المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد القدوسي Headshot

كتاب الثورة "11"| بنية الثورة المضادة (البعد المحلي)

تم النشر: تم التحديث:

إذا كانت الثورة "تغييراً جذرياً حالّاً وشاملاً ينتظم بنية المجتمع"، فإن حصر معنى الثورة المضادة، بالمقابل، في ثبات هذه البنية وعدم تغييرها- يظل تعريفاً قاصراً، فالثورة المضادة ليست مجرد تسكين الزلزال الثوري، لكنها "منع الاستجابة لعوامل الثورة على الرغم من وجودها" وهو منع يستدعي تحريفاً سلوكياً يبتعد ببنية المجتمع عن التغيير.

وعلى هذا، فإن الثورة المضادة هي أيضاً تغيير يلحق بالمجتمع، وإن كان ذا طبيعة مختلفة، فإنه يجب الاحتراز من التعويل على هذا الاختلاف وقتاً طويلاً. فهو تغيير موضوعه "السلوك" ولا يبدأ ببنية المجتمع، لكنه بطول المدة يمكن أن يصل ـعبر التراكمـ إلى تغييرها، وهو "تحريف" بمعنى خلق "مظهر" يغاير "الجوهر"، لكن مرور الزمن يجعل المظهر يترك بصمته على الجوهر، فالحلم بالتحلم، والصبر بالتصبر، والتمارض يؤدي إلى المرض.

والشاهد هنا، أن عجلة التغيير لا تتوقف منذ أن يبدأ دورانها بـ"الحراك الثوري" وحتى تصل إلى غايتها النهائية، وأن مرحلة "الثورة المضادة" ليست إيقافاً للحراك الثوري وانتهى الأمر، لكنها حراك آخر يتوخى تحقيق أهداف معاكسة له، ولا يتوقف بتوقُّفه؛ بل يستمر ويتجدد، تأكيداً لقاعدة أن الثورة بطبيعتها مستمرة، حتى وإن كانت "ثورة مضادة".

ومن هنا، نفهم سر تجدد الثورة، باعتباره أمراً يتعلق ببنيتها وليس بالنزوع إلى الثأر ولا الرغبة في الانتقام، فهو سمة من سمات الثورة نفسها، وليس مجرد تجلٍّ من تجليات الصراع في ساحتها.

كما نفهم أن هيمنة حالة "الإحباط العام" في سياق الثورة المضادة ونموها لدرجة تتجاوز حتى قدرات الطغمة الحاكمة على القمع، تأتي تعبيراً عن صدمة مجتمع وجد نفسه داخل دوامة تجذبه دوائرها ليبتعد أكثر فأكثر عن هدفه الذي كان يعتقد أن الوصول إليه بات وشيكاً، فالإحباط هنا لا يعبر عن بؤس "الواقع" وحده، لكنه يعبر عن التناقض بينه وبين الطموح من جهة، وعن تمادي البؤس إلى مدى غير منظور من جهة أخرى.
***

على الصعيد المحلي، اعتمد عسكر مصر في صناعة ثورتهم المضادة على التلاعب بعاملين من عوامل الثورة الأربعة؛ وهما: عامل التكلفة (أن تتساوى تكلفة الثورة مع تكلفة الخضوع). وعامل الصراع الداخلي (أن يصل الصراع بين قطاعات السلطة إلى درجة ملموسة).

أما العامل الأول، والذي تلاعب به العسكر ليتمكنوا من قمع المحاولات الأولى للتصدي لثورتهم المضادة، فيرجع التلاعب به إلى انطلاق حراك 25 يناير/كانون الثاني 2011، حيث عمد العسكر إلى "خفض" تكلفة الثورة إلى أقل من حقيقتها، أو جعلها تبدو كذلك، عبر تشجيعهم بعض الإعلاميين والساسة المرتبطين بأجهزة القمع على تصدُّر الصفوف و"تسخين" الهتاف، وهم يعرفون أن الثائر الحقيقي حين يراهم سيندفع إلى أبعد منهم، بعد أن يقف أمام نفسه متسائلاً: إذا كان هؤلاء ـالأكثر رفاهاً ونفوذاًـ يخاطرون بأنفسهم كل هذه المخاطرة، فعلام أخاف أنا؟ ومع اندفاعه تُزايد طليعة أجهزة القمع على موقفه، فتشجعه على مزيد من الاندفاع، وهكذا حتى أصبحنا بصدد حراك ثوري جارف لا يوقفه تساقط الشهداء ولا تعطله جروح المصابين.

