المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد المهندس Headshot

عقدنا الاجتماعي

تم النشر: تم التحديث:

عندما تقرأ نتيجة الانتخابات التركية، وتحاول أن تتصور احتمالات التحالفات بين الأحزاب لتشكيل الحكومة التركية الجديدة، تدرك عمق الأزمة الكبيرة التي تعيشها مجتمعاتنا العربية والإسلامية!
هناك أحزاب أربعة نجحت في الحصول على مقاعد داخل البرلمان التركي الجديد بعد تجاوزها للعتبة الانتخابية ذات العشرة بالمائة من أصوات الناخبين!

كمُّ التناقض بين توجهات هذه الأحزاب ليس منحصرًا في خلافات اقتصادية أو سياسية كما هي عادة الخلافات بين الأحزاب السياسية في البلاد الديمقراطية والتي تسمح لها بالمناورة السياسية والتحالف الحكومي، ولكن التناقض بين هذه الأحزاب منصبٌّ بالأساس على رؤيتها لطبيعة العقد الاجتماعي الذي يجب أن يحكم العلاقة بين الدولة والمجتمع من جهة وبين مكونات المجتمع المختلفة من جهة أخرى!

على سبيل المثال فإن الشغل الشاغل لحزب الشعب الجمهوري ما زال متمثلًا في الحفاظ على الدولة العلمانية التركية بل والعودة بها إلى تقاليدها المتطرفة الرافضة لأي مظهر إسلامي رسميًّا كان أو شعبيًّا، ويعتبر الحزب أن قبول الحجاب في الجامعات والمدارس أو السماح بوجود مدارس دينية معتمدة هو الخطر الأكبر على الدولة التركية الحديثة؛ في حين يعتبر حزب الحركة القومية أن قضيته الأساسية متمثلة في الرفض القاطع لأي حقوق للأكراد سياسية كانت أو اجتماعية داخل الدولة التركية وأن القومية التركية بتركيبتها اللغوية والثقافية والتاريخية يجب أن تفرض على كل المواطنين الأتراك مهما كانت أصولهم العرقية، ويرى الحزب حتمية استخدام القوة لقمع أي مطالبات كردية خاصة داخل الدولة التركية وأن تتوقف في سبيل ذلك عملية السلام بين الدولة التركية وحزب العمال الكردستاني.

في المقابل فإن حزب العدالة والتنمية يعتبر أن تاريخ تركيا وثقافتها والجامع بين مواطنيها هو الإسلام وأنه ما زالت هناك حاجة لتعزيز الهوية الإسلامية بين أبناء الشعب التركي، في حين أن حزب الشعوب الديمقراطي حزب كردي بالأساس وستبقى قضيته المركزية هي الحصول على مزيد من الحقوق للأكراد داخل الدولة التركية.

هذه التناقضات الجذرية التي تصعب عملية التحالف الحكومي، وتجعل من أي تحالف بين أي حزبين أو مجموعة من هذه الأحزاب بمثابة خيانة لأفكار الحزب وقد تؤدي بشكل كبير إلى اهتزاز صورته أمام أنصاره ومؤيديه.

في النهاية قد يضطر حزبان أو ثلاثة من بين هذه الأحزاب إلى تشكيل تحالف حكومي، وتقديم تنازل هنا أو هناك؛ حتى لا تدخل الأحزاب في متاهة إعادة الانتخابات مرة أخرى وحتى لا تدخل البلاد في فوضى سياسية واقتصادية قد تعود بتركيا إلى فترة عدم الاستقرار السياسي التي تجاوزتها منذ أكثر من عشرة سنوات؛ إلا إن هذا التحالف سيظل تحالفًا هشاً وسيبقى معرضا للانهيار في أي لحظة؛ لأن هذه الأحزاب تختلف في أصول السياسة لا فروعها وفي شكل العقد الاجتماعي لا في تطبيقاته!

