المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد الإمام ماء العينين Headshot

ما جدوى أن تكون كاتباً في مجتمع لا يقرأ..؟

تم النشر: تم التحديث:

ما جدوى أن تكون كاتباً في مجتمع لا يقرأ..؟
سؤال طرحته علي تلميذة خلال إحدى الدورات التكوينية التي أنشطها بين الفينة والأخرى حول الكتابة الشعرية, قد لا يكون محرجاً بيد أنه يبعث على القلق بشكل من الأشكال, كان نتيجة نقاش مع قريبة لها في معرض حديثهما عن الكتابة ومستقبلها الشخصي, لتواجهها بأن الشعر لن يتيح لها ما تسد به رمقها "ماغاديش يوكلك الخبز" بالتعبير المغربي الدارج.

أجتهد- قدر الإمكان- في تلك الدورات ألا أكون واعظاً يمتلك الحقيقة, لذلك نبني الأفكار لبنة لبنة, بصيغة تجعل "التلاميذ الشعراء" أكثر ثقة في أنفسهم وأكثر إصراراً على مواصلة الطريق رغم المثبطات التي قد تعترض عزائمهم الجذلى.

في مجتمع لا تعتبر فيه القراءة من الأولويات, نتيجة مجموعة من العوامل من بينها ارتفاع نسبة الأمية والفقر إلى جانب المدخلات التعليمية التي تعتمد الحفظ منهجاً, فضلاً عن أوضاع الكتاب والفنانين التي لا تزال دون المأمول, رغم بعض المبادرات المعزولة في غالب الأحيان, تبدو الحاجة إلى استراتيجية وطنية للقراءة أمراً ملحاً, يكون قطب رحاها هو الكاتب والفنان, وترتكز على مسائل عدة تنطلق من الوعي بأن القراءة وسيلة أساسية من وسائل التربية على المواطنة:

أولاً: إدماج بعد القراءة في المنظومة التعليمية بما يجعلها تشجع التلاميذ والطلبة على القراءة باعتبارها مدخلاً أساسياً لتقدير الذات والخلق والابتكار.

ثانياً: تشجيع المجتمع المدني باعتباره شريكاً أساسياً للمؤسسات الحكومية على خلق مبادرات وأنشطة متنوعة حول القراءة والكتابة على مدار السنة.

ثالثاً: ضرورة انخراط وسائل الإعلام السمعي البصري في مبادرات القراءة عبر برامج وريبورتاجات ينشطها كتاب وفنانون من أجل التوعية بأهمية القراءة.

رابعاً: انفتاح مختلف المبادرات الحكومية وغير الحكومية على المكتبات العمومية من خلال مجموعة من الأنشطة بغية نفض الغبار عنها والتشجيع على ارتيادها.

خامساً: التشجيع على تكريم الكتاب والفنانين باعتبارهم واجهة مشرفة للوطن.

تلك بعض الأفكار التي اعتبارها بمثابة الخطوات الأولى والأساسية نحو مجتمع قارئ, تكون القراءة من بين أولويات أولوياته, ولست هنا متشائماً بأي حال من الأحوال, أو من ذلك النوع من الأشخاص الذين يضعون على أعينهم نظارات سوداء ويصيحون في الملأ "ما بال العالم يكسوه السواد؟ّ", فتلك مجرد تأملات متواضعة نابعة من وخزات الغيرة على وطني والوطن العربي برمته, يمليها الأمل في أن يحوز المكانة التي يستحقها بين أمم العالم.

في مجتمع لا يقرأ يجد السؤال حول جدوى الكتابة مشروعيته وصداه, ليس لوجاهته لكن لتلاؤمه مع المنطق السائد حول الإنسان وأشيائه, وأتذكر في هذا السياق حكاية لطالما تندر بها البعض, بيد أنها تخفي في طياتها مفارقة تجد دعامتها في مجتمعات معينة, فالحكاية تتحدث عن شخص اجتاز سنوات الجامعة السبع بنجاح ليتخرج طبيباً, حين عاد إلى قريته فرحا بشهادته, قال لوالده: "لقد أصبحت طبيباً" ليجيبه على الفور: "ماذا كان يضيرك لو صبرت قليلا لتتخرج دركياً" ,هكذا تنتهي الحكاية لتفسح المجال لكل منا كي يبحر في خيالاته المتأرجحة بين المضحك والمبكي لخيط الدهشة الرفيع.

إن الانتقال نحو مجتمع قارئ لن يتحقق إلا بتضافر جهود جميع الفاعلين في المجتمع, حكومات ومجتمع مدني وأسر من أجل غد أفضل ومجتمع أكثر رقياً, على أساس من المواطنة الحقة التي لن تتأسس إلا عن طريق الوعي والمعرفة في مختلف تجلياتها.

وختاماً, أستعير عبارة لدون كيشوت على فراش الموت ملخصاً فيها أمنيته الأخيرة بأن تتاح له فرصة العيش من جديد أو يمتد به العمر ليقرأ أكثر, حيث يقول: "لست آسف إلا على شيء واحد, هو أن زوال الغشاوة عني جاء متأخراً بحيث لن أستطيع تعويض الزمن الضائع بقراءة كتب أخرى تكون نور الروح".

فلنقرأ قبل فوات الأوان...!