ثم قلب العسكر ظهر المجنّ فيما بعد 30 من يونيو/حزيران 2013، حيث تعمدوا رفع تكلفة الثورة إلى أكثر من حقيقتها، أو جعلها تبدو كذلك، بالمبادرة إلى استخدام أقصى قوة نيرانية وشرطية وقضائية وإعلامية، كمّاً وكيفاً، في مواجهة المحتجين تظاهراً واعتصاماً وفرض معادلة "الموت مقابل شبهة الاعتراض".

ويكفي هنا أن نتذكر مشاهد الجثث المضروبة بالطلقات المضادة للدروع في ميدان رابعة العدوية، والجثث المحروقة جماعياً في ميدان النهضة، والجرافات وهي تكتسح الأشلاء الآدمية من على وجه الأرض بالميدانَين وفي غيرهما، حيث أصبحت كل "مواجهة" تترجم إلى "مجزرة" ومن لا يقتله العسكر مباشرة في الميدان يقتله قضاؤه بعد ذلك، وفي كل الأحوال سيتكفل الإعلام بتلويث سمعته وتشويه سيرته.

وأشير هنا إلى أن عامل التكلفة هو أحد تجليات غريزة "حب البقاء" التي قلنا (في الفصل الثاني) إن الثورة هي تعبير الجماعة عنها في ذروتها؛ إذ تخوض الجماعة مجازفة الثورة؛ لأنها توفر لها فرصة للبقاء أفضل من تلك التي يتيحها لها الواقع الذي تثور عليه، وهكذا فإن التعجيل باندلاع الثورة يتطلب إقناع الجماهير بأنها توفر هذه الفرصة الأفضل (الحياة الكريمة بدلاً من مهانة القمع والفقر).

وفي المقابل، فإن صرف الجماهير عن الثورة لا يتطلب أكثر من إقناعها بأن الواقع (بكل ما فيه من مهانة الفقر والقمع) أفضل من محاولة للثورة لا أمل فيها؛ إذ ستنتهي حتماً بقذيفة تفتت الجسد أو اعتقال طويل الأمد يفتت الروح، وهو ما راهن عليه العسكر وما يردده قائدهم حرفياً طوال الوقت.

ولِيتمكن الجنرال من فرض الاستكانة على جماهير كانت عملياً تشارك في سياق فعل ثوري، استعان -منذ زمن الحراك الثوري- بمقدمتين؛ الأولى هي تفتيت الكتلة الشعبية ووضع مكوناتها في حالة صدام، تدفع كل طرف إلى الشك في الآخر واليأس من المشاركة معه، والمقدمة الأخرى تؤدي إلى حجب الرؤية الصحيحة وراء ضلالة مركبة.

أما التفتيت، فكان بأن روج الجنرال تقسيم الشعب إلى: ثوار وإخوان، وكلاهما اسم على غير مسمى. فالثوار هم أقليات الجنرال المتساندة ليس إلا، تلك الأقليات التي تتحرك في حدود أوامره ومساحاته المسموحة، وهم أنفسهم الذين سيخاطبهم "السيسي" بعد ذلك بـ"المصريين" -بترقيق الصاد- ويسمون أيضاً "القوى الوطنية"؛ تجنباً للتذكير بالثورة وثوارها.

والإخوان هم كل الذين نافسوا العسكر على السلطة في زمن الحراك، وكل المتمسكين بمسار الثورة المبتعدين عن المنافسة على السلطة (حتى وإن لم يكونوا من المنتمين إلى جماعة الإخوان). وقد اجتهد العسكر في أن يحمِّلهم مسؤولية الجرائم التي ارتكبها منذ بداية الحراك، حتى تلك التي كان ضحاياها من الإخوان أنفسهم، وحتى إن كانت هذه الجرائم قد ارتكبت لإقصائهم عن السلطة.

