المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد القدوسي Headshot

كتاب الثورة "6"| في حتمية الثورة

تم النشر: تم التحديث:

أحسب الآن أن الصورة اتضحت بشأن ما تسعى الثورة لهدمه، وهو "حكم العسكر" في صيغة دولة "الجنرال في القلب والأقليات المتساندة من حوله والركن الثالث استبعاد الأغلبية"، التي مررنا بالأساسي من تفاصيلها، من حيث النشأة التاريخية والبنية السياسية والمجتمعية.

هذه الدولة التي شاع خطأ تسميتها "الدولة العميقة" تبريراً للعجز عن إدراك وجودها، والتعامل مع أدواتها، وفي المحصلة الفشل في مواجهتها، باعتبارها "عميقة" وهم ليسوا "عِمَاقاً" في إصرار على "التبرير" يتضمن إصراراً على "التضليل".

بينما المؤكد، أو ما ينبغي أن يكون مؤكداً الآن، أنه ليس في عمق هذه الدولة ما يختلف عن سطحها، وأنها دولة واحدة مهما بدا من اختلاف بين جنرالها وأقلياتها، أو بين الأقليات بعضها البعض.

وتتجلَّى "حتمية الثورة" على هذه الدولة في سؤالين؛ الأول: لماذا الثورة على هذه الدولة؟ والثاني: إن كان ولا بد من التغيير، فلماذا لا يكون التغيير إصلاحياً؟ ونبدأ بالسؤال الثاني، الأبسط والأقصر إجابة، بتأكيد أن دولة الجنرال غير قابلة بنيوياً للإصلاح من زاويتين:
* أن استبعاد الأغلبية (وهو ركن هذه الدولة الثالث الذي لا تنهض من دونه) يعني غياب الرقابة الشعبية، التي هي الأداة الأولى والأصيلة للإصلاح.
* كما أن عدم التناسب المطلق بين قوة الجنرال وبين محصلة ضعف أقلياته من ناحية، وبين الجنرال وأقلياته (معاً) وبين الأغلبية المستبعدة من جهة أخرى، يجعل أية محاولة للإصلاح محكومة بالفشل قبل أن تبدأ، والأسوأ أن دعاة الإصلاح كما أشرنا من قبل سيصبحون هدفاً للملاحقة بتهم باطلة بقدر ما هي مشينة.

وتتضح الزاويتان معاً عندما نتذكر كم الحركات الاحتجاجية التي شهدتها مصر منذ جلوس "محمد علي" على أريكة الحكم إلى اليوم، وهي حركات حرص التاريخ الرسمي لدولة الجنرال على تجاهلها، برغم عددها الكبير الذي يفوق نظيره في فرنسا أو الولايات المتحدة مثلاً، ونتذكر أيضاً المحصلة الضعيفة لهذه الاحتجاجات؛ إذ يشير عدد الاحتجاجات الكبير إلى طبيعة دولة الجنرال القابلة للفساد، ما يجعلها في حاجة إلى "دخول الورشة" للإصلاح على فترات متقاربة، ويشير ضعف المحصول إلى بنية الدولة التي تستعصي على محاولات الإصلاح.

لهذا فإن "الثورة" هي السبيل الوحيدة لتغيير هذه الدولة، وهو ما يعيدنا للحديث عن السؤال الأول؛ حيث الثورة حتمية لأن "الحد الأدنى" من مطالب المواطن، لا يمكن أن يتحقق، وسيهدر بالضرورة تحت حكم العسكر.

وتتلخص مطالب أي "مواطن" في أية دولة عبر التاريخ والجغرافيا في:
* ضمان الحقوق والحريات الأساسية (الحياة السلامة الاعتقاد الرأي التعبير التنقل التعليم العمل).
* استقرار قيمة العملة حتى تحتفظ مدخراته بقيمتها من عقد إلى عقد ومن جيل إلى جيل.

ولا يكفي وصف دولة الجنرال بأنها تعجز عن تحقيق المطلبين معاً، ولا بأنها لا تبالي بهما؛ إذ الحقيقة أن بنيتها الأساسية صممت على إهدارهما معاً. بالنسبة للهدر الاقتصادي، هناك احتكار مصادر الثروة، الذي يمارسه الجنرال بحكم قوته؛ حيث يمتلك العسكر أكثر من نصف أرض مصر، وعملياً فهم يملكونها كلها، بحكم قدرتهم، من دون ضوابط تقريباً، على نزع ملكيتها، كما يهيمنون على التجارة عبر التحكم في قواعد ومنافذ التصدير والاستيراد، وقوانين تنظيم النشاط التجاري، وعلى الصناعة بامتلاكهم جيشاً من العاملين بالسخرة، ما يجعل التفكير في منافستهم منافسة حرة ضرباً من الجنون،

