المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد اللبان Headshot

المهرج رئيساً

تم النشر: تم التحديث:

يستيقظ مبكراً في يوم ملبد بالغيوم, يتوجه إلى النافذة يفرد ذراعيه منتشياً.. ولم لا وهو الشخصية الأكثر شهرة بين الجموع, هو القائد الملهم والمعلم.

يتوجه إلى مكتبه ليباشر عمله, يهتم كثيراً بالإعلام ودوماً ما توضح كاميرات وسائل الإعلام التجاعيد المنتشرة على وجهه والتي تدل على العبء الكبير الذي يتحمله والهموم العديدة الملقاة على عاتقه نتيجة انشغاله الدائم وانهماكه في العمل لصالح شعبه.

في نفس الوقت يحاول جاهداً أن يكون واضحاً وصريحاً وغير مفتعل, يرسل برسائل مفادها أن الأوضاع الحالية ليست مستقرة على الإطلاق وأن منافسيه يحاولون فقط الانتفاع ولا يهمهم ما يحدث لبلدهم. يسرد في حديثه ما حققه في عامه المنصرم من إنجازات والتي تؤكد لمحبيه ومؤيديه أنه الأجدر على القيادة والعبور للمستقبل وتجاوز المحن التي يعيشها الشعب.
كانت إنجازاته محل فخر وتقدير من جميع مؤيديه, فقد حصل على جائزة أفضل ممثل, وجائزة أفضل كوميديان بالإضافة الى العديد من الجوائز الأخرى.

إنه جون جنر.. الممثل والكوميديان الأفضل في أيسلندا والذي حصل على منصب العمدة في الانتخابات التي أقيمت في العاصمة الأيسلندية وأكبر مدنها "ريكافيك" في الفترة من 2010 الى 2014.

كانت أيسلندا في ذلك الوقت تمر بالعديد من المشكلات العصيبة بعد تعرض أكبر ثلاثة مصارف في البلاد للعديد من المشاكل المالية الطاحنة التي ضربت الاقتصاد, حتى أن أحد المستخدمين قام بعرض البلاد للبيع على الموقع الشهير e-Bay. أفلست أكبر مصارف أيسلندا واعتُبر في ذلك الوقت أن مصرف "كوبثينج" أكبر خامس إفلاس مصرفي شهده العالم منذ مطلع القرن العشرين.

كان جنر الكوميديان والممثل يستعرض في برامجه ومنصاته الإعلامية الأحداث السياسية التي كانت تمر بها البلاد, وكان يسخر من السياسيين ومتخذي القرار بعد فشلهم في حل المشكلات والتي أثرت على شعور الشعب الأيسلندي الذي أصبح أكثر قلقاً على مستقبل بلاده.

أعلن جنر في برنامجه التلفزيوني عن إنشاء حزب سياسي ساخر يحاكي الأحزاب السياسية في أيسلندا, وكان الهدف الأساسي من تلك اللفتة هو جعل حياة المواطنين أكثر متعة ومرحاً وإضحاكهم محاولاً تغيير المزاج العام القلق وبث حالة السخرية والضحك عن طريق انتقاد السياسيين وأحزابهم, وكان هذا واضحاً حتى من خلال الاسم الذي أطلقه على ذلك الحزب الساخر وهو "الحزب الأفضل".

كان "الحزب الأفضل" يتبع في منهجيته السخرية الدائمة, فقد أعلن مراراً أنه حزب لن يقوم بتنفيذ أي وعود قام بطرحها قبل الانتخابات, كما أنه على عكس باقي الأحزاب السياسية- التي تعتمد على الفساد بشكل غير معلن- سيعتمد على الفساد بشكل معلن تماماً في جميع سياساته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

لم يكن جنر يدرك أن فكرة "الحزب الأفضل" ستحقق أي نتيجة أو يكون لها صدى بشكل جدي في الاستفتاءات الأولية, وكان عندما يُسأل عن سبب ترشحه للانتخابات كان دوماً يجيب "أريد فقط أن أحصل على راتب أفضل".

تغير الأمر بشكل جذري ومفاجئ وأصبحت الاستفتاءات تشير إلى تقدم الحزب الأفضل في معظم استطلاعات الرأي إلى أن جاء يوم الانتخابات وكانت النتيجة المذهلة والتي أسفرت عن فوز الحزب الأفضل, وأصبح جون جنر الساخر عمدة مدينة "ريكافيك" عاصمة أيسلندا.

نجحت أيسلندا في تجاوز المحنة الأصعب التي كانت تمر بها عن طريق الشفافية ومجابهة الفساد والتعهد بحماية ودائع المواطنين ورفض دعم المصارف المفلسة التي كانت السبب الرئيسي في الأزمة الاقتصادية.

يستيقظ مبكراُ في يوم شديد الحرارة, يتوجه إلى النافذة يفرد ذراعيه منتشياً.. ولم لا وهو الشخصية الأكثر شهرة بين الجموع, فهو الطبيب الذي يستمع إليه جميع الفلاسفة, هو القائد الملهم والمعلم.