المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد علي صالح Headshot

جولة في أميركا: في قلعة "ماكهنري".. ميلاد النشيد الوطني الأميركي

تم النشر: تم التحديث:

يوجد طريقان رئيسيان يربطان واشنطن العاصمة وبولتمور (ولاية ماريلاند)، وتفصل بينهما مسافة 50 ميلاً تقريباً؛ الأول: الطريق البري رقم 95 الذي يربط الولايات الأميركية الشرقية، من ولاية فلوريدا في الجنوب، إلى ولاية مين في الشمال. الثاني: الطريق رقم 295 المحلي، الذي يربط المدينتين.

جنوب بولتمور، يتحول الطريق رقم 95 إلى نفق طوله 3 كيلومترات تقريباً (تحت نهر باتاباسكو)، وتوجد فوق النفق لافتة تقول: "قلعة ماكهنري التذكارية الوطنية والتاريخية" (على ضفة النهر الغربية).

في سنة 1814، نشرت صحيفة "أميركان ادفرتايزر" قصيدة "دفاعاً عن قلعة ماكهنري"، وفي سنة 1889، صارت القصيدة النشيد الوطني الأميركي.

وفي الوقت الحاضر، يتناقش الأميركيون، ليس في كلمات النشيد، ولكن في مدى احترام الأميركيين له، خاصة عندما يعزف في بداية المناسبات الوطنية، وبداية الاحتفالات، وبداية المباريات الرياضية.

في الشهر الماضي، بدأ النقاش الرئيس دونالد ترامب، نشر سلسلة تغريدات في موقع "تويتر"، وانتقد لاعبي كرة القدم الذين رفضوا أن يقفوا منتصبين عندما يعزف النشيد (في بداية كل مباراة).

صار كثير من اللاعبين، عندما يعزف النشيد، يجلسون على ركبهم، أو يربطون أذرع بعضهم البعض، وكان لاعبون سود بدأوا هذه العادة، احتجاجاً على شيئين:

أولاً: استمرار ظلم الشرطة على السود (وأقليات أخرى، مثل المسلمين واللاتينيين). خاصة في عصر الإنترنت، الذي سهّل نشر صور وفيديوهات شرطة يعاملون معتقلين معاملات قاسية، أو يضربونهم، أو يقتلونهم تعسفياً.

ثانياً: زيادة ظلم الأقليات في عصر الرئيس دونالد ترامب، الذي ترشح، وفاز، اعتماداً على أصوات الأغلبية البيضاء، خاصة المحافظين الذين صاروا يخافون على مستقبل البيض (مع استمرار زيادة غير البيض)، وعلى مستقبل المسيحية (مع استمرار زيادة المسلمين وغيرهم).

* الغزو البريطاني:

في سنة 1812، غزت بريطانيا الولايات المتحدة، كان ذلك بعد 36 من استقلال الولايات المتحدة (سنة 1776). طبعاً، غضب البريطانيون على الثورة الأميركية، لأكثر من سبب: لأنها تمردت على التاج البريطاني، ولأنها تحالفت مع الثورة الفرنسية (سنة 1789) ضد ملوك بريطانيا، ولأنها أنهت استعمار 160 سنة (تأسست أول مستعمرة بريطانية في ولاية فرجينيا سنة 1606).

حشدت بريطانيا أسطولها، ومدافعها، وجنودها، ونزلت على الساحل الشرقي، ووصلت إلى واشنطن، وأحرقت البيت الأبيض، وتقدمت شمالاً نحو بولتمور.

وقعت معركة ساخنة بين الغزاة البريطانيين والوطنيين الأميركيين جنوب بولتمور، في قلعة "ماكهنري" (انتصر الأميركيون، وكان ذلك بداية فشل الغزو البريطاني).

شاهد معركة القلعة فرانسيس كيي، محامٍ كان يهوى تأليف الشعر، كانت تلك ليلة 13-9-1814.

شهد الشاعر كيي الجنود الأميركيين وهم يصمدون، وبعد أسبوع، يوم 21-9، نشرت له صحيفة "أميركان ديلي ادفرتايزر" قصيدة "دفاعاً عن قلعة ماكنهري"، وهذه كلماتها:

"قل، هل ترى، مع ضوء الفجر الباكر، كيف رحب بنا في آخر وميض الشفق؟ من هو صاحب الشرائط العريضة والنجوم البراقة (في العَلَم الأميركي) التي ترفرف في بسالة خلال القتال المميت الذي شاهدناه فوق القلعة؟ عندما أكد، خلال الليل، وهج الصواريخ الأحمر، والقنابل التي تنفجر في الهواء، أن علمنا لا يزال مرفوعاً، قُل ألا يرفرف علم النجوم فوق أرض الأحرار ووطن الشجعان؟".