هذه الأزمة الكبيرة التي تمر بها تركيا التي تعد الأكثر ديمقراطية في محيطنا العربي والإسلامي؛ ما هي إلا عنوان لأزمة كبرى نعيشها داخل مجتمعاتنا التي ما زلت لم تتفق بعد على شكل العقد الاجتماعي داخل دولها.

رغم مرور ما يقارب الثلاثة قرون على ظهور الدولة الحديثة في أوروبا وأمريكا، وما ميزها من وجود عقد اجتماعي يحكم دولها ويحسم الخلاف بين مكوناتها، ورغم مرور عقود طوال على بدء تشكل دول وطنية عربية وإسلامية حديثة ومستقلة؛ فما زال هناك اختلاف جذري حول شكل العقد الاجتماعي الناظم للعلاقات داخل هذه الدول!

لم تحسم مجتمعاتنا حتى اللحظة قضايا شائكة مثل قضية العلاقة بين الدين والدولة ومدى تأثر كل منهما بالآخر؛ فما زالت أبصار الإسلاميين مثلًا شاخصة نحو ذلك الإمام العادل الذي يسمع له الشعب ويطيع ما دام حاكمًا بشرع الله الذي يرونه في اجتهادات فقهاء الأقدمين بل ومصطلحاتهم، وما زالت قناعاتهم مستقرة عند رأي كبار العلماء من أهل الحل والعقد الذي يراجعون القوانين قبل إصدارها من البرلمان، وما زالوا يرون للدولة حقًّا في التدخل في حياة الناس الشخصية وتحديد شكل ملبسهم ومراقبة سلوكياتهم؛ وعلى النقيض من ذلك ترى غالبية القوى العلمانية (المدنية) والمتحالفين معها من أبناء الدولة أن إقصاء الإسلاميين بكافة أشكالهم وتنوعاتهم هو واجب الوقت وأن دولة المواطنة المنشودة يجب ألا تسعهم وألا تقبل بوجود أفكارهم الرجعية من وجهة نظرهم!

لم تحسم مجتمعاتنا كذلك المهام الأساسية لجيوشها ومدى العلاقة بين هذه الجيوش وشعوبها؛ فلا زالت كثرة غالبة تعتبر أن الجيوش وقادتها يجب أن تبقى فوق النقد والمحاسبة، كما يجب أن تبقى قَيِّمة على الدولة ومهيمنة عليها ومحافظة على شكلها الذي قامت عليه منذ عهد الانقلابات العسكرية في الخمسينات!

لم تحسم مجتمعاتنا كذلك قضية المواطنة وحقوق الأقليات والأعراق المختلفة داخل البلد الواحد؛ فما زال ينظر للأقلية داخل المجتمع على أنها ناقصة الأهلية وعلى أنها غير مستحقة لكافة الحقوق التي قد تتمتع بها الأغلبية!

ليس ذلك التناقض محصورًا في النخبة كما يتصور البعض، ولكنه ممتد إلى مجتمع تائه متذبذب؛ فهو في لحظة قد رفع الإسلاميين إلى السماء باعتبارهم ممثلين لشرع الله في الأرض؛ ثم هوى بهم في لحظة أخرى إلى سابع أرض باعتبارهم يمثلون خطرًا يهدد حياتهم وطريقة معيشتهم!

الخلاصة أننا لم نتفق بعد كأمة على ذلك العقد الاجتماعي الذي يضع بيننا أرضية مشتركة ننطلق منها في دروب متنوعة لمسارات السياسة والاقتصاد والاجتماع؛ لذا فنحن في حاجة ماسة أن نتوافق أولًا كمجتمع على ملامح هذا العقد الاجتماعي وأن نحسم فيه تلك الخلافات الجذرية التي ما زلنا ندور في دوائرها المغلقة منذ عشرات السنين؛ حتى نستطيع الانطلاق في رحاب الديمقراطية وآفاق التقدم والنهوض.