وبنهاية مرحلة الحراك، روَّج العسكر لحصر فعل "الثورة" في الإخوان، الذين سبق "نبذهم" بمعنى فرزهم وإفرادهم، من قبل، وهو حصر لا يعني أن "كل إخواني ثائر"؛ بل يعني أن "كل ثائر إخواني". ومع وصم الإخوان بالإرهاب يصبح "كل ثائر إرهابي"، إضافة إلى تأكيد أن "كل إرهابي مباح الدم".

ومحصلة هذه المقدمات هي إطلاق يد العسكر في دماء الثوار، لهذا فإنه وبدلاً من أن تدين الجماهير المجازر التي يرتكبها الجنرال، أصبحت تصدّر لهم باعتبارها انتصارات وبطولات، حتى وهي تُرتكب ضد معتقلين أو مخطوفين لا حول لهم ولا قوة.

ولا نغفل أن "الإخوان المسلمين" بالتعريف الحقيقي لا بالتعريف الذي روجه العسكر، ساعدوا هم أنفسهم على ترسيخ وهْم أن كل ثائر إخواني، بحرصهم على تأكيد أنهم الأكثر تضحية وبذلاً في سبيل الثورة. والحقيقة أنهم الأكثر تضحية بالفعل، بحكم أنهم الأكثر عدداً وحشداً من بين كل القوى المشاركة في الحراك، وبحكم أنهم، ومع بداية الثورة المضادة، أصبحوا يخوضون معركة الثورة، إضافة إلى معركة السلطة التي تم إقصاؤهم عنها، لا بمعنى عزل ممثليهم فيها؛ بل بمعنى السعي إلى تأبيد استبعادهم من بلاطها، وهي المعركة التي انسحب حلفاؤهم منها تباعاً، وثبتوا هم فيها، وتدريجياً اعتبروها معركتهم الأساسية، وحرفوها لتصبح هي الثورة.

الإخوان ـمن دون أدنى شكـ هم الأوسع مشاركة والأكثر تضحية وبذلاً للدماء والحريات والأموال من أول الحراك الثوري وحتى الآن، وعلى هذا فإن الملحوظة هنا لا تتهمهم بمجافاة "الحقيقة"؛ بل تتحدث عن مجانبة "الحصافة" والوقوع في فخ التحريف.

وأما التضليل، وهو المقدمة الأخرى التي مهد بها الجنرال لفرض الاستكانة، فكان بتمجيد فكرة "السلمية" وترويج أن التزام الثوار بها يجعلهم أقرب إلى حمل مؤسسات الدولة على الاستجابة لمطالبهم، وهي رؤية تعتمد على مغالطات متراكبة؛ إذ السلمية لا تعني التنازل النهائي عن القوة، لكنها تعني تأخير خيار اللجوء إليها، والشاهد البسيط على هذا أن المحتشدين في ميدان التحرير هددوا "مبارك" عندما تلكأ في الاستجابة لمطالبهم بأنهم سيتوجهون إلى مقر إقامته للقبض عليه، وهو عمل لا يمكن إنجازه إلا بالقوة.

وعلى الأصل، فإن "الدولة" -كما أكدنا من قبل- هي نقيض "الثورة"؛ ومن ثم فإن مؤسساتها لا يمكن أن تنصاع لإرادة الثورة (نقيضها) إلا خوفاً من سيف القوة، الذي يكفي أن تدرك حضوره، سواء أكان مُشهراً أم في غمده. من هنا، جاء انتقادنا الواضح لفكرة الاعتصام في رابعة العدوية، من حيث اختيار المكان الذي يكرس المقدمة الأولى (إذ ساعد على أن يستقر في الأذهان وهْم أن الثوار كلهم إخوان، وأنهم معزولون عن "الشعب" الذي ذهب للاعتصام في ميدان التحرير) ومن حيث منهج الفعل الاحتجاجي أيضاً، المنطلق من مقدمات واضحة الخطأ، مصرّاً على الغفلة، وطرح تصور يبدأ من أن هناك دولة، لها مؤسسات، وأن هذه المؤسسات تدار بقوانين ودستور، وأن كل ما يلزم لاستنهاضها للدفاع عن "الشرعية" هو أن ترى هؤلاء المعتصمين وهم يهتفون "الشعب يريد!" ملتزمين السلمية التي رسخ العسكر في أذهانهم أنها تعني إسقاط استخدام القوة من الحسبان، حتى قوة الحشد.

