المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد القدوسي Headshot

كتاب الثورة"1"| زائر بودلير

تم النشر: تم التحديث:

سيدي، ليس ما كتبتَه شعراً. هكذا، رد الشاعر الفرنسي "بودلير" على زائره الذي كان يعرض عليه ما يظن أنه قصائد. ولشيء من المواساة، قال له: طالما لا تُحسن كتابة الشعر يمكنك أن تكتب النثر، فهو فن أيضاً. وسأل الزائر عن الفرق بين الشعر والنثر، فقال بودلير ببعض التبسيط: الشعر كلام منتظم الإيقاع، أما النثر فهو كالكلام الذي نتداوله في أحاديثنا اليومية. وهنا، رفع الزائر حاجبيه متعجباً، ومعجَباً في الوقت نفسه، وهو يقول: يا إلهي! يعني أنا أتكلم بالنثر منذ خمسين سنة من دون أن أعرف؟

من حقك أن تضحك من سذاجة زائر بودلير، لكن من واجبك تذكر أن "الحكم على الشيء فرع عن تصوره"، وتوضيح القاضي "عبد القاهر الجرجاني" أن "التصور: حصول صورة الشيء في العقل".
والآن، يمكن أن نذهب لإجابة سؤال الثورة، ولن يدهشنا اكتشاف أن الكثيرين هم كزائر بودلير، ليس لديهم تصور لها، حتى وإن كانوا قد انغمسوا في بعض تفاصيلها. كما لن يدهشنا، ما دامت الصورة لم تحصل في العقل، أن نجد كل هذا الخلط بين الثورة والاحتجاج والتذمر والهبّة، وبين الثورة وأدواتها، بحيث يصبح كل حشد جماهيري ثورة، وكل تظاهرة تسمى -على الأقل- موجة ثورية جديدة!
فلننتقل إذاً من موقف "الزائر" إلى موقف "بودلير" ولنحاول رسم الصورة في العقل، منذ البداية.

***

اعلم -هُديت إلى الصواب- أن الثورة بالتعريف هي "تغيير واعٍ جذري حَالٌّ وشامل ينتظم بنية المجتمع".
وثمة سمة أخرى من سمات الثورة، هي أنها لا بديل لها.

ولنبدأ في رسم الخطوط الخارجية للصورة، دعونا نذهب إلى مقهى متساقط الطلاء يرتاده أحد عابري السبيل. إن فتات الطلاء المتساقط يضايق "الزبون" لكنه لا يعبر عن ضيقه، وأقصى ما هناك أنه، على الأرجح، سيشرب قهوته متعجلاً، وهذا ما يسمى "التذمر": مجرد ضيق -أو حتى غضب- مكتوم. لكن، ماذا لو كان الزبون مضطراً إلى إطالة البقاء في المقهى؟ ربما استدعى النادل ليشكو إليه، أو ليطالبه بتعويض عن قهوته التي لوثها فتات الطلاء، وهذا يسمى "الاحتجاج" وهو سلوك لا يهدف صاحبه إلى أكثر من بعض التعديل -وليس التغيير- في بعض التفاصيل، مكتفياً باستخدام ما يسمونه "القنوات الشرعية"، ولاحِظ أنه اكتفى بالحديث مع النادل (مع أنه مجرد ضحية أخرى لفتات الطلاء) ولم يتوجه لصاحب المقهى؛ لأنه -في نهاية المطاف- مجرد زبون، وعابر سبيل مهما طال مكثه.

والآن، لنفترض أن الوضع ازداد سوءاً، فهناك قطعة كبيرة من الطلاء سقطت في الفنجان، لتسكب بعض القهوة على ملابس الزبون، أو أن النادل -المتذمر هو الآخر- رد بخشونة على الاحتجاج. هنا، ربما ارتفع صوت الزبون، وربما طالب باستدعاء صاحب المقهى، أو الشرطة، وتلك "هبّة" ستنتهي سريعاً على أية حال، سواء بتطييب خاطره وربما منحه ما يعوّض بعض خسائره، أو بإلقائه خارج المقهى مع تهديده، أو بتدخل الزبائن الآخرين وربما الشرطة، لكنها في كل الأحوال ستنتهي مع استمرار تساقط فتات الطلاء، فإيقافه نهائياً لم يكن هدفاً لها؛ بل كانت تسعى إلى الخلاص الفردي من آثاره (بعضها أو كلها).

وكل ما سبق ليس هو الثورة، لا التذمر ولا الاحتجاج ولا الهبّة هي الثورة، ولا يعد أي من هذا "أداة ثورية" إلا إذا جاء في إطار رؤية شاملة تربطه ببقية الأدوات وتحدد وظيفة كل منها. ومن لوازم هذه الرؤية، أن الثورة والدولة التي تستهدفها نقيضان، فلا حوار معها ولا قنوات تصلها بها، وأن الثورة -على الأصل- عمل "ضد القانون"، وعلى هذا فهي غير معنية -على الأصل- بأية شرعية إلا شرعيتها.

لهذا، فإن كل تذمر لا يفضي بالضرورة إلى ثورة، وكل محتجّ لا يعد ثائراً لمجرد أنه رفع عقيرته معلناً رفضه؛ ذلك أن هذه الحالات (في صورتها المعزولة) تفتقر إلى "الوعي" والثورة تغيير "واعٍ" لا يكتفي بمعرفة ما يرفضه (وهي المعرفة المتاحة لكل متذمر وحتى كل من هو في أولى درجات الغضب)؛ بل يعرف ما يريده، والأكثر أهمية أنه يعرف طريق الوصول إليه.

هذه الأشكال، التي لا ترتقي إلى درجة ثورة، وصفها "كارل ماركس" بـ"الجَيَشان الثوري"، واعتبر الملاحقة غير الواعية لها سبباً مباشراً في تلقي القوى الثورية (البروليتاريا من وجهة نظره) هزائم متلاحقة تطيل عمر الثورة المضادة، حيث يقول في "18 برومير ـ لويس بونابرت" الذي تناول "الربيع الأوروبي" وهو -في تقديري- مؤلَّفه الأكثر أهمية، عن هذه القوى الثورية: "إنها تحاول من جديد أن تتقدم إلى الأمام كلما لاح لها أن الحركة تنهض من جديد، ولكن هذه المحاولات تضعف أكثر فأكثر وتسفر عن نتائج تتضاءل أكثر فأكثر. وحالما كان يعتري إحدى الفئات الاجتماعية جَيَشان ثوري، كانت تدخل في حلف معها. وهكذا، كان لها نصيب في جميع الهزائم المتوالية التي مُنيت بها الأحزاب المختلفة".

ويالها من صورة قاسية، وصادقة، لثوري هو بطبيعة موقفه نقيض للدولة التي لم تسقطها الثورة بعد، والتي تميزت -تحت تأثير الحراك الثوري- إلى عناصر تستجمع قواها مستعيدة شكلها الأول (سلطة الثورة المضادة) وأخرى تواصل دمدمتها، متذمرة أو محتجة، على هذه السلطة، وحريصة -في الوقت نفسه- على بقائها، أو على الاحتفاظ بصلاتها معها ولو في حدها الأدنى! ثوري في جهة وثورة مضادة بسلطتها ومتذمريها في جهة أخرى، وأزمة الثوري أنه يشارك كل فصيل متذمر معركته مع السلطة، غير منتبه إلى أنها مجرد مشاجرة داخل البيت نفسه، وأن هذا الفصيل الذي يشاركه أقرب إلى عدوه، أو أنه -بالتكوين العضوي- جزء منه.

ولهذا، فإن العدو "سلطة الثورة المضادة" والشريك سيصلان إلى "صفقة ما" يُنهيان بها "المشاجرة" في نهاية المطاف، وسيحرصان -ربما بالقدر نفسه- على إخراجه مهزوماً، وتتكرر الهزائم بتعدد الفصائل المتذمرة والمحتجة، مخلفةً "الثوري" وحيداً خائر القوى، في مواجهة الثورة المضادة، بسلطتها وشركائه السابقين من المتذمرين المحتفظين بقواهم؛ إذ خاض كل منهم "مشاجرة" واحدة، بينما خاض هو "معارك" بعدد "مشاجراتهم" جميعاً، ما استنزف قواه تماماً.

والمدهش، أن يظل الجميع تقريباً في مصر، ورغم كل ما جرى، أسرى الصورة النمطية نفسها، فالثورة عندهم لا تعني إلا تظاهرات يشارك فيها مدنيون يحملون لافتات سياسية مختلفة، لا تجمعهم أية رؤية مشتركة، إلا إسقاط الحاكم الذي لا يدركون حدود وجوده وتأثيره ويَقصرونه على شخص (أو بضعة أشخاص في أحسن الأحوال)، ثم لا يحملون أي تصور لما بعد ذلك، وفي تظاهراتهم يتلقون رصاص الطغمة الحاكمة بصدورهم العارية، ومن ينجو منهم يخضع لمحاكمات حسب القوانين التي وضعتها الطغمة نفسها لحماية وجودها، ولا يكون أمام "المتهم" حينئذ إلا الدفاع عن نفسه، محاولاً إقناع الطغمة بمشروعية الثورة، ويا لها من مهمة مستحيلة! أو التنكر للثورة أو التماس الرحمة من جلّاديه، ويا لها من مهانة! بل، وقبل هذا وذاك، يا له من قصور في التصور أنتج -بالضرورة- خللاً فادحاً في الحكم، يحتاج تصحيحه إلى ضبط تعريف الثورة بمختلف حدوده!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.