المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد العمري Headshot

أميركا الترامبية والدبلوماسية العربية

تم النشر: تم التحديث:

يخيّل إليَّ أن كلَّ مَن له ذاكرة حية أو رؤية حادة في قراءة المستقبل، سيلجأ خلال هذه الحقبة الزمنية من التاريخ إلى الوقوف على نقطة الحياد، حتى لا يصطدم بالكتل الصماء داخل العقول التي لا صدى فيها، ولا سراج مضيء يهدي الخطى، خصوصاً بعد أن اختلطت كل النظريات والتعريفات الإنسانية في الكون، وأصبح مفهوم السلام والتعايش، والتشوف الزاهي للمستقبل من مكونات الماضي التي أفسدها الاستثمار الاقتصادي الجشع، والذي أوجد منظومة الانحلال الأخلاقي، والتبجح المعلن بفرض عقوبة الحصار دون السلاح.


وطالما تلك العقول يغلب عليها فكر الهوى، والنزوة العابرة، فهي لا تخفي أبداً ضيقها من حكمة الحكيم وصبره على صروف الطبيعة وقوانينها، ولا تعيها سيرورة الشعارات الفضفاضة التي ملأت بها الأرض من قبل، حتى وإن تباينت أفعالها مع شعاراتها فلن تجرؤ يوماً على نزع القناع؛ لأنها تعلم أنه يخفي وراءه وجهاً هو أقبح من وجه الشيطان.

في فترة ما، وأثناء ما كانت الحرب الباردة تدور رحاها في الغرب سجالاً، كان للعرب في الشرق ليل طويل شديد البرودة يمتد فيه الحلم، والخيال بامتداد أشعارهم، وأغنياتهم الطويلة، فيما كانت صالونات السياسة تشهد حواراً ديمقراطياً لا مثيل له ساعد في بزوغ جيل جديد من الحكام يشتغل مع مستشاريه السياسيين في فك طلاسم اللعبة السياسية التي كانت تبثها رسائل قادة الدول الكبرى آنذاك، واجتهد ساسة العرب كاجتهاد طلبة المدارس الثانوية في ليالي الامتحانات مع كل رسالة تأتيهم من تلك الدول، ويعدونها ورقة امتحان يجب التدقيق فيها، والتعامل معها بحذر، وبحكمة حكماء بدو الصحراء.


في الوقت نفسه، كلما اقترب العرب من فك رموز لعبة سياسية جديدة، كان صناع العالم الجدد قد انتقلوا إلى مرحلة أخرى أكثر تقدماً وصعوبة، حتى فطن العرب أنهم في مدارات سياسية خادعة لا تعترف بأصول اللعبة السياسية الصحيحة، وأيقنوا أنها مجرد رسائل ماسونية تأتي من الغرب، تهدد وحدة وثقافة المجتمع العربي فتنبهوا لمخاطرها بعد فوات الأوان كعادتهم، وأصدرت الجامعة العربية عام 1979 تحذيرها الشهير باعتبار الماسونية حركة صهيونية تسعى لإفساد القيم وأخلاق الأمم.


وفي الآونة الأخيرة، وبعد أن تهاوى الوهم، وسقط قناع النفاق والخداع من على وجوه الليبراليين من الديمقراطيين والجمهوريين الجدد، الذين ينسب لهم ما لحق بالمجتمع الأميركي من فوضى أخلاقية وتدهور في الاقتصاد المحلي والعالمي، فهم من كانوا -أيضاً- قد أشعلوا فتيل الفتن، والاحتراب الطائفي داخل المجتمع العربي.


حتى لم يعد في مقدور الدبلوماسية العربية التي أرهقت طوال الخمسين سنة الماضية من حجم الأفخاخ والمصائد التي نصبتها الإدارات الأميركية المتعاقبة، والتي تسببت في هدر المال والثروات العربية، وهضم الحقوق والحريات للإنسان العربي بسبب اتباع سياسة المصالح، وتقديم المنافع للدبلوماسية الأميركية دون مقابل، لم يعد -الآن- لهذه الدبلوماسية منفذ للنجاة سوى استخدام لغة الاستجداء، والوسيلة لإحياء الذاكرة الأميركية بالتزاماتها التاريخية تجاه العرب.

