراء على شخصه، وكأن السفينة ما زالت تطفو بهم فوق الماء، وأن أمل النجاة معقود بتحقيق الحلم الذي سيغتاله ترامب إن فاز في السباق الرئاسي، هكذا كان إحساسهم، وتوجسهم في الأيام الماضية من الانتخابات، وكما هي العادة في كل مرة جاء رهانهم على الجواد الخاسر الذي كان في المرشحة الديمقراطية هيلاري.

لكن الشعور العام الشعبوي العربي لم يطرأ عليه أي تغيير، فهو لا يفرق بين ما سيفعله الكابوس ترامب أو الشمطاء هيلاري، فكلاهما على نهج سلفهما الكاوبوي بوش، وما أحدثه من دمار في أرض أفغانستان والعراق، سوف يتكرر مشهده دون شك في موقع آخر، ولن يتراجع كلاهما عن إكمال ما انتهى إليه أوباما من بسط المشروع الصهيوني على أرض الشام، وبقية البلاد العربية.

لقد اعتدنا نحن العرب من قبل أن نحتفل بهذا الإرث الأميركي كنوع من ثقافة الربط بكل ما هو إمبريالي، نستبق فيه بالأماني إرهاصات الانتخابات الرئاسية، كما نسارع بالإفصاح عن المرشح الأقرب إلينا، ظناً منا أنه سيرفع سقف المطالب العربية فوق المصالح الأميركية.

الوضع الحالي أخطر من ذي قبل، لا يحتمل التعويل على كلمة "لا" أو "نعم" فالعرب قد فطنوا السياسة الأميركية، وأصبحوا يدركون أنهم في مرمى الأسوأ، حتى وإن تجاوزت قناعاتهم بقبول أقل الضرر؛ لأن الحقيقة المرة أن نفق التغيير القسري المظلم يضيق بكل فرص الاختيار أو اتخاذ القرار، خصوصاً إذا كان ذلك التغيير يمس مصادر الشريعة الإسلامية، والثقافة الاجتماعية لدى العرب، فعمق الخلاف سوف يتسع، ويتزايد مع جميع الأطياف السياسية في الإدارة الأميركية، وأياً كانت ميول العرب، فلن يكون لدى كل من المرشحين أي حلول لقضايا الشرق الأوسط الشائكة، والمتشابكة بفعل أدوار الجهاز الأمني القومي الأميركي في المنطقة، وإذا كانت ابتسامة هيلاري في عيون العرب تعني الأمل، فهو ليس سوى سراب وليس انفراجاً، ونظنها كذلك، فلا مجال إذن للمراهنة عليها أو على أي مرشح ديمقراطي آخر؛ لأن أجندتهما السياسية ستكون مثقلة بتوصيات اليمين المتطرف الديني، واللوبي اليهودي، وتشديدهما المستمر على مواصلة تطبيق سياسة العصا والجزرة تجاه كل ما هو عربي وسُني.

للأسف، سوف تتجاوب الأنظمة العربية صاغرة مع كل المعطيات الجديدة، التي ستفرضها وقائع الأحوال الاقتصادية والعسكرية للولايات المتحدة الأميركية، وليس من خلال فكر ورؤى ترامب الكارثية، أو كما يسرد دعاة "الليبرتارية" في كل شاردة وواردة صور خيال الغرب للحريات المدنية، وسيستمر اختفاء الصوت الحر داخل المجتمع الأميركي طالما بقي صوت أزيز الرصاص والتصفيات العرقية للعربي السني على أرضه العربية، فاستمرار الخوف في الشرق وتمكينه هدف قومي يتفق عليه السياسي والقسيس في آن معاً، ولا علاقة له بالمخاوف من انتقال الإرهاب المفتعل في الوطن العربي إلى داخل المدن الأميركية.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.