إذ الحشد دوره الوحيد (كما يرون) هو الهتاف بأعلى صوت ممكن! وهي رؤية تعود بنا ـفي تخلفهاـ إلى ما قبل القرن السابع عشر، وتحديداً إلى ما قبل "توماس هوبز" الذي ينقض ـرغم كونه يُصنَّف محافظاًـ هذه الترهات في كتابه "اللفياثان"، حيث يقول: "إن التعهد بألا أدافع عن نفسي ضد القوة بالقوة هو باطل دائماً. فلا أحد يمكن أن يفوض، أو يتخلى عن، حقه في إنقاذ نفسه من الموت والجروح والسجن، بما أن تفادي هذه الأمور هو الغاية الوحيدة من التخلي عن أي حق.

من هنا، فإن الوعد بعدم مقاومة القوة لا يفوض أي حق بموجب عهد، ولا هو بملزم. فعلى الرغم من أن أحدهم قد يتعهد قائلاً: (إذا لم أفعل كذا وكذا اقتلني)، فإنه لا يستطيع أن يتعهد بالقول: (إذا لم أفعل كذا وكذا، فإني لن أقاومك حين تأتي لقتلي)؛ ذلك أن الإنسان بطبيعته يختار أهون الشرَّين وهو خطر الموت في أثناء المقاومة، بدلاً من الشر الأكبر، وهو الموت المؤكد والراهن في حالة عدم المقاومة".

وقد ضاعف من خلل هذه الرؤية، الخلط المستمر بين "الشرعية"، وهي قيمة معنوية تستقر في النفوس ويعتقد الناس ضرورة الالتزام بها، و"المشروعية" وهي مجرد إجراءات تُتخذ وأوراق تحمل نصوصاً وتعهدات، لا قيمة لها في ذاتها ما لم يعتقد الناس بـ"شرعيتها"، حيث إن "قوة الكلمات أضعف من أن تلزم الناس بإنجاز عهودهم" كما يقول "هوبز" في الكتاب نفسه، فالأمر لا يتعلق بالكلمات؛ بل بإيمان الناس بها (يمكن هنا الاستعانة بتفسير نظرية الالتزام لقوة القانون، وهو تفسير ملخصه: القانون ملزم بقدر اعتقاد الناس بإلزامه).

ومما يروى عن المخرج الشهير "بيتر بروك"، أن أحدهم سأله: كيف أصبح مخرجاً؟ فقال له: أقنِع فريق العمل بأنك مخرج. وفي "أقنِع" هذه يكمن الفرق الجوهري بين "الشرعية" وهي ما يقتنع به الناس ويرسخ في وجدانهم، و"المشروعية" وهي التعهدات والأوراق والأختام والتوقيعات، التي لا تساوي من دون الشرعية شيئاً، بالضبط كما أن صدور قرار بتعيين أحدهم مخرجاً لا يعني أن فريق العمل سيرضى به، ولا أنه سيقدم عملاً ناجحاً.
***

ونصل الآن إلى العامل الآخر من عوامل الثورة، الذي تلاعب به العسكر لتأمين ثورتهم المضادة، وإقامة جدار عازل لحمايتها، وهو عامل "الصراع الداخلي"، الذي يعني أن يصل الصراع بين سلطات ومؤسسات الدولة إلى درجة ملموسة، تكفي لتكوين "ثغرات" يمكن لقوى الثورة النفاذ من خلالها.

