المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد الحيان Headshot

عودة التحكم شبح يهدد انتخابات 7 أكتوبر

تم النشر: تم التحديث:

يشهد المغرب مستهل شهر أكتوبر/تشرين الأول المقبل تنظيم انتخابات تشريعية هي الثانية في عهد الوثيقة الدستورية المعدلة في 2011، وينظر جل المراقبين والمتابعين إلى هذه الانتخابات على أنها انتخابات مهمة ويصعب التكهن بنتائجها، وخصوصاً أن الساحة السياسية تشهد هدوءاً غير عادي طوال الأشهر التي سبقت موعد الانتخابات على حساب بروز فاعل جديد في الصراع الحزبي وهو وزارة الداخلية.

يمثل حزب العدالة والتنمية أهم أطراف اللعبة السياسية، وهو حزب إسلامي معتدل، يقود الحكومة الحالية، حيث إن أبرز حضور له في التدبير السياسي المباشر كان بعد الربيع الديمقراطي، الذي أعطى لجل الفاعلين السياسيين هامشاً من الديمقراطية للتحرك، ودفع الدولة إلى رفع يدها عن التدخل المباشر في الشأن السياسي. لقد حصل الحزب على الصدارة بعد أول عملية انتخابية في ظل الربيع الديمقراطي ما خوله تشكيل وقيادة تحالف حكومي، ساعده في ذلك من جهة خطابه السياسي وتمتعه بقاعدة جماهيرية واسعة -في المدن بدرجة كبيرة وتوسعه التدريجي بالقرى بسبب تنامي الوعي السياسي بها بفضل مستويات التحديث التي تعرفها القرى- كما كانت عذريته السياسية عاملاً مساعداً في ذلك.

يُعرف الحزب وباعتراف الجميع بديمقراطيته الداخلية وبالتزام أعضائه، فلقد أثبت من خلال ممارسته السياسية، قدرته على الانتقال من نفق الأيديولوجيا إلى فضاء الميثودولوجيا أي من الجماعة الطائفية والحزبية بما تحمله من مفاهيم الانغلاق والتحيز إلى الفعل السياسي الحقيقي، بما يمثله من الانخراط الفعلي في هموم الفئات الاجتماعية المختلفة باعتبار الحزب، كما يقول عن نفسه حزب لكل المغاربة، وهو ما تأكد اعتماده سواء في الاستوزار أو اختياره مسؤوليه داخلياً، فالحزب في إسناده المسؤوليات يعتمد معايير الكفاءة والاستحقاق وليس منطق الولاءات، كما تعرف بعض الأحزاب.

هناك نقطة تسجل للعدالة والتنمية أثناء اختياره لوكلاء لوائحه في الانتخابات التي ستجرى مطلع أكتوبر المقبل، حيث عمد الحزب إلى ترشيح أحد الوجوه السلفية بالمغرب وكيلاً للائحة بإحدى مقاطعات مدينة مهمة كمراكش -قبل أن يتم منعه من طرف الداخلية لأسباب غير مقنعة- وأيضاً ترشيح ليبرالي آخر في إحدى مدن الشمال، كما راجت أخبار عن اقتراح الأمين العام لحزب العدالة والتنمية (رئيس الحكومة الحالي) لأحد شباب حركة 20 فبراير، التي كان لها الفضل في إطلاق دينامية التغيير بالمغرب للترشح باسم الحزب في لائحة الشباب، وهذه المنهجية في اعتقاد جل المتتبعين، منهجية ذكية وتنم عن نضج جزء مهم من الحركة الإسلامية بالمغرب بالانفتاح على مختلف القوى المجتمعية، التي تسعى إلى دفع عجلة الديمقراطية إلى الأمام.
إن "العدالة والتنمية" فتح أبوابه للجميع، لكل التوجهات السياسية، فقد جعل المعركة بحق ضد ما يعرف في السياق المغربي بـ"التحكم" ويعبر عنه كذلك "الدولة العميقة". وبالتالي كل من يواجه التحكم فهو مرحب به داخل قلعة العدالة والتنمية، أي أنه ليس حزباً منغلقاً على ذاته ليس جماعة دينية أو فرقة طائفية، بل هو أشبه بتكتل للقوى الديمقراطية ضد ما يسميه بقوى التحكم والردة الديمقراطية.

ومما يؤاخذ على الحزب، حسب البعض، هو تقديمه لتنازلات في أكثر من مناسبة وصمته من المس بصلاحيات رئيس وأعضاء الحكومة، في الوقت الذي منحت فيه الإصلاحات الدستورية لرئيس وأعضاء الحكومة صلاحيات واسعة لم تكن متوافرة من قبل، الأمر الذي يتم تبريره في الغالب بأنه تنازل من أجل المصلحة العليا للوطن، وكذلك كون الانخراط في حكومة ائتلافية يستدعي الاستعداد لتقديم تنازلات بشكل مستمر فهي الوقود الذي يضمن استمرارية هذه الحكومة.

