المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد العمري Headshot

تفجيرات "مساجد" السعودية

تم النشر: تم التحديث:

استهداف اللحمة الوطنية في بلاد الحرمين هدف تسعى له جماعة داعش منذ فترة حتى تحدث خلل معنوي، وشرخ في المجتمع السعودي، وفي كل مرة تتبنى فيه هذه الجماعة عملا إجراميا داخل السعودية يكون رد فعل المواطن لها أكثر انضباطا وإدراكا لأهداف هذه العمليات الإرهابية التي تمس وحدة الكيان الواحد ومصيره، في نضوج فكري يستمده من قوة إيمانه وإحساسه بالمسؤولية في مثل هذه الظروف الاستثنائية، التي تتطلب التلاحم والالتفاف حول القيادة والدولة في مواجهة هذا السرطان المستشري في جسد الأمة العربية، والتي تعاني منه بعض الدول، وأخرى تخشى تمدده إلى المناطق الآمنة لبث سمومه الفكرية والعقائدية.

لا شك أن هناك أصابع خبيثة خارجية تدفع بداعش للواجهة وتحاول نثر بذور الشقاق في تربة هذا الوطن، وتضخ شعارات مذهبية ذات الدوافع الطائفية، ونفث شرارة الفتنة لإشعال حرب طائفية تجر البلاد إلى الفوضى وشق الصف الوطني، واتجهت تلك الجماعة الإرهابية إلى استغلال بعض العقول المتزمتة وتوجيهها لتنفيذ مخططاتها، وممارسة العنف بكل أنواعه الفكرية والنفسية وصولا للتصفية الجسدية.

وما تشهده السعودية في الوقت الراهن من تفجيرات وعمليات انتحارية داخل دور العبادة إنما هو نتاج تخطيط إجرامي من قبل خلايا نائمة تعمل داخل البلاد بصمت، تدعمها جهات استخباراتية ومنظمات مشبوهة منها من يعمل بشكل سري ومنها من هو علني على أن تنتقل نار الفرقة والاقتتال العربي للدول المستقرة، ورغم الضربات الاستباقية التي نجحت فيها وزارة الداخلية السعودية في كشف هذه المخططات وإفشال بعض عملياتها التي كانت ستقع إلا انه لا تزال هذه الجماعة الإرهابية تتعمد أن تكون حربها موجهة إلى المصلين في المساجد ما يجعل وصف هذا الفكر التكفيري الإجرامي بفعل الخوارج الذين استباحوا دماء المسلمين.

إن موجات العنف والتفجيرات في المساجد أصبحت تأخذ منهجاً فكرياً يتربى عليه أولئك الشباب الذين ينفذون عملياتهم الانتحارية، وهم في سن المراهقة إذ تتملكهم عقيدة موجهة أفرغت في تكوينهم العقلي الصغير بأسلوب ساحر عشق القتل ونسف الجسد دون مراعاة لحرمة المكان أو الدم، حتى لو كان فيه أفراد عائلته، ولقد أدرك مشايخ وعلماء السعودية إلى انحرافات هذه العقيدة وشذوذها، وإلى خطورتها على الشباب السعودي بتكثيف التحذيرات والمحاضرات في الإعلام ومنابر المساجد، لكن لا زالت المسافة بعيدة إلى الوصول لنتائج تقضي على هذا الفكر ووحشيته الدخيلة على المجتمع الإسلامي.

لقد أضحت مشاهد صور أشلاء المتفجرين على أماكن سجود المصلين في المسجد تحبس الأنفاس وتثير علامات استفهام عن طبيعة التركيبة النفسية لهؤلاء الانتحاريين وحقيقة معتقدهم في قتل الأبرياء! وهل الشيطان قد سكن في أدمغتهم ويتقربون إليه بقتل الساجدين في مكان عبادتهم؟ أم انه الجهاد المقدس الذي يجهله علماء الأمة والمسلمين عامة؟ هي تساؤلات يتداولها الكثير في هذا الوقت، وتملأ مواقع التواصل الاجتماعي في حلقات من النقاش التفاعلي بين أبناء المذهب السني والشيعي ..

ستظل الوقاية هي أنجع وسيلة تتعامل بها الدولة حاليا، وتنفذه بشكل أوسع للحد من تغلغل فكر هذه الجماعة، وتتصدى له من خلال تجفيف منابعه، والتربص لتلك الأدمغة المنحرفة التي ترسل إشاراتها من الخارج، وتهيئة مناخ فكري يقوم بدوره الصحي في حماية الشباب من أرباب الإرهاب، والانتقال السريع في معالجة أي ثغرة يستغلها أولئك الإرهابيون باحتواء الفئات العمرية الصغيرة التي تكون دائما في أمس الحاجة إلى حضن يحتوي طاقاتها وتوجيهها نحو مسار البناء وإعمار الأرض لا إلى سفك الدماء والانتحار، ولابد من برامج توعوية وملتقيات ثقافية تدعو إلى استئصال لغة الكراهية والتطرف المذهبي واستبداله بلغة المحبة والتسامح الحوار بين أبناء الوطن الواحد، وبث ثقافة التعايش مع الآخر في نفوس الأجيال الجديدة حتى لا تتعاظم المشكلة وتبقى متوارثة..

لقد أدرك الجميع في السعودية أنه حان وقت حماية هذا الوطن من أعداء يتربصون له، وأظهروا له نواياهم الشريرة، ويعي الجميع أنها حقبة زمنية خطيرة تمر بها دول المنطقة دون استثناء، وهي ظاهرة الإرهاب والدواعش التي تضع دول المنطقة أمام تحديات أمنية وسياسية خطيرة، ما قد يجعل موقفهم الدولي مهزوزا في حالة عدم وجود حلول حقيقية و فعالة لاجتثاث هذه النبتة الخبيثة من جذورها.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.