ورغم أن الدول العربية ليست في قائمة محور الشر الأميركية، ولا تعد عدوة، بل هناك من هي الحليف والصديق لها إلا أن الإدارة الأميركية مارست مع العرب حروباً غير تقليدية استخدم فيها الإعلام كعامل ضغط نفسي، وتشويه للإسلام كدين، والشخصية العربية كوجه للإرهاب، إضافة إلى التدخل المستمر في الشؤون الداخلية، وفرض النهج العلماني على المجتمع، ودعم الأقليات، وأصحاب الفكر الشاذ.


ومع تجربة تغير الأدوار وقواعد اللعبة، صعد اليمين المتطرف الأميركي -حالياً- للواجهة مستذكراً إخفاقات وفشل غريميه، ومتوعداً بإصلاح ما أفسداه في الشأن الداخلي، ومشدداً القبضة على كل ما هو خارجي، ولا ينتمي للمجتمع الأميركي، فيما رأته أوروبا الديمقراطية مؤشراً لعودة التطرف، والعنصرية للعالم، ويهدد النسيج الأوروبي الموحد من خلال دعم اليمين المتطرف داخل الاتحاد، وتمكينه من الحكم، وهو القلق الذي دفع المجموعة الأوروبية لعقد مؤتمر طارئ لوزراء خارجيتها لمناقشة تداعيات الرئاسة الترامبية لسيدة العالم.


لكن، قد يصبح المستقبل أكثر إشراقاً في عيون الغالبية من الشعب الأميركي، التي استبشرت بفوز الرئيس الأميركي المنتخب ترامب، ودبلوماسيته الجديدة التي يتوقع تكون خشنة، خلاف الشعور عند الشعوب العربية والإسلامية التي ترى أنها المستهدفة من هذا التغير الذي طرأ على السياسة الأميركية، كون عقيدتها وثقافتها تصطدم بالفكر الماسوني، وإن الصراع مع الغرب يتجاوز الحضارات إلى مزيد من الإذلال، واستنفاد الثروات الطبيعية لأرض الشرق.


وهذا ما يتضح، من ظهور بعض أسماء الوزراء الذين تم تعيينهم أخيراً في حكومة ترامب القادمة التي سوف تباشر أعمالها مع مطلع العام القادم أمثال مايك بومبيو، الذي تولى منصب مدير وكالة الاستخبارات المركزية، كما عيّن الرئيس السابق لمديرية الاستخبارات التابعة لوزارة الدفاع، الفريق مايكل فلين مستشاراً للأمن القومي، فيما قبل السيناتور الجمهوري جيف سيشنس تولّي منصب النائب الأميركي العام، وهناك احتمال كبير بتعيين ميت رومني في منصب وزير الخارجية، وهو المرشح الجمهوري في انتخابات الرئاسة الأميركية عام 2012.


اختيار ترامب تلك الشخصيات لشغل المناصب المذكورة يدل على عزم الإدارة الأميركية الجديدة انتهاج السياسة الصارمة، والشفافية في الحوار، والتفاوض بما يخدم تطلعات المجتمع السياسي الأميركي الجديد، الذي يكره المراوغة أو إجادة لعبة السياسة الناعمة مع الدول المانعة، وسوف تكون ساحة الشرق الأوسط مسرحاً ساخناً للمناورات السياسية خلال الأعوام القادمة، التي ستكون بمثابة الاختبار لحقيقة الأسطورة الترامبية، فهل ستتحمل الدبلوماسية العربية المسؤولية، وقيادة السفينة إلى بر الأمان دون أن تفقد المزيد من الكرامة؟ أم أنها سوف تختلق الأعذار الواهية وتستمر في مسلسل التنازلات، والرضوخ لإرادة اليمين المتطرف الأميركي؟!

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.