المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد علي عطية Headshot

الملاك: الجاسوس المصري الذي أنقذ إسرائيل

تم النشر: تم التحديث:

من المفترض عند الشروع في قراءة أي كتاب أن يبدأ القارئ رحلته معه دون أن يلجم عقله بأي أفكار مسبقة، بل يدع ما يقرأه ينساب إلى عقله، وتكون المرجعية التي تتولد لديه من كثرة القراءة والاطلاع بمثابة (الفلتر) الذي يميز بين ما هو قابل للتصديق، وما هو من قبيل المبالغات، وصولاً إلى الكذب البواح.
هذا الكتاب الذي بين أيدينا يحتاج من قارئه أن يعي هذا جيداً. الكاتب إسرائيلي يسرد قصة حياة أشرف مروان وتفاصيل علاقته بالموساد. لذا فإن القارئ المصري لابد أن يضع نصب عينيه فرضيتين قبل المضي في القراءة:

الفرضية الأولى: أن أشرف مروان كان عميلاً مزدوجاً دُس في إسرائيل كي يمرر لها معلومات مضللة بالتنسيق مع القيادة المصرية وكان له دور في خطة الخداع المصرية السابقة للحرب كما زعم البعض، وأن التفاصيل المتعلقة بعمالة أشرف مروان للموساد هي محض كذب يحاول الموساد من خلاله حفظ ماء وجهه.

الفرضية الثانية: أن أشرف مروان كان يعمل لحساب الموساد بالفعل وأن المزاعم بكونه عميلاً مزدوجاً لصالح مصر هي محض ادعاء لحفظ ماء وجه القيادة المصرية بدورها.
لا أنكر أني قد بدأت قراءة الكتاب وأنا من أنصار الفرضية الثانية لكني نحيتها جانباً قبل القراءة لكي أدع للفرضية الأولى مجالاً للقبول. لكن كلما تقدمت في القراءة، وبربط ما أقرأه مع قراءات سابقة متصلة بذات الموضوع، ملت أكثر لكون الفرضية الثانية أوقع.
طبقاً للكتاب، فقد كان مروان هو من طرق باب السفارة الإسرائيلية في لندن عارضاً خدماته على الموساد، وقدم للعدو كعربون محبة عدداً من الوثائق الرسمية التي يسر له موقعه في رئاسة الجمهورية الحصول عليها.

لم يصدق الإسرائيليون أنفسهم، وكان الشك في كونه مدفوعاً من المخابرات المصرية ليكون طعماً لهم هو أول ما يرد للذهن بالطبع، لكن يبدو أن طبيعة المعلومات التي عرضها عليهم بددت هذا الشك، و كان التساؤل: ما الذي يدفع مثل زوج ابنة عبد الناصر لخيانة بلده؟ خصوصاً أنه لم يتكلم في البداية عن المقابل الذي يريده ولم يحدد أجراً!
كان التفسير الأقرب للتصديق أن الأمر في أساسه نفسي مرتبط بالمعاملة التي عومل بها من عبد الناصر ورئيسه في العمل سامي شرف، فكأنه أراد أن ينتقم منهما ويثبت لنفسه أنه قادرٌ على تغيير مسار الأحداث في المنطقة. بالإضافة لتركيبته النفسية التي تدفعه للرهان على الجواد الرابح، والذي كان إسرائيل بعد ما حدث في يونيو 67.

لن أطيل الحديث عن تفاصيل التعامل مع العدو، وسأكتفي بذكر نقطتين:
كان لمروان -طبقاً للكتاب- الدور الأساسي في إحباط عملية فدائية لمجموعة أيلول الأسود الفلسطينية لتفجير طائرة إسرائيلية -بإيعاز ليبي- انتقاماً من تفجير الطائرة الليبية فوق سيناء.
النقطة الثانية وهي السبب في كون الكاتب قد وصف مروان بأنه الرجل الذي أنقذ إسرائيل، تتلخص في كون مروان الذي عرف بالصدفة موعد الحرب قبل 24 ساعة من اندلاعها قد قام بإبلاغ المعلومة لإسرائيل، ونظراً لكونه مصدراً مهماً وموثوقاً به لدى العدو، ورغم التخبط والاختلاف في تفسير المعلومات المتدفقة على إسرائيل بين كون التحركات المصرية والسورية عبارة عن تدريبات موسعة، أو تمهيداً لمعركة محدودة، أم هي الحرب. وكان الكل متردداً في إعلان التعبئة العامة واستدعاء الاحتياطي بالأخص لدخولهم في عيد الغفران، لكن معلومة مروان حسمت الأمر على الأقل بالنسبة لرئيس الأركان الإسرائيلي الذي بدأ استدعاء الاحتياطي في العاشرة من صباح السادس من أكتوبر. صحيح أن الوقت كان متأخراً لأن المعركة بدأت بعد أربع ساعات لكن بدء تحرك الاحتياطي بالأخص تجاه الجبهة الشمالية (الجولان) ساهم في تحسين الموقف الإسرائيلي ثم قلب النتائج فيما بعد.
بعد بدء الحرب وجد اليهود أن تحركات المصريين تسير وفقاً للخطة التي سربها لهم مروان سابقاً، فتأكدوا من أن المصريين لا ينوون تطوير الهجوم والوصول للمضايق. مما شجعهم على تركيز القتال في الجبهة الشمالية ومن ثم كسح السوريين من الجولان مرة أخرى. والباقي معروف.

