المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد العمري Headshot

أوروبا بين إرادة اليمين وفقدان القيم

تم النشر: تم التحديث:

قد تكون قد لاحت في أفق السياسة الأوروبية في الوقت الراهن تغييرات تتصاعد بشكل جلي، مؤثر على المشهد الأوروبي العام، وعلى الصيغة العامة لاشتداد وتيرة القلق من تنامي مؤشر التغييرات على المزاج الشعبي المتقلب، وأثره المباشر في مراكز المقاعد للأحزاب داخل البرلمان الأوروبي، ما قد يزيد من فرص اليمين المتطرف في الصعود والوجود أمام التيارات المنافسة كأفضل الحلول القائمة، وهو ما قد يكون التهيئة لتسلّم القيادة الحكومية للمرحلة المقبلة، وهذا يظهر كثيراً على المزاج العام بأنه الخيار الذي أصبح أكثر قبولاً من ذي قبل لدى قطاع كبير من الناخبين في المجتمعات الأوروبية، ما يعني تصاعد ألوان طيف مشاعر العداء والكراهية في سماء القارة العجوز مجدداً، وتفشي ظاهرة رفض القبول للآخر بين أفراد المجتمع مستقبلاً، ولكل ما هو غير أوروبي ومسيحي تحديداً، وربما قد ترتفع أصوات الهياج لمستوى التحدي، والاصطدام مع القيم والمبادئ الديمقراطية التي قامت عليها ثورة الجمهوريات العلمانية، ما قد يعرض صورة أوروبا النمطية في المعاملات الإنسانية المثالية إلى الاهتزاز، والتسبب في افتعال الأزمات، والتوترات في علاقات التواصل والبناء بين الشعوب وتراجعها.

لم تكن صيحات الاستهجان الأخيرة التي أطلقها اليمين الأوروبي في وجه الحكومات المحافظة والمعتدلة يعود سببه لطبيعة الصراع النوعي بين الأطياف السياسية أو إلى الحالة الاقتصادية المتردية في بعض الدول الأوروبية، والبطالة المتنامية بين الشباب، كما ذهب إليه بعض المراقبين في تفسيره، والذين يُعزون إليها ظاهرة سطوع نجم اليمين المتطرف فجأة وفي سرعة وتنسيق في التوقيت مع صعود الأحزاب اليمينية الأخرى في جميع أقطار القارة الأوروبية، ولكن ما لبثت الأمور تتكشف للجميع بعد سلسلة الهجمات الانتحارية التي وقعت في بعض الدول الأوروبية إلى توجه كان خافياً على ما يبدو يتم إعداد الخطط له، بعد انتهاء دراسة أبعاد حقيقة الخطر من انتشار الإسلام، وتزايد الإقبال عليه بين الأوروبيين، وأثره المستقبلي على المكونات العقائدية داخل نسيج المجتمع الأوروبي الذي طالما كان ولا يزال يتعدد فيه الاختلاف المذهبي والتعصب العرقي.

وجاء تزامن تواتر الأحداث الساخنة المتصاعدة في بلاد الشرق العربي، وموجة هجرة اللاجئين باتجاه حدود الأراضي الأوروبية؛ لتتدحرج الجمرة بلهيبها، وتستقر على طاولة السياسيين الأوروبيين فاكتوى منها المعتدلون، وأوقد منها المتطرفون نيران الثأر في نفوس المواطنين الأوروبيين الذين أصبحوا أكثر توجساً وريبة تجاه كل ما هو عربي وإسلامي.

ربما كانت الإرادة القومية الأوروبية الأصولية هي من تقف وراء إطلاق حملة حماية التقاليد والأعراف داخل المجتمع الأوروبي، وافتعلت نبرة المواجهة مع جناح الحمائم داخل القبة البرلمانية، وبالتالي أفردت حزمة من حلول التصدي للأصولية القادمة من الشرق الأوسط المتمثلة في داعش وأفعالها، ما قد يمنح هذا اليمين المتطرف في أوروبا حق إصدار الوصاية، والشروع في تشريع قوانين جديدة متشددة تساعد في تقليص أعداد الأجانب، وإغلاق أبواب العمل أمامهم، والتفرغ بعد ذلك لممارسة الضربات الوقائية ضد ما يسمى بالإرهاب الإسلامي على نموذج ما هو قائم في الولايات المتحدة الأميركية حالياً، وهذا ما سيضع مصير الجاليات الإسلامية والعربية في أوروبا، وبالذات تلك التي تحمل الجنسية الوطنية تحت أحكام القوانين الطارئة التي سوف تقمع الحريات الدينية والثقافية للمهاجرين، وتسمح بتجريد حق المواطنة منهم أو مطالبتهم للدولة بتحمل مسؤوليتها تجاههم.

فيما بدأت هناك بوادر الزخات تتشكل ملامحها مع صعود اليمين المتطرف على خارطة الاتحاد الأوروبي ما يهدد مستقبلها، ويرسخ مفهوم القبضة الحديدة، الشيء الذي قد يعزز في مخيلة البعض استحضار حقبة الأحكام العرفية في العهود الوسطى للإمبراطوريات الأوروبية.

باتت تكمن الرمزية في هوية المجتمعات الأوروبية على وقائع متناغمة، ومتناسقة المضامين في الرؤى والثقافة التي غالباً ما تنصب في محور الجسد للمرأة، وتحديد مقاسات حريات الظهور والملابس الصيفية لها، في محاولة لتغريب ذاتها وتعليمها داخل الدائرة المغلقة التي تهدف إلى قطع مجريات الحقوق الطبيعية لجوهر النفس، واستئصالها عن كل ما يقربها من أخلاق الفطرة والتعلق بفاطر السماء والأرض.

إن حق المواطنة في القارة العجوز قد يصبح خاضعاً إلى معايير معينة تفرض مفهوم سياسة الدولة السلطوية، وقوة الإرادة اليمينية على ما يبدو.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.