ثاني أهم طرف في اللعبة السياسية هو حزب الأصالة والمعاصرة الذي يعرف اختصاراً بـ"البام"، ويوصف بأنه حزب القصر، فقبيل الانتخابات الجماعية لـ2009 بحوالي ستة أشهر تقريباً، التحق هذا الوافد الجديد بالمشهد الحزبي المغربي، تم تأسيسه من طرف "فؤاد عالي الهمة" أحد المقربين من البلاط الملكي، والذي صار مستشاراً لدى جلالة الملك فيما بعد. رغم ما قد يبدو أنه فقد بعضاً من رأسماله الرمزي بعد خروج مؤسسه عالي الهمة والتحاقه بالقصر كمستشار للملك، لكن ذلك لم يؤثر فيه وفي امتداده وجذبه لرموز الأحزاب الأخرى إلى صفوفه، فهو حزب سخرت له جميع الوسائل ليحكم.

لعل أهم ملاحظة يمكن أن تثير المتابع في ما يخص مسار هذا الحزب الذي لم يولد ولادة طبيعية، هي اكتساحه للانتخابات الجماعية لـ2009 التي حصل فيها على الصدارة في ظرف قياسي لم يتجاوز ست أشهر، في سيناريو يظل صعب التحقق حتى في أعتى الديمقراطيات.
ولعل أقرب وصف لهذا الحزب/الكيان هو ما صرح به الصحفي المغربي توفيق بوعشرين في مناسبة سابقة؛ حيث قال إن "البام ليس حزباً سياسياً، بل هو تعبير عن الخوف عند الدولة من الديمقراطية، إنه جواب خاطئ عن مشكل حقيقي". البام زواج غير شرعي بين المال والسلطة في غياب لعنصر مهم في تكوين الأحزاب السياسية وهو الأطروحة السياسية والقاعدة الشعبية، ما يكون نتيجته جماعة مصالح شخصية وجماعة وظيفية لخدمة أجندات معينة.

الفاعل الآخر هو النظام السياسي، ليس من خلال دعمه لطرف على حساب آخر، هذا الدعم الذي قد يتخذ إما شكل إضعاف أحدهما أو من خلال الدعم المعلن أو الخفي للآخر، ولكن عبر سياساته تجاه العمليات الانتخابية، يتعلق الأمر هنا بتخفيض العتبة الانتخابية أو بطبيعة التقطيع الانتخابي، اللذين يصبان في خدمة النظام السياسي من خلال التحكم في الخريطة الانتخابية بعدم السماح للأحزاب الكبيرة للاكتساح وتشكيل الحكومة منفردة، وما يعنيه ذلك من تنزيلها لبرنامجها الانتخابي دون الحاجة إلى الدخول في تحالفات. المبرر الذي يقدمه النظام هنا هو فسح المجال للأحزاب الصغيرة بالحصول على تمثيل برلماني، وهو ما يصب في مصلحة الأحزاب الكبيرة، فهي المتضرر من تخفيض العتبة الانتخابية. في حين يظل النظام السياسي هو المستفيد الأكبر؛ لأنه حينها سيكون قد نجح في منع اكتساح أي حزب في الانتخابات، وبالتالي يكون قد حافظ على موقعه داخل اللعبة السياسية.

لا شك أن هناك أحزاباً كثيرة ستدخل غمار الاستحقاق المقبل، ولكن الرهان عليها ليس بنفس مستوى حزب العدالة والتنمية و"البام" وبينها النظام السياسي، وإن كنا نعجز أحياناً عن فهم حدود حزب "البام" عن النظام السياسي؛ نظراً للتماهي الذي يبدو لنا بين الفينة والأخرى بينها. لقد سخرت لـ"البام" جميع الوسائل، بل إنه حتى الولاة أحياناً يدخلون معارك بالوكالة، وما يعرف بقضية والي العاصمة الرباط في مواجهته للعدالة والتنمية إحدى أكبر القرائن على صحة ذلك.

بالمجمل يمكن القول إنه لا يمكن لأحزاب لا تحترم الديمقراطية الداخلية أن تؤسس لنا لثقافة ديمقراطية في المجال العام، الممارسة الديمقراطية لا تتجزأ، وتحقيق الانتقال الديمقراطي لا يزال يحتاج لأشواط في هذا البلد الذي تحكمه تعددية حزبية لا سياسية، وأول هذه الأشواط هو قطع الطريق على حزب التحكم من ترؤس الحكومة؛ لأن لذلك معنى وحيداً هو أن نضالات وتضحيات حركة 20 فبراير وكذا ما تم تحقيقه في ظل الحكومة الحالية سيذهب في مهب الريح؛ لأن البلد سيعود إلى مرحلة ما بعد 2011، وهو ما لا نتمنى حدوثه.