وكان "الحل العبقري" والمناسب تماماً لتراث الجنرال؛ للحيلولة دون نشوب هذا الصراع، هو ألا تكون هناك "دولة" ولا سلطات! نعم، هكذا بكل بساطة! ألا تختزل دولة الجنرال السلطات كلها في السلطة التنفيذية، ثم تختزل السلطة التنفيذية في جانبها المسلح، ثم تختزل الجانب المسلح في "الجنرال" وحده؟

ألم "يتفلت" فتات السلطة من أصابع الجنرال -فيما قبل بدء الحراك الثوري- بسبب ما أبداه من "تسامح" وقلة حزم، على نحو سمح باتساع ما سماه الجميع، من دون خجل ولا تذمُّر "هامش الحرية"، في اعتراف صريح بأن "القمع هو الأصل"؟ فليحذف هذا الهامش، وليعد الجميع إلى "المتن" الذي هو "القمع"، ولتتفرغ "معارضة" الجنرال، التي هي جزء من نظامه، للمطالبة بـ"فتح المجال العام الذي صار مغلقاً" بدلاً من مطالبتها السابقة بـ"توسيع هامش الحرية".

وفي المقابل، ليكن هناك حديث يسري في صفوف هذه المعارضة نفسها عن "إصرارها على مطلبها" رغم تقديرها لما تسميه "دوافع" تدّعي أنها "دعت إلى إغلاق المجال العام"، بدءاً مما يسمى الحرب على الإرهاب، إلى ما يسمى مواجهات تفرضها التنمية، كأنها تقول: لا نطالب بفتح المجال العام على مصراعيه؛ بل تكفينا فرجة صغيرة، مع استعدادنا لتبرير العودة إلى إغلاقها.

وهكذا تسترد المعارضة في دولة الجنرال وظيفتها التاريخية الأصيلة "قرع الطبول" وتفريغ بؤر الغضب الشعبي أولاً بأول، مع تبني أكاذيب مفضوحة، بلا خجل.

وهكذا يواصل قارعو الطبول حديثهم عن وعود التنمية والأمن فيما يسمونه "الدولة" رغم تأكيد الجنرال عجزه عن تحقيق أي منهما، فلا أمن ولا تنمية، ولا حد أدنى للحقوق ولا حد أقصى للواجبات، ورغم اعتراف الجنرال نفسه بأنها "شبه دولة" وتأكَّد الجميع من أنها "أشلاء دولة".

ويتحدثون عن "سلطات" رغم علم الجميع أن ليس فيها إلا "صبيان الجنرال" الذين يختارهم بنفسه؛ بل ويجعل من انفراده باختيارهم قانوناً، ليصبح من يخالف استبداده "خارجاً على القانون"! فأي قانون؟ وأية دولة هذه التي تقنن الاستبداد وتتمسك به وتقضي على من يتصدى له؟

والاستبداد -كما يقول "عبد الرحمن الكواكبي" في كتابه "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد"- "يقلب الحقائق فى الأذهان، فيسوق الناس إلى اعتقاد أن طالب الحق فاجر، وتارك حقه مُطيع، والمُشتكي المُتظلم مُفسِد، والنبيه المُدقق مُلحد، والخامل المسكين صالح، ويُصبح -كذلك- النُّصْح فضولاً، والغيرة عداوة، والشهامة عتوّاً، والحميّة حماقة، والرحمة مرضاً، كما يعتبر أن النفاق سياسة، والتحيل كياسة، والدناءة لُطْف والنذالة دماثة!".

وبهذا، ينتفي آخر أمل في القابلية للإصلاح، تلك القابلية التي تمثل مظهراً من مظاهر الدولة، والتي يقطع انتفاؤها بأن الدولة انهارت، ولم يبق من بنيتها إلا طغمة تتشظى؛ ما يؤدي إلى مزيد من تقلص بقاياها متمحورة حول "الجنرال" الذي يتعاظم وجوده قطباً وحيداً، كلما ازداد تشظي طغمته لتصبح مجرد غبار يدور في فلكه، فلا تشبه ماضيها "العريق" إلا بقدر ما تشبه الحصاة الجبل.

ويتسارع ذلك التشظي مع سعي الجنرال لتعويض خسائر مرحلة الحراك الثوري، المالية والسياسية، متبعاً قانون "رحلة الضباع"، حيث الافتراس هو مصير الضبع الجريح، يأكله رفاقه لحين التمكن من القبض على الطريدة.