بعد 75 سنة، صارت، وهي أشهر القصائد الأميركية في ذلك الوقت، وحتى الآن، النشيد الوطني الأميركي الذي يحفظه تلاميذ المدارس، ويردده الأميركيون قبل بداية الاحتفالات الوطنية والمناسبات الهامة، والمباريات الرياضية.

* "أميركا الجميلة":

يخلط بعض الناس بين النشيد الوطني الأميركي ونشيد "أميركا ذا بيوتيفول" (أميركا الجميلة).

في سنة 1893 (بعد سنوات قليلة من اعتماد النشيد الوطني)، بدأت البريطانية كاثرين بيتز جولة سياحية في الولايات المتحدة.

كانت أستاذة للغة الإنكليزية، وكانت تقرض الشعر، أعجبتها المناظر الطبيعية التي شاهدتها، وألّفت قصيدة "أميركا الجميلة"، وفيها تقول:

"أيتها الجميلة، ذات السماوات الواسعة، وأمواج القمح الصفراء، وعظمة الجبال البنفسجية، فوق سهول البرتقال، أميركا، أميركا، ليصب الله نعمته عليك..".

منذ ذلك الوقت، ناقش أميركيون استبدال هذه بالقصيدة الأولى لتكون النشيد الوطني.

في سنة 1963، في عصر الرئيس جون كنيدي، كاد يحدث هذا، وقال كنيدي نفسه إن كلمات "أميركا الجميلة" جميلة وسعيدة، بالمقارنة مع كلمات "قلعة ماكهنري" التي تتحدث عن الحرب.

حتى اليوم، يتردد نشيد "أميركا الجميلة" كثيراً، وخاصة في الكنائس، وذلك بسبب التأثير الديني المسيحي فيه.

حتى اليوم، تشتهر قصائد وطنية ذات طابع مسيحي.
مثل ما كتب جون ماغي، شاعر وطيار حارب في الحرب العالمية الثانية، كتب سوناتا "هاي فلايت" (تحليق عالٍ)، وكانت قصيدة الرئيس رونالد ريغان المفضلة، وفيها: "إلى أعلى، إلى أعلى، نحو السماء الزرقاء، تسلقت الجبال برشاقة وخفة؛ حيث لا يطير نسر ولا صقر، ووجدت معبداً في الفضاء، ورفعت يدي نحو الله".

* الشعر الأميركي:

حسب تقرير في مجلة "بوتري" (الشعر)، يختلف الشعر الأميركي عن غيره بأنه:

أولاً: "عملي"، يهتم بأشياء واقعية، و"ينظم نفسه مثل الحروف الأبجدية".

ثانياً: "يبالغ في الوطنية"، ربما لم يكتب شعراء عن الوطنية والفخر بوطنهم مثل الشعراء الأميركيين.

ثالثاً: "ديني"، على الأقل بالمقارنة مع الشعر الأوروبي.

أقدم شاعر أميركي اشتهر هو إدوارد تايلور الذي أنشد قصائد حرب الاستقلال، وربط بين الحرية والفضيلة (الدينية)، أنشد: "يا إلهي، انشر رحمتك، واجعلني قادراً على فهمك".

وتمعن، في حيرة، في حشرة تقبض على ذبابة: "أخذتها بساقها، وخنقتها في حلقها، وعضتها في عنقها، عضة قاتلة.. يشهد الله".

واستفاد الزنوج الأميركيون من الشعر، وحكوا مآسيهم خلال أكثر من 200 سنة من تجارة الرقيق؛ لهذا، كانوا (ولا يزالون) أكثر من البيض في الاستعانة بالله في قصائدهم الوطنية والنضالية.

منذ أن أنشدت العبدة فيليس ويتلي (سنة 1773): "يقولون إن لوني قبيح، تذكروا أن الزنوج سود مثل قابيل، جاءهم الخلاص الروحي للحاق بالركب الملائكي".

موقع قلعة ماكهنري

فيديو: النشيد الوطني "قلعة ماكهنري

فيديو: نشيد "أميركا الجميلة"

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.