حسب الكتاب، فالفشل الإسرائيلي في الاستفادة من المعلومات الكثيرة التي سربها لهم مروان وغيره وصولاً للملك حسين بأن مصر وسوريا ستشنان الحرب، هو اقتناع المخابرات العسكرية الإسرائيلية بأن مصر لن تخاطر بشن حرب إلا بعد استكمال منظومة أسلحة الردع كلها وبعد أن يكون لديها أنظمة دفاع جوي متنقلة تمكنها من حماية قواتها وهي تقوم بتحرير كامل شبه جزيرة سيناء. كانت هذه الرؤية هي التي تنتقل بالتبعية لرئاسة الأركان ولموشيه ديان وغولدا مائير. ورغم أن الخطة المصرية النهائية القائمة على شن حرب محدودة تعبر فيها القوات المصرية قناة السويس وتستعيد جزءاً من سيناء وتغير الوضع على الأرض تمهيداً للضغط السياسي والدبلوماسي لاستعادة الباقي بالسبل الدبلوماسية، رغم أن هذه الخطة قد سبق تمريرها لإسرائيل فإن الاتجاه العام لدى صانعي القرار كان استبعاد نظرية أن مصر ستقدم على الحرب قبل استكمال التسليح.

المسؤول الإسرائيلي الوحيد الذي كان يشكك في معلومات مروان والذي كان يجادل في كونه عميلاً مزدوجاً لصالح مصر والذي سرب اسمه في النهاية للصحافة الإسرائيلية كاشفاً إياه هو رئيس المخابرات العسكرية الإسرائيلية إيلي زعيرا (لا أدري لم أصر المترجم على تسميته عيزرا طوال الكتاب!) ومن الواضح أن الدافع الأساسي لزعيرا هو فشله في الاستفادة من المعلومات التي وصلت إليه والتي أدت لخسارة إسرائيل في بداية الحرب. الحقيقة أني كلما قرأت ردود أفعاله في الكتاب إزاء ما يرد من معلومات واستبعاده للحرب كل مرة أكاد أشك أنه هو العميل المزدوج لصالح مصر
برغم اعتراف الكاتب بالتقصير الإسرائيلي والفشل في تقدير الموقف فإنه يكاد يعزو النصر الأولي لمصر لهذا التقصير ولا يلتفت لخطة الخداع المصرية. أضف إلى ذلك أنه في أحد مواضع الكتاب أظهر الأمر وكأن الأسلحة السوفيتية كانت تتدفق في جسر جوي لمصر عوضها عن أي خسائر، في حين تكلم عن (مماطلة) الجانب الأميركي! ولم يذكر دور الجسر الأميركي في تحسين موقف إسرائيل. أذكر هذه النقطة كي أذكر القارئ أن الكاتب مهما ادعى من موضوعية فلن يخلو كلامه من تدليس يجب الانتباه له. وعلى كلٍ فإن أساس الكتاب هو دور أشرف مروان لا تفاصيل الحرب، لكن طالما ذكر جانباً وجب عليه نقل الصورة كاملة.

ما يقوي عندي فرضية أن مروان كان يعمل لصالح إسرائيل سببان، أولهما أنه حسب الرواية الإسرائيلية فإن مروان هو من عرض خدماته، فالموساد لا مجال له في أن يتفاخر بأنه قد قام بتجنيده والسيطرة عليه مثلاً. ومن الواضح أن الموساد كان حريصاً على سلامة هذا المصدر الفريد، ولذا ثار نزاع قضائي ضد زعيرا عند تسريبه لاسم أشرف مروان.