وهكذا، فإن "الجنرال" يُجهز على بعض المقربين منه (انظر إلى مصير ساويرس والسيد البدوي وغيرهم) ممن احترقت أوراقهم وأصبحوا عبئاً على معركته، أو ممن ناوأه طمعاً في قطعة أكبر من كعكة السلطة، قبل أن يتمكن من "كنس" ما تبقى من فتات لدى الجماهير (طريدته)، لدرجة أنه يُنْقِصُ رغيفاً من "الأرغفة الخمسة" التي كان يمنحها للمواطن، على طريقة "جراية السجناء"!

وإذا كان سعي الجنرال لتعويض خسائر مرحلة الحراك الثوري هو ما يصرف "البيئة الموالية" عن موالاة الطغمة الحاكمة إلى موالاة الطليعة الثورية (من جهة؛ لأن تقلص الطغمة يقلل قدرتها على إبقاء الجماهير في فلكها. ومن جهة أخرى؛ لأن المواجهة الصريحة مع أنياب الجنرال ومخالبه تستنفر آخر قدرات المقاومة لدى الجماهير)- فإن هذا السعي، في الوقت نفسه، يُخرج الأقليات المتساندة و"قوى المعارضة" من حسابات "القدرة الثورية"، حيث إن مبادرة الجنرال إلى إقصاء كل من يناوئه تلغي دور هؤلاء الذين كان دورهم -كما قدموا أنفسهم في زمن الحراك الثوري- هو توفير الغطاء "القريب من السلطة والمقبول بالتالي غربيّاً".

والآن، وقد أصبحوا بعيدين عن السلطة؛ بل محض فرائس لها، تتخلص الثورة من عبئهم (أعني عبء الدور وليس الأشخاص)، وتتضاءل قدرتهم على الاستمرار في مساندة الجنرال، وتشكيل البديل الذي يساعده على إعادة إنتاج سلطته، كما حدث في 30 من يونيو/حزيران 2013م.

وهو تصحيح مهم جداً لبنية المجتمع، يشكل القيمة الثورية الكبرى التي تختمر في أثناء مرحلة الثورة المضادة وبفضلها؛ إذ يسفر عن تفتيت رؤوس الجسور التي أقامها الجنرال مع الأقليات، وكانت تربطها بفلكه؛ ما يسمح بانعتاق هذه الأقليات وعودتها مرة أخرى للاقتراب من دوائر الأغلبية، على الأقل بحكم أن الجميع يجد نفسه مستبعداً من قِبل الجنرال.

وهكذا يتراجع الوجود المهيمن لما يسمى "التيارات والقوى السياسية" التي هي جزء من دولة الجنرال، تأسس في ظلها، ويتماهى مع آلياتها؛ ومن ثم فهو منذور للغروب مع غروبها، مفسحاً المجال لتكوين شرعية الثورة عبر أحزاب نبتت من أرضها وتسعى لتحقيق أهدافها.

وأحسب أن الفصل الحاسم في هذا الغروب كُتب يومَ قبِل هؤلاء أن يلعبوا دور "دلّال السوق" يوم طلب منهم الجنرال في 26 من يوليو/تموز 2013م تفويضاً بالقتل، قبل أن يرتكب المذابح الأسوأ في تاريخ مصر. والحقيقة أنه لم يكن بحاجة إلى التفويض لارتكاب جريمته، التي كان يمكنه ارتكابها في كل الأحوال، والتي هي جزء من بنية المرحلة (الثورة المضادة)، لكن التفويض كان توثيقاً لتورط هذه الأحزاب والقوى السياسية في الجريمة، على نحو أدركت معه أن حياتها بكل تفاصيلها باتت معلقة بخيط سلطة الجنرال، وأنها لا تملك إلا التفاني في خدمة هذه السلطة، حتى والجنرال يتفنن في التنكيل بها.

وأحسب أن بوسعنا الآن الانتقال إلى البعدين الإقليمي والدولي في الثورة المضادة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.