والحال بالنسبة للمدخرات أسوأ، ولنتذكر أن أول عملة ورقية مصرية من فئة الجنيه صدرت في عام 1899م، كانت قيمة الجنيه الواحد منها 7.43 من الغرامات الذهبية، بينما قيمة غرام الذهب الواحد الآن 705 جنيهات، أي إن قيمة العملة انهارت أكثر من 5238 مرة، وما كانت قدرته الشرائية مليون جنيه في مطلع القرن العشرين لا تزيد قدرته الشرائية الآن على 190 جنيهاً من جنيهات ذلك الزمان، فلا معنى للادخار في دولة الجنرال ولا طائل من ورائه، أو إن الادخار في حقيقة الأمر هو "إهدار ملكية الأغلبية المستبعدة لصالح تمويل القدرات القمعية للجنرال".

كما حدث في "مأساة" شهادات استثمار البنك الأهلي المصري، التي اشتراها البسطاء المستبعدون في ستينيات القرن العشرين، مقابل زيادة مدخراتهم 65% بعد عشر سنوات، وحين ذهبوا لصرف المدخرات كانت قيمتها الشرائية قد انخفضت إلى الثلث، أي أنهم خسروا نحو نصف قيمة هذه المدخرات (مقابل الفرصة البديلة التي كانت متاحة لو أنهم اشتروا بها ذهباً أو عملة أجنبية كالدولار والإسترليني)، ناهيك عن تعطيلها طوال عشر سنوات لم تكن لها خلالها فائدة إلا توفير السيولة التي استغلها حكم العسكر في الإنفاق على أجهزة القمع والتضليل.

وقد تكرر الأمر نفسه، وبتفاصيل أكثر انكشافاً وأشد سوءاً، مع ما عرف بـ"شهادات قناة السويس" التي صدرت في أغسطس/آب 2014 بفائدة 12.5% أعلن بعد ذلك عن رفعها إلى 15.5% أي أن من اشترى شهادات بقيمة 1000 جنيه سيكون بوسعه استردادها، إن صدق العسكر، في 2019 بقيمة 1460 جنيهاً، سعر صرفها الآن بالدولار 77 دولاراً، وهو سعر مرشح لمزيد من الانخفاض عندما يحين موعد الاسترداد بعد عامين. بينما كانت هذه الألف جنيه في أغسطس/آب 2014 تساوي نحو 135 دولاراً، أي أن "المدخر" المصري، من أبناء الأغلبية المستبعدة "أهدر" في واقع الأمر،

نصف القدرة الشرائية لنقوده، فقط كي يوفر لحكم العسكر السيولة اللازمة لمصادرة حقوقه وحرياته وقمعه، من أول أدوات القتل إلى بناء 11 سجناً منذ الانقلاب العسكري الأخير، استهلكت ميزانيتها نحو 15% من حصيلة بيع شهادات القناة! وأقر بأن المحاولات "المستميتة" التي بذلتها لأشرح للناس هذه الكارثة قبل أن تقع ذهبت كلها أدراج الرياح، فلم يكن أعجب من تكرار العسكر للخدعة نفسها إلا اندفاع الناس لتكرار السقوط فيها،

وعلى نحو أسوأ، وهو موقف لا يكفي لشرحه قاعدة أن المحتال يعتمد على طمع الضحية، بل الأولى في هذا السياق التفكير في أن غياب التصور الصحيح يحول دون التعلم من الأخطاء ويمنع تراكم الخبرات، بحيث يتكرر السقوط في الفخ نفسه مرات ومرات، في تنكر لنعمة "الذاكرة" التي كانت القدرة على نقلها من جيل لآخر فاتحة الحضارة الإنسانية.

هذا عن الهدر الاقتصادي، أما إهدار الحقوق والحريات، فلا يحتاج سجل حكم العسكر لقول المزيد عنه، ووقوعه هو مقتضى عدم التناسب المطلق في القوة (لصالح الجنرال) الذي تتأسس عليه الدولة، ولمزيد من التأكيد أرجو ملاحظة حرص "نخبة" دولة الجنرال عبر عصورها وطبعاتها على وضع نفسها تحت حماية قوة أجنبية كبرى، من أول الحصول على "رعوية" دولة أوروبية مهما كانت صغيرة في حكم "محمد علي" وذريته، لحماية النشاط التجاري، والاحتماء بها من شر الاضطهاد السياسي، إلى حمل الجنسية الأميركية، أو جنسية أوروبية ذات شأن من قِبل من يسمون بـ"رجال الأعمال" ومعظمهم مجرد واجهات تجارية لقوى أساسية في حكم العسكر، ومع ذلك، أو قل ولذلك، فإنهم يحرصون على مظلة الجنسية الأجنبية، حتى لا يلقوا مصير "العشب" مع أول صراع ينشب بين "الفيلة" ناهيك عن الصراع معها.

وهؤلاء أنفسهم من يحملون فضلاً عن صفتهم المالية صفات وزراء ونواب برلمانيين، وتبلغ المهزلة مداها حين يجلس وزير العسكر ذو الجنسية الأميركية للتفاوض مع نظيره الوزير الأميركي، أو يستقبل نائب في برلمان العسكر وفداً من الدولة الأوروبية التي كدح طويلاً ليحمل جنسيتها، ثم يخرج هذا وذاك مدعين أنهم تفاوضوا باسم مصر ولصالحها، فأي "صالح" هذا؟ وكيف يكون "الفاسد" إذاً؟

ومن التبجح وحكم أساسه القوة لا يستغرب منه التبجح أن تسرف هذه السلطة، ملتبسة الولاء، في الحديث عن "الوطنية" واتهام كل مَن هو ضدها بـ"الخيانة" في تدليس متكرر وشائع، يعتمد على خلط ثلاثة مفاهيم هي: الوطن، والدولة، والحكومة؛ حيث:

* الوطن: هو مجموعة القيم المعنوية والمقومات المادية التي تنهض بها حياة الجماعة البشرية، وتؤمن بها وتمتلكها هذه الجماعة، وهذه القيم في مصر هي: الدين، رابطة المواطنة التي تقوم على احترام الدم والعرض والملكية، التقاليد المستقرة. والمقومات هي: الأرض، النيل، الثروات الطبيعية، المعارف والفنون والصنائع. ويسمى احترام هذه القيم والمقومات "وطنية" وعكسها "الخيانة". وهكذا فإنه من الخيانة التي مارسها العسكر عبر قرنين من الحكم، ورأيناها في انقلابهم الأخير: انتهاك رابطة المواطنة بالاعتداء على الدم والعرض والمال، وانتهاك قدسية الدين، والتفريط في الأرض (بيع تيران وصنافير لاقتطاع جزء آخر من لحم مصر الذي أكله العسكر منذ محمد علي بحيث لم يتبق لها إلا سدس مساحتها) والتفريط في النيل، والتفريط في الثروات الطبيعية كحقول الغاز.

* الدولة: وهي منظومة التشريعات والسلطات القائمة على الوطن. والثورة هي هدم الدولة وإقامة دولة أخرى. وتاريخياً فإن مصر (الوطن) هدمت دولاً أكثر مما أقامت، بحسبان ما هدمت أو ساهمت في هدمه من دول قامت خارجها قبل أن تحكمها، ولم يُسمَّ أي من هذا الهدم خيانة أبداً. في مصر القديمة، هدمت الدولة القديمة في أول ثورة معروفة تاريخياً، لتدخل مصر ما عرف بـ"عصر الاضمحلال الأول" ثم تبنى الدولة الوسطى، وتهدم ليتلوها "عصر الاضمحلال الثاني" ثم الدولة الحديثة، ثم الإسكندر ودولة البطالمة، ثم الوقوع تحت حكم الرومان، والبيزنطيين (الرومان الذين اعتنقوا المسيحية) ثم دولة الخلافة الراشدة من عهد (ولاية أو حكومة) عمر بن الخطاب، ثم الدولة الأموية، فالعباسية ودويلاتها، فالفاطمية أو العبيدية، فالأيوبية، ثم دولة المماليك بعصريها، ثم الدولة العثمانية (وفيها الاحتلال الفرنسي)، ثم دولة العسكر (وفيها الاحتلال البريطاني والصهيوني) وهي ما تسعى الثورة إلى هدمه.

* الحكومة: هي المؤسسات المخولة بممارسة السلطة في المجتمع، في إطار منظومة التشريع وتوجهات الدولة، وتحظى بقبول عام، ويسمى الاختلاف مع الحكومة "معارضة".

ويعمد الطغاة ومنهم العسكر إلى الخلط بين معنيي الوطن والدولة، وصولاً إلى اتهام الثوار (الرافضين لدولتهم) بالخيانة (كأنهم ضد الوطن). كما درجت نخبة العسكر على التهويل من أمر "معارضتها" للحكومة في كل ممارساتها أو بعض منها ووصفها بـ"الثورة" كلما كانت في حاجة لشراء ولاء "الأغلبية المستبعدة".

والحقيقة أنها مجرد "معارضة" مهما بلغت حدة الاحتجاج فيها، وحتى في الأحوال التي تعتبر فيها تمهيداً للثورة بطريقة أو بأخرى، فإنها تظل معارضة، ما دامت تكتفي بالاختلاف مع الحكومة في حدود منظومة الدولة (كالمواجهات القضائية والتظاهرات المطلبية)، والمعارضة جزء من نظام الدولة بينما الثورة هدم لها، وهو تناقض جوهري في البنية.

هذا هو "الإطار العام" الذي نقترحه حاكماً لقراءة المشهد كما تبدى منذ 25 من يناير/كانون الثاني 2011، واستشراف مآلاته، على ما سيأتي تفصيله.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.