والسبب الثاني يتلخص في أن الرد المصري على مزاعم عمالته يبدو من الواضح أنه ليس أكثر من محاولة لحفظ ماء الوجه. قامت المخابرات المصرية من قبل بالسماح بنشر بعض ملفاتها الناجحة وتحولت بعضها لأعمال درامية سواء كانت بزرع جاسوس مثل رفعت الجمال، أو عميل مزدوج مثل أحمد الهوان (جمعة الشوان)، أو كشف جواسيس (مثل مسلسل السقوط في بئر سبع). ولو كان لأشرف مروان دور حقيقي في خطة الخداع الاستراتيجي لكان من الأدعى أن تُكشف هذه الأوراق للمؤرخين ولكتاب الدراما وأن يُعامل كبطل حقيقي. لكن هذا لم يحدث، ومن الواضح أنه لن يحدث.
الكتاب غني بالفقرات التي تُغري بالاقتباس والمشاركة، لكن لعل من أكثر ما لفت نظري -وأرى أنه من المناسب أن يكون في ختام هذا المقال- هذا الجزء المتعلق بتفسير الكاتب لطريقة تعامل النظام المصري
مع أشرف مروان بعد انكشاف عمالته للموساد، وأحاول هنا أن أنقل كلامه كما هو:

" توجد ثلاثة تفسيرات مكملة للمعاملة المراعية التي تلقاها مروان بعد انكشاف هويته كجاسوس للموساد. منها أهمية قضية العار في المجتمع العربي. ففي حين أن قدراً كبيراً من قيمة المرء داخل المجتمع يتوقف في الثقافة الغربية على مسألة الذنب مقابل البراءة، فإنها تعتمد في الثقافة العربية بشكل أكبر بكثير على مسألة العار مقابل الشرف. ولا ينعكس العار على الفرد فحسب، وإنما أيضاً على الجماعات التي يرتبط بها، بما فيها العائلات الصغرى والكبرى، والقبائل، والدول. فعندما يتبين أن فرداً من النخبة العليا في مصر، وليس هذا فحسب بل صهر عبد الناصر نفسه، والمستشار الشخصي للسادات والمؤتمن على أسراره، وأحد أبنائه صديق مقرب من جمال مبارك، وابن آخر له صهر عمرو موسى، هو الرجل الخائن الأكبر في التاريخ المصري، فإن هذا سيجلب الخزي والعار لا لمروان فقط، وإنما أيضاً لمبار والنخبة الحاكمة المصرية برمتها، وسيشكل ضربة قاصمة للكرامة الوطنية للبلد ككل.
وهناك مسألة وثيقة الصلة بعبء العار، وهي نزعة الدفاع عن المنتمين للمجموعة نفسها بصفته (واحد منا). بالنسبة إلى الرجال الأقوى في النظام قد يكون مروان خائناً لكنه كان صديقاً أيضاً وفرداًمحترماً من أوساطهم المقربة. ولهذا السبب كان يستحق الحماية.

أخيراً يوجد أيضاً الخوف من الضرر الذي يمكن أن يتسبب به مروان لو اتخذ النظام إجراءً قانونياً ضده فقام بالتالي بإفشاء الأسرار التي لديه. فكونه جزءاً أساسياً من النخبة المصرية لما يزيد عن 40 عاماً ومعرفته للأسرار الشخصية لأشد الرجال نفوذاً في مصر يجعله مصدر تهديد حقيقي. وكان مروان يدرك ذلك وقد أنكر في حوار مع هيكل في لندن في عام 2006 أن يكون مبارك قد منعه من زيارة مصر وقال (لا يمكنه فعل ذلك. أنا قادر على تدميره) كما قال أنه قادر على فعل المثل مع آخرين منهم عمر سليمان". انتهى.

تتبقى لدي نقطة شكلية، صحيح أن مستوى الترجمة جيد بشكل كبير، لكني كنت أتمنى أن يكون المترجم مصرياً مطلعاً على أدبيات حرب أكتوبر والمصطلحات العسكرية المصرية، لأن الكتاب لا يخلو من بعض الخلط في الأسماء والأعلام، فعلى سبيل المثال استخدم المترجم في بعض المواضع مصطلح (الحرس الثوري) بدلاً من (الحرس الجمهوري)، و(سنة القرار) بدلاً من (سنة الحسم)، وأحد المسئولين ظهر مرة باسم (المصري) ومرة باسم (المسيري) ولا أدري أيهما الصحيح.. إلخ.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.