المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد العمري Headshot

الإعلام المصري.. بين ماضٍ وحاضر

تم النشر: تم التحديث:

عندما كانت الصناعة والطباعة تزدهر في أرض الكنانة، كان للإنسان فيها حلم وليد يتماهى مع الانفتاح الفكري، والإصلاح السياسي الذي شهد حراكاً لافتاً في بداية ذلك العهد، وطفرة تنموية حديثة تم استثمارها في ثورة العلم والإعلام؛ لتنتقل فيما بعد إلى مرحلة أخرى من الوعي والمعرفة عبر الصوت المسموع لأول مرة عام 1934م، وبالتقاط إشارة بث إذاعة الأثير.

ملأت الأرض العربية صدى وآثاره، وردد وقتها المذيع بصوته الشجي "هنا القاهرة" في عبارة طالما اشتاقت لسماعها الآذان العربية في كل الأقطار المعمورة؛ لتصبح هي وسيلة اللقاء، والموعد مع الخبر والكلمة الجميلة، ورغم أن الصورة كانت غائبة في ذلك الوقت، فإن الصوت الإذاعي كان له مفعول سحري لامس المشاعر كثيراً، وأسهم في تحسين الذائقة عند العرب.

ومن القاهرة تهادى للأذن صوت العرب عبر الأثير موحداً وجامعاً للكلمة الواحدة، ومنها طربت إلى لغتنا الجميلة، وإليها تهافتت العقول العربية تستجدي علوم المعرفة، والاستماع لحديث رواد الصالونات الثقافية والفنية، فتزايد الإقبال، وارتفع حجم الاهتمام، لتأتي الصورة التليفزيونية عام 1960م مكملة، ضافية على المشهد لغة قومية ثورية تجمع الشمل، وتنبذ الخلاف والافتراق.

حاول الترويج لها قادة ثورة 52 وأثناء حكمهم العسكري لمصر كثرت الأماني التي تجسدت في كمية الأغاني للوطن وللوحدة العربية، حتى دخلت الدولة بثقلها في الاستثمار الإعلامي والإنتاج الذي ساعد في انتشار اللهجة المصرية على نطاق أوسع في الوطن العربي، في مقابل امتصاص حدة التذمر من قصور الإعلام الحكومي على النظام الحاكم، والترويج لمبادئه الثورية والقومية مما تسبب في فرض القيود على مساحة الحرية والتعبير في الجهاز الإعلامي الحكومي، لكن المحتوى الثقافي والفني ظهر في -بانوراما- بصرية أجاد في نقلها فريق من المبدعين والموهوبين الذين أصبحوا فيما بعد رواد الإعلام، كل في مجاله، في تجربة هادفة ارتقت بالذوق، واتسعت أمامها الآفاق.

آنذاك لم يكن في مخيلة المتذوق العربي أي سانحة لرصد هامش التذبذب بين موجات الأثير الإذاعي، وبرامج الشاشة الفضية التي قد تخلق حالة من الفتور في المشاعر، وحجب الثقة بالإعلام، لكن كان لا بد من الانتقال لمرحلة طيّ الذكريات، ونسيان النجوم، بعدما لم تعُد المحافظة على الريادة تهم الإعلام المصري، وانكشاف ضعف القدرة التنافسية والشح في الإمكانات مطلع التسعينات، مع دخول العالم المتقدم عصر التقنية الرقمية، والبث عبر الأقمار الصناعية.

فاستحوذ الإعلام الخاص على جل الاهتمام، والمتابعة من قِبل المشاهدين ما قد ساعد في تعريف الشفافية، وتوضيح الحقائق والوقائع التي كان الإعلام الحكومي يمارسها في حق العقول، وتضليله المتعمد للمفاهيم الحقوقية التي تمس حياة المواطن ومعيشته، فعجز الإعلام الحكومي عن حجب المعلومة، والتصدي للشبكة العنكبوتية التي دخلت كل بيت، وتوترت العلاقة أكثر بين الأنظمة وشعوبها، وتواردت فكرة التظاهرات والنزول في الشارع لتنهار قوى هذا الإعلام أمام زخم الإرادة في التغيير، والحرية في التعبير.

وإذا ما كان لك حق التفكير في حال الإعلام المصري الحالي، ويومياته الفضائية في كل مساء، فإنك قد ضربت لخيالك موعداً في استقصاء الحيلة العقيمة التي يتناوب على تناولها شريحة من الإعلاميين الغوغائيين من خلال البرامج الموجهة أو اللافتة في الترفيه النفسي، ما قد ينتابك كمتابع الشعور بالشتات الذهني والتقلب في المزاج والفكر، فالتعايش اليومي مع التناقضات للأطروحات المرئية والورقية للإعلام المصري تجعل من عقل المتلقي وعاء يستقبل فيه عوادم ماكينة إعلامية هزيلة، منفرطة، فاقدة للسيطرة والمنافسة يتساقط منها كل ما هو ساخر ومبتذل، تحاكي واقعاً مقلوباً لجهاز إعلامي كان يوماً رائداً.

فأثناء، وما بعد إسقاط "الإخوان" من على قمة السلطة انساق الإعلام الحكومي مع القطاع الخاص في بسط نموذج استمالة العقول المغيبة، وإقصاء الرأي المضاد حتى يفتح فجوة داخل المجتمع لتقسيمه، ولتعميق حالة التناحر الفكري بين المثقفين والمفكرين، في تحدٍّ صارخ لكل الثوابت الوطنية، والأعراف الاجتماعية، وقد أخذت الثقافة الإسلامية حيزاً من التشويه، والتشريح لزيادة الجراح بمشاعر المصريين، الذي وصل بهم للمقاطعة، وغياب الصوت الحر، الشيء الذي برهنه ضعف الإقبال على التصويت في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، وفشل هذا الإعلام في التأثير على الشارع المصري، وذوبانه في بوتقة الإعلام الموجه المرفوض أساساً من الجميع.

ما يثير انتباه المشاهد العربي وحيرته في هذه الفترة العصيبة، والأسوأ في تاريخ الإعلام المصري، والتي دخلت عامها الرابع هي ظاهرة الكوكبة الإعلامية من المذيعين والمذيعات التي جلبتها الآلة العسكرية من أروقة وغرف مخابرات الجيش، لتباشر مهمة إعلامية، وفرضية حتمية على المشهد الإعلامي، والمجتمع الثقافي المصري كأمر واقع، بأسلوب الدعاية القديمة للإعلام النازي؛ حيث استبدل المنطق المهذب والرؤية الأدبية في الخطاب الإعلامي إلى لغة الكراهية والتحريض بين شرائح المجتمع المصري والألفاظ النابية إضافة للأكاذيب، والإساءة للدول الجارة والشقيقة في خطوة تسعى للشقاق، ولتأليب الشعب المصري على أشقائه العرب.

وبعد شيطنة الإخوان المسلمين، دخل هؤلاء في تنفيذ خططهم التالية، بافتعال المشاكل والروايات، لبث نار الفتنة بين الأشقاء، وهو الأمر الذي خططت له إسرائيل من قبل ومنذ زمن بعيد، وتحققه لها وسائل الإعلام المصرية حالياً.

وهناك من يظن أن الفساد الإعلامي نتاج سياسة العسكر المتخبطة في إدارتها لحكم مصر، وأياً كان ذلك فإنه يبقى إعلاماً موجهاً بطريقة أو بأخرى لإثارة الفوضى، والانقسام الاجتماعي العربي والمصري، وبوجوه إعلامية تتبع النظام المصري، الذي يواجه بانتقادات المنظمات العالمية وتسجيل ملاحظات عدة على شذوذ الرسالة الإعلامية في مصر.

وإذا ما عدنا إلى تحليل شخصية الحالة الشاذة في الإعلام المصري، فإننا سوف ننساق لحدوتة مصرية جديدة، لا تقل عن حواديت السينما الكوميدية المؤلمة، فالهبل والعبط يستخدمان كغطاء للتحريض على القتل، ومن ثم رقصة الشيطان على جثث القتلى، مثال على ذلك ما حدث في رابعة المصرية وحلب السورية، ما يكرس بشكل فج شراهة هؤلاء للعنف والخراب، وهو مؤشر على عسكرة الإعلام بالعقول المفخخة ذات الخطورة على الإنسان ووحدة الوطن.

عندما نصوغ حالة الخطاب الإعلامي المصري في علامة استفهام كبيرة يكمن في مضمونها التوضيح للضبابية المقيتة التي غطت على صفاء الشاشة المصرية، وكذلك مقدار التغير الذي مس الذوق العام، فإن التساؤل يبقى حاضراً حول المزاجية في انتقاء الحدث، والازدواجية في المعايير المهنية، وكذلك التمادي في تقديم مادة إعلامية فيها زيف للحقائق وتضليل متعمد يستهدف به عقل المواطن المصري دون غيره الذي يجاذبه تيار أوحد متسلط يختار للشارع العام العناوين، والقضايا المحورية ذات المؤثرات النفسية، التي تخضعه لـ"بنج" مؤقت دون مراعاة أو إدراك للمسؤولية الأخلاقية والإعلامية.

وما يبهرك كذلك هي تلك الشحنات الكهرومغناطيسية التي تعطى للمذيعين والمذيعات، والخلفية الثقافية التي جاءت بهم دون غيرهم، مع تعمد بإخفاء الوجوه الإعلامية التي تعود عليها المشاهد العربي في التليفزيون